كورونا.. مؤامرة بيولوجية أم وباء لم يكن في حسبان البشر

التاريخ والوقت : الإثنين, 16 مارس 2020

فيروس قاتل تحول إلى جائحة عالمية وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، ودفع العديد من الدول إلى فرض الحجر الصحي على نفسها والانعزال عن العالم. الفيروس المخيف الذي انتشر كالنار في الهشيم أصبح أخيرًا محلاً لاتهامات توجه إلى الولايات المتحدة الأميركية بأنها هي التي نشرته في الصين، في إطار حرب بيولوجية.

هذه الاتهامات التي ساقها المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الصينية إلى الجيش الأميركي، دفعت الولايات المتحدة لاستدعاء السفير الصيني بها للاحتجاج.

نفس الاتهامات أيضًا وجهتها إيران إلى أميركا. وبغض النظر عن صحة الاتهامات أو عدمها، فإن الدولة المتهمة نفسها أعلنت حالة الطوارئ في مواجهة الوباء الذي أصاب الآلاف، واضطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي كان يعتبر التقارير بشأن كورونا تهويلاً إعلاميًا إلى إعلان الحرب على الفيروس ووضع خطة لجمع 50 مليار دولار لمواجهته.

هل هي حقًا مؤامرة؟!

هذه الأقاويل والنظريات التي انتشرت حول كون الفيروس مؤامرة بفعل فاعل، دفعت وزارة الخارجية الروسية لنفي أن تكون هي التي تقف خلف انتشار هذه الأخبار والمقولات على وسائل التواصل الاجتماعي، في ردها على تصريحات لمسؤولين أميركيين قالوا إن روسيا هي التي تقف وراء الحملة. لكن الاتهامات الأخيرة من قبل الصين وإيران قد يغيران الصورة ويدفعان العالم إلى التحقيق في هذه المزاعم والبحث عمن يقف خلف هذا الوباء الذي دفع الدول لفرض حظر عالمي للسفر.

إيران نفسها متهمة باستخدام الوباء لشن حرب بيولوجية على دول الخليج، إذ ترفض ختم جوازات الأفراد الذين يزورونها عند الدخول أو الخروج منها، وهو ما يصعب عملية تعقب مسار الشخص الذي زارها ويتسبب في انتشار الفيروس عند عودته إلى بلاده. وتتهم دول الخليج إيران بتعمد القيام بهذه الأفعال في إطار حربها ضد الخليج. كما أنها لم توقف الرحلات إلى دول مثل لبنان والعراق، ما يسمح بتفشي الوباء الذي فشلت الحكومة الإيرانية في مواجهته.

تم تطويره بشريًا أم نتاج من الطبيعة؟!

تقول منظمة الصحة العالمية إن فيروس كورونا المستجد “هو فيروس حيواني المصدر ينتقل للإنسان عند المخالطة اللصيقة لحيوانات المزرعة أو الحيوانات البرية المصابة بالفيروس. كما ينتقل عند التعامل مع فضلات هذه الحيوانات. ورغم أن المصدر الحيواني هو المصدر الرئيسي الأكثر ترجيحًا لهذا التفشي الكبير للوباء، يجب إجراء المزيد من الاستقصاءات لتحديد المصدر الدقيق للفيروس”.

 وفيروس كورونا هو نوع من الفيروسات التي تصيب الأنف والجيوب الأنفية والبلعوم العلوي، ومعظم أنواع هذا الفيروس غير خطيرة، ولكن بعض أنواعه خطيرة جدً، كما تُعدُّ متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد SARSمن أسباب أحد أنواع فيروس كورونا، وكانت قد أدّت هذه المتلازمة إلى جائحة كبيرة في عام 2003، ومنذ عام 2015 لم يتم التبليغ عن حالات جديدة من فيروس SARS، ويمكن بتقديم العلاج العرضي التخفيف من أعراض هذا الفيروس والحد من خطورته.

انتشارالأخبار التي تتحدث عن نظرية المؤامرة، كان محفزًا لمجموعة من العلماء حول العالم لإصدار بيان يبعد شبهة المؤامرة في أزمة “كورونا”. البيان الذي نشر على موقع المجلة الطبية The Lancetوقَّع عليه أكثر من عشرة علماء بهدف دعم العلماء والمهنيين العاملين في مجال الصحة ويكافحون المرض، وأدان أيضًا الأقاويل التي تتردد حول وجود مؤامرة في انتشار الفيروس، وأنه مصدر طبيعي وليس قادمًا من مختبرات.

لم يقتصر الأمر على إصدار بيان يدين نظرية المؤامرة، وإنما شجع العلماء على دراسة الفيروس ليجدوا أنه لم يتطور بهندسة وراثية من صنع البشر، وإنما كان طبيعيًا من فيروس آخر. وهذا يدحض كافة الأقاويل حول تدخل البشر أو وجود عنصر مؤامرة في انتشار الوباء، سواء تلك التي تدعم طرحها بخروج الفيروس من مدينة ووهان التي تضم مختبرات سرية للحكومة، أو أن الآلات هي التي أطلقت الفيروس.

الإعلام الروسي يدخل على الخط

يعمل الإعلام الروسي على تكرار أن الفيروس تقف وراءه وكالة المخابرات المركزية الأميركية وشركات الأدوية العملاقة، ويستهدف العرق الآسيوي فقط، ويتكرر هذا الحديث في الإعلام الروسي ليوحي للمشاهد بأن هناك جزءًا من الحقيقة، حتى لو كان يتم طرحه بأسلوب ساخر؛ حتى وصل الأمر بالقناة الحكومية الأولى لتخصيص فقرة ثابتة لتناول “المؤامرة الغربية” بشأن فيروس كورونا في برنامج الأخبار المسائي “الوقت”. بالإضافة إلى العديد من البرامج الأخرى التي تتناول القضية على أنها مؤامرة وصناعة أميركية تهدف إلى تقويض الاقتصاد الصيني المتزايد.

ضربة اقتصادية

غياب المصل اللازم لعلاج المصابين بالفيروس حتى الآن، دفع بعض المراقبين لاستدعاء نظرية المؤامرة، فالبعض يراها حربًا من قبل الغرب، وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية، ضد الصين لوقف نموها الاقتصادي، خاصة أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب خاض مواجهة مع الصين منذ تولي منصبه للتوصل إلى اتفاق تجاري معها يضمن قوة أميركا الاقتصادية، وعرفت هذه المواجهة بالحرب التجارية.

الآثار الضخمة التي خلفها الإعلان عن الفيروس وحالة الهلع في مطارات العالم ودوله بخصوص الصين وفرض شبه الحصار عليها ومنها، كان له عواقب وخيمة على الاقتصاد الصيني. فمدينة ووهان من أكبر المراكز الصناعية في الصين، وتساهم المدينة في الاقتصاد الصيني بنحو 78% من الصادرات، و33% من الناتج المحلى، و90% من عمليات صهر النحاس، و65% من عمليات تكرير النفط، و60% من عمليات إنتاج الصلب، و40% من عمليات إنتاج الفحم. هذه الأرقام تشير إلى أي مدى تلقت الصين ضربة موجعة اقتصاديًا، ناتجة عن تفشي الوباء وترقب العالم التقارير اليومية التي ترد عن حالة المرضى وزيادة أرقام الوفيات.

الصين تحتل الآن المركز الثاني عالميًا في الاقتصاد بعد الولايات المتحدة، بناتج يبلغ مقداره 14 ترليون دولار، وهذه الأزمة المتوقعة اقتصاديًا لن تضر الصين وحدها وإنما ستلحق الضرر أيضًا بالعديد من البلدان التي تتبادل مع الصين تجاريًا وتستورد منها أو تصدر لها، إذ إن البلدان المستوردة لبعض القطع المستخدمة في صناعة ما ستضطر إلى وقف إنتاجها، كما أن الدول التي تصدر للصين سلعًا معينة أو مواد ستضطر أيضًا إلى إيقاف التوريد.

خطورة الأسلحة البيولوجية؟!

إذن، أمام هذه الضربة الكبيرة للاقتصاد الصيني، تتزايد نظرية الحرب البيولوجية، وتدخل أجهزة الاستخبارات. فلم تعد القضية مقتصرة على كونه فيروسًا نشأ بسبب عادات الصينيين الغريبة في تناول الطعام وأكل كل ما هو حي، منها الحيوانات الأكثر خطورة على الصحة التي تحمل فيروسات تقتل الإنسان كالخفافيش والكلاب والأفاعي.

فالسلاح البيولوجي يتميز بأن تكلفته بسيطة، وفي الوقت نفسه مؤثر بشكل سريع، إذا تمت مقارنته بالأسلحة الكيميائية والنووية، ولا يقتصر استخدام هذا السلاح على وقت الحرب فقط؛ ولكن قد تكون أعمالاً انتقامية لإثارة الذعر ضد المدنيين العُزَّل لفرض الإذعان والسيطرة. وقد يكون استخدامه ضد دولة أو شعب في إطار إخضاع هذه الدولة والتأثير عليها أو وقف نموها اقتصاديًا أو عسكريًا، بحيث يحقق المرجو من الحرب دون التورط في مواجهات عسكرية أو إعلان المواجهة أمام الرأي العام، وهو ما قد يلحق الضرر بالدولة الراغبة في الحرب.

السينما و”كورونا”

استدعت نظرية المؤامرة السينما الأميركية بطبيعة الحال. فكلما تجد حادثة في العالم يتم استدعاء الأفلام التي تناولت أفكارًا مشابهة لها من هوليوود، ويبدأ التكهن بأن الفعل تقف خلفه الولايات المتحدة الأميركية.

لكن الحرب البيولوجية هي أكثر أنواع الحروب فزعًا وضررًا بالإنسانية، إذ إن أضرارها لا تقتصر على منطقة الصراع أو المحاربين أنفسهم، وإنما تتجاوزها لكل سكان العالم والكائنات الحية الأخرى التي ستنقل هذه الأمراض والجراثيم للقضاء على أعداد كبيرة من البشر.

على سبيل المثال، إن الفيلم الأميركي “كونتيجين -Contagion” الذي أنتج عام 2011، تدور أحداثه حول انتشار فيروس مميت ينتشر عبر العالم جوًا ويدفع غالبية الدول للبحث عن لقاح لهذا المرض وعلاج يقضي عليه ويوقف نموه.

تعاطي الدول مع الأزمة

تعاطي الدول مع الأزمة العالمية تباين بين مكان وآخر، فبينما تسارع في بعض الدول، إذ أعلنت الصين، أخيرًا، أن الوباء بات تحت السيطرة، وقام الرئيس الصيني بزيارة مدينة ووهان التي ظهر فيها المرض للمرة الأولى، فإن دول أخرى اضطرت إلى فرض حظر كامل على أراضيها ومنع السفر منها وإليها، ووصلت في بعض الدول إلى حظر التجوال خوفًا من تفشي الوباء. لكن هذا لم يمنع من أن تظل دول أخرى كإيران تواجه المرض بإدارة غير حكيمة جعلت من البلد مركزًا له وفشلت في التعاطي مع مستجدات الأزمة العالمية. أمَّا الولايات المتحدة الأميركية التي أعلنت حالة الطوارئ، فإن علماءها يسابقون الزمن للوصول إلى لقاح لإعطاء أمل للبشرية في التصدي لهذا الوباء.

نتائج

سواء كان الفيروس مؤامرة أم لا، فإن هذا يجب أن يدفع العالم للتصدي لأي محاولات تعبث بحياة البشر، ومقاومة أي تطوير لأسلحة بيولوجية. وعلى العالم أن يعي ما يلي:

– الأسلحة البيولوجية هي الأكثر فتكًا وضررًا على الحياة بكل أشكالها، سواء كانت بشرًا أم حيوانات أم نباتًا.

– ينبغي التنبه لخطر اللعب بهذه المنطقة ونقل الصراعات من عمليات التفاوض ثم إلى المواجهات الاقتصادية فالعسكرية وصولاً للبيولوجية، التي تعد عدوانًا على الكوكب ككل.

– لا يجب الإفراط في استدعاء نظرية المؤامرة أو شغل العالم بأوهام ما لم يثبت لها دليل حقيقي. فمثل هذه التصرفات قد تعيق الشعوب، خاصة النامية، عن العمل والإنتاج، لاعتقادها دومًا أن هناك من يتربص بها ويريد أن يوقف نموها.

 

وحدة الدراسات الاجتماعية

المراجع
1 – هل كورونا” مؤامرة على اقتصاد الصين والعالم! اليوم السابع.
https://bit.ly/32sBi1i
2 – هل كورونا حرب بيولوجية؟! الأهرام.
http://gate.ahram.org.eg/News/2368461.aspx
3 – منها “الحرب البيولوجية”… “نظريات المؤامرة” تلاحق انتشار كورونا. إندبنتدت عربية.
https://bit.ly/2Tdfcvn
4 – فيروس كورونا: بين التداعيات الاقتصادية ونظريات المؤامرة. بي بي سي عربي.
https://www.bbc.com/arabic/inthepress-51406492
5 – العلماء يصدرون بيانا يدحض نظرية المؤامرة حول مصدر كورونا. البيان.
https://www.albayan.ae/one-world/overseas/2020-02-24-1.3786361
6 – فيروس كورونا: روسيا تنفي نشر معلومات على وسائل التواصل عن “مؤامرة أمريكية” وراء نشر الوباء. بي بي سي عربي. https://www.bbc.com/arabic/world-51601753
7 – فيروس كورونا: الإعلام الروسي يشير إلى “المؤامرة الأمريكية”. الغد.
https://bit.ly/2VxpA43

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر