كورونا بين المكايدات السياسية والتأويلات الغيبية.. هل تكسب معركة الوعي؟

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 17 مارس 2020

رباب كمال

 

يظل الوعي معضلة كبيرة، وتدور في رحاه تساؤلات عديدة، من بينها، كيف ُيمكن التمييز بين الوعي والوهم؟ ومن هذا المنطلق نشأ مصطلح الوعي الزائف.

بالرغم أنّ مصطلح الوعي الزائف False consciousness استخدمه كارل ماركس ( 1818-1883 ) لوصف ما أسماه تضليل الرأسمالية الحديثة لطبقة العمال، إلا أنّه تعدى هذا التعريف الأيديولوجي وأضحى مصطلحاً يُستخدم للتعبير إما عن وسائل ممنهجة تهدف إلى تضليل الجماهير، وإما للتعبير عن غياب الوعي الناتج عن نقص المعلومات أو عدم وضوحها أو بسبب الخوف الذي يتملك الجماهير من المجهول.

الوعي الزائف، إذن، هو محاولة تطويع قضية عامة واستغلالها في صالح دعم انتماءات سياسية أو دينية، حتى إن كانت تلك القضية مواجهة أوبئة خارجة عن السيطرة.

بين التهميش والتهويل

يتطلب الوعي بالأوبئة ومخاطرها الابتعاد عن التهميش أو التهويل على حد سواء، والاعتماد عوضاً عن ذلك على جمع المعلومة الموثقة وتحليلها (المنهج العقلاني) Rationalism مع الاستناد إلى الاستفادة من تجارب سابقة في التعامل مع تلك الأوبئة (المنهج التجريبي) Empiricism، والسعي إلى تبسيط وتوصيل هذه المفاهيم للجماهير خاصة العوام منهم.

أما المكايدات السياسية أوالتفسيرات الإيمانية الخارقة لتلك الظواهر، فهي تحيد بالجمهور عن بلوغ الوعي المطلوب بمخاطر تلك الأوبئة والتعامل معها.

في هذا السياق يمكن رصد خطابين للمكايدات السياسية مؤخراً في الواقع العربي، أحدهما مؤيد للحكومات والآخر معارض لها؛ حيث انتهج الخطاب المؤيد للحكومات نهجاً يرتكز إلى اتهام المتخوفين من انتشار الفيروسات بالعمل ضد استقرار الأوطان، ويُلاحظ أنّ هذا الخطاب يحمل ملامح طبقية ويتبناه في عمومه (وبدون تعميم) طبقة برجوازية أو شبه برجوازية تلجأ إلى إنكار خطورة تفشي الأوبئة، ويُعد أصحاب هذا الخطاب في حالة انفصال عن الواقع كونهم لا يدركون أنّهم جزء من الجمهور المُعرّض للإصابة.

بينما انتهج الخطاب المعارض للحكومات نهجاً يرتكز إلى تكييل الاتهامات بالتعتيم والتستر على الأوبئة، وهنا الأزمة غالباً لا تكمن في التعتيم بقدر ما هي مؤشر لغياب إدارة الأزمات الحكومية الفاعلة وما يتبعها من عوائق، وبالتالي فإنّ إدارة الأزمة على المستوى الحكومي والجماهيري أهم من الانشغال بالمكايدات والمشاحنات السياسية؛ لأنّ الوباء لا ُيفرق بين مؤيد ومعارض.
أما أصحاب التفسيرات الإيمانية، فهؤلاء فسروا انتشار الفيروسات والأوبئة إما غضباً من الله تعالى أو اختباراً إيمانياً من الله تعالى على حسب ديانة وعقيدة المصاب، فإن كان المصاب غير مسلم فالله تعالى منتقم جبار، وإن كان المصاب مسلماً فالله تعالى رحمن رحيم يعد لحامل الفيروس الثواب في الآخرة.

لكنّ الأكثر خطورة هو تلك التفسيرات الإيمانية التي جزمت أنّ انتشار الأوبئة هو إذعان بنهاية العالم، مما يحث الجماهير ضمنياً على الهجرة إلى الآخرة وتبني تفكير اتكالي قدري يسهم في عدم الاكتراث بالوقاية مما يؤدي إلى انتشار رقعة الإصابة، وهو ما يؤثر سلباً على مجهودات رفع وعي الجماهير في سبيل مواجهة تلك الأوبئة.

وانتشر أيضاً خطاب الإعجاز العلمي في حكمة ارتداء النساء للنقاب منعاً لانتشار الفيروسات، وهو تفسير يفتقد المنطق؛ لأنّ الرجال لا يرتدون النقاب وليس لديهم مناعة ضد الفيروسات، ويفتقد هذا الخطاب كذلك إلى الوعي بانتشار الأوبئة من جهة أخرى؛ لأنّ الحائل القماشي لا يحمي تماماً من الفيروسات، بل قد تعلق به وتُسبب الإصابة لاحقاً إن كانت تلك الفيروسات لها المقدرة على البقاء على الأسطح والملابس القماشية لعدة ساعات.

لا توجد حصانة أكيدة

الجائحة الوبائية Pandemic، هكذا وصفت منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا المستجد مؤخراً، واستيعاب المعنى لا يتحقق بالترجمة الحرفية وتداولها فحسب، وإنما بالتمييز بين ثلاث حالات: التفشي والوباء والجائحة.

تفشي الفيروس outbreak هو رصد حالات متزايدة من الإصابة في منطقة جغرافية محدودة، أما الوباء epidemic فهو انتشار الإصابة الفيروسية في منطقة جغرافية أوسع، أما الحالة الحرجة هي الجائحة الوبائية وهي خروج الفيروس عن السيطرة فيصبح عابراً للقارات. كما ينم المصطلح عن تفوق الفيروس على المناعة البشرية وهذا يعني عدم توفر لقاحات حاسمة للفيروس وإنما يتم العمل عليها.

أما بعد التوصل لتلك اللقاحات؛ فهنالك فترة للتجارب البشرية لتحديد مدى فاعلية اللقاح وعدم تسببه في مضاعفات؛ أي إنّ الأمر أشبه بسباق المعامل أمام عدو خفي متحول.

ومصطلح Pandemic مستوحى من اللفظ اليوناني pandemos بمعنى “يصيب الجميع”؛ أي لا توجد منطقة متحصنة بالمناعة ضده، ولا يوجد بشر متحصنون ضده، والعيش الرغد لا يمنع الجائجة الوبائية، وهنا ازداد الوعي بخطورته وربما تجلى هذا المعنى مع إعلان إصابة وزيرة الصحة البريطانية نادين دوريس، ووزيرة المساواة الأسبانية، ايرين مونتيرو، بفيروس الكورونا المستجد، مما يستدعي إيداعهما الحجر الصحي، ومتابعة وزراء الحكومتين، وكذلك  الممثل الأمريكي توم هانكس وزوجته، وكذلك مدرب فريق الأرسنال الإنجليزي لكرة القدم مايكل أرتيتا، الأمر الذي يضع الدوري العام في مهب الريح في حال تطبيق سياسة العزل الوقائية وما يتبعه من خسائر اقتصادية لكل القطاعات المتعاملة بشكل مباشر أو غير مباشر بما في ذلك العمالة البسيطة.

ما يجب إدراكه كمعلومات أولية عن جائحة كورونا

أولاً: العام 2020 قد يوحي بتطور سبل الوقاية وإدارة الأزمات ضد الجائحة الوبائية، فالإدارة والرصد وسبل التوعية عبر الإعلام الرقمي أسرع وأكثر تأثيراً مما كانت عليه الأمور في العام 1918، حين شهد العالم جائحة الأنفلونزا الإسبانية، فأصابت 500 مليون نسمة، وأودت بحياة ما لا يقل عن 50 مليون نسمة، لكن على صعيد آخر فإنّ تطور وسائل المواصلات والسفر يجعل الجائحة في العام 2020 أسرع انتشاراً مما يزيد من خطورتها.

ثانياً: يعوّل عدد من الباحثين على الصفات الموسمية لجائحة كورونا، والصفة الموسمية تعني أنّ انتشار الفيروس يزداد في الشتاء، ويتراجع في الأجواء الأكثر دفئاً حسب عدد من الباحثين من بينهم الطبيب الإنجليزي (بول هنتر).

حتى وإن كان الأمر كذلك، فلا يجب أن يغيب عن الأذهان أن نصف العالم الشمالي مقبل على الصيف بينما الجنوبي مقبل على الشتاء، لذا فإنّ موسمية الفيروس تتحدد بمنطقة جغرافية.

وفي هذا الصدد، صرّحت منظمة الصحة العالمية أنّ انحسار الجائحة صيفاً شيء مأمول لكن لا يمكننا افتراض ذلك بدون دليل قاطع، كما أنّ بعض الباحثين ينكرون حملها للصفات الموسمية التي تنحصر صيفاً، ويعتبرون ذلك مجرد تمنيات متفائلة حسب ما صرح به الطبيب الأمريكي أنتوني فاوتشي، رئيس المعهد الأمريكي للأمراض المُعدية.

ثالثاً: لا بد من التمييز بين الحالات التي تم رصدها وبين الأرقام الحقيقة للإصابة، ولعل هذا ما أدركه كبير المستشاريين العلميين في بريطانيا (مارك فالانس) حين صرح بأنّ الحالات الحقيقية قد تصل إلى عشرة آلاف حالة، بينما ما تم رصده لا يتجاوز 590 حالة في بلاده، فقام بإعلان ذلك على الجماهير كجزء من التوعية ولم يتهمه الشعب البريطاني أو حكومته بزعزعة استقرار بلاده بهذا التصريح، وكان تحذيره نابعاً من المسؤولية حسب ما أشار ليعي الجمهور حجم ما سيواجهه.

خامساً: بالرغم من عدم الإعلان عن توفر لقاح (حتى الآن) مضاد لفيروس الكورونا إلا أنّ حالات تماثل الشفاء تجاوزت نصف عدد الحالات التي تم رصدها، فحتى يوم 12 آذار (مارس) 2020، وهو اليوم الذي أعلنت فيه منظمة الصحة أنّ فيروس الكورونا أصبح جائحة وبائية، كان هناك بالفعل 118 ألف إصابة، و تم الإعلان عن 68 حالة تماثلت للشفاء.

وُيمكن تفسير ذلك باستخدام مضادات فيروسية ومضادات الملاريا ومضادات نقص المناعة وقد أظهرت فاعلية في الحالات المعتدلة و ليست الحادة.

سادساً: المتعافي من فيروس كورونا لم يكتسب مناعة ضد الإصابة مجدداً، وهو الأمر الذي تم رصده لأول مرة في مدينة أوساكا في اليابان في نهاية شهر شباك (فبراير) 2020 مما يعني قدرة الفيروس على التحور الجيني.

ما بين الوقاية وإدارة الأزمات، هل العالم مستعد لمواجهة الجائحة؟

في ظل هذه المعلومات الأولية السابق ذكرها، قد يسود حالة لغط في الخطاب الإعلامي بين مفهومي الوقاية من جهة و مفهوم إدارة الأزمات من جهة أخرى، فالوقاية هي مرحلة الحماية من انتشار الفيروس، وتعتمد هذه المرحلة على تنمية وعي الجمهور قدر المستطاع على تجنب أسباب الإصابة بهدف الحد منها مع توفير السبل المناسبة، أما إدارة الأزمات فهي إدارة حكومية لعواقب ما قبل وبعد تفشي الوباء (أو الجائحة)، وتتطلب هذه المرحلة جاهزية طبية لاستيعاب تزايد الحالات وإخضاع الإصابات للحجر الصحي، ومن ثم احتواء الفيروس لمن تم احتجازهم. وبالرغم أنّ مفهومي الوقاية وإدارة الأزمات مختلفان إلا أنهما غير منفصلين؛ فلا تغني زيادة وعي الجمهور عن ضرورة تطبيق سياسة حكومية حاسمة.

لهذا ناشدت منظمة الصحة العالمية بلدان العالم باتخاذ إجراءات وقائية أساسية من الجائحة الوبائية التي يشهدها العالم حسب الرؤية المحلية لكل بلد مع المتابعة لتلك الإجراءات، وتدرك منظمة الصحة حجم التحدي، فالمنظمة أنشأت مجلس مراقبة التأهب العالميGlobal Preparedness Monitoring Board في العام 2019 وتوصل المجلس أنه لا توجد دولة في العالم مستعدة مالياً لمواجهة جائحة وبائية، بل وأنّ منظمة الصحة العالمية نفسها ينقصها التمويل اللازم لذلك.

تباينت القرارات الحكومية في بلدان العالم ما بين إعلان حالة طوارئ كما حدث في الولايات المتحدة، تعليق أعمال الحكومة كما حدث في كندا، تعطيل الدراسة كما حدث في إيطاليا أو إلغاء رحلات الطيران إلى بعض الدول أو الكثير منها.

ولعل أكثر القرارات جرأة في البلدان العربية جاء من الكويت، ثم الأردن، التي قامت بإلغاء صلاة الجمعة ومن بعدها الصلوات الخمس في المساجد وطالبت الجماهير بالصلاة في المنزل على اعتبار أنها شكل من أشكال التجمعات (التي لا علاقة لها بكسب المعيشة) والتي تُسهل انتشار الجائحة، وجاء القرار حاسماً بخلاف بعض البلدان التي تحدثت عن تقصير مدة الصلاة في المساجد، وهذا طبعاً لا يمنع الانتشار الفيروسي.

كما أنّ الإجراءات الوقائية لها شق خاص بالحد من انتشار الفيروس، وشق آخر خاص بالاقتصاد الذي سيتضرر، أما إدارة الأزمة فهي درجة أعلى وأكثر تحدياً في ظل إمكانات القطاعات الصحية، لهذا فإنّ التباطؤ في الإجراءات الوقائية بهدف التخوف من الأضرار الاقتصادية قد يكون مكلفا أكثر على المدى البعيد.

السلامة الجسدية والنفسية

كثر الحديث عن الوقاية الفردية، خاصة وأنّ فيروس كورونا تصل فترة حضانته بدون ظهور أعراض إلى 14 يوماً، وشملت التحذيرات الوقائية الابتعاد عن الأماكن المكتظة بغير ضرورة واستخدام المطهرات الكيمائية، والابتعاد عن ملامسة الأسطح قدر المستطاع وغسل الملابس التي قد يعلق بها الفيروس لساعات، ارتداء كمامة طبية لا قماشية، وهذه الإجراءات ليست مانعة تماماً لكن اتباعها يقلل من احتمالات الإصابة.

ولكنها أيضاً إجراءات مكلفة لقطاع كبير من الجماهير التي تعيش تحت خط الفقر أو في دائرته، وهذا ما يجعل الفرد يشعر بالضغوطات المادية والنفسية لحماية نفسه وأسرته، فالقطاعات الحكومية تتعامل مع الجائحة من منطلق الإحصائيات، أما الفرد فيتعامل معها من منطلق الخوف والتوجس على فقدان الأحباء في لمح البصر، هنا تعد السلامة الذهنية جزء من الوقاية النفسية، وقد تشمل إجراءات السلامة النفسية والذهنية ضرورة متابعة الأخبار من مصادر موثوق منها لكن بدون الاستسلام لهواجس تتسبب في تفاقم الذعر.

 

المصدر: حفريات

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر