كتاب يرصد واقع الإرهاب في أوروبا وأسبابه ومعالجاته

التاريخ والوقت : الإثنين, 8 أبريل 2019

 

مع اتساع رقعة التهديدات الأمنية التي ضربت الدول الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، بات موضوع الإرهاب والأمن الأوروبي مادة خصبة للنقاش والبحث، وبقيت حاضرة على كافة الموائد النقاشية في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك في ضوء تداعيات هذه التهديدات على الاستقرار والأمن العالمي عمومًا.

بالتوازي مع تلك التحولات، طرأت طفرةٌ في ميدان البحث والدراسات المعنية بفهم الظاهرة الإرهابية في أوروبا وغيرها من دول العالم. ورغم اتساع تلك الحركة الفكرية وعمق مضامينها، فإن اتساع نطاق الإرهاب والتطرف، وانتقاله إلى مناطق كثيرة حول العالم يفرض المزيد من البحث لفهم أسباب واتجاهات وكثافة العنف في منطقة مقارنة بغيرها من المناطق حول العالم. فمع التراجع الذي أصاب التنظيمات المتطرفة وهزيمتها بالشرق الأوسط، ومع الضغط الذي وقع على تلك التنظيمات، اضطرت للانتقال إلى آفاق جديدة بمناطق أخرى ربَّما وجدت فيها بيئة حاضنة وداعمة لانتشارها، ولا سيَّما في القارة الإفريقية، وتحديدًا بمنطقة غرب ووسط إفريقيا.

وبالرغم من الانتعاشة التي شهدتها تلك التنظيمات المتطرفة في القارة الإفريقية، بما يتوفر لديها من بيئة توفر الحماية والانتشار لها، فإن الفترة الأخيرة أثبتت أن القارة الأوروبية لم تعد بمأمن عن خطر ولهيب تلك التنظيمات المتطرفة. فمع عودة مقاتلي “داعش” الأوروبيين إلى أوطانهم، أدرك الأوروبيون تنامي الخطر الذي تحمله تلك الموجة من العائدين الإرهابيين. ولم يقتصر الأمر على حد خطر العائدين بقدر ما يتصل أيضًا بتنامي رقعة التطرف نتيجة لتصاعد أصوات التيارات اليمينية المتطرفة على إثر المشكلات الاجتماعية التي برزت على الساحة الأوروبية بالتوازي مع تدفق موجات الهجرة غير الشرعية ليجد الأمن الأوروبي نفسه في مأزق تجاه ذلك المزيج من المهددات الناتجة من الإرهاب والتطرف والهجرة غير الشرعية.

أمام ذلك، انتفضت الكثير من الأقلام، وتأهبت العديد من المراكز البحثية التي راحت تدرس تلك الظاهرة المعقدة. ومن بينها ما يتناوله الخبير بشؤون الإرهاب والأمن الأوروبي، جاسم محمد، في كتابه الأخير تحت عنوان (واقع الإرهاب في أوروبا: الأسباب والمعالجات)، الذي يسعى من خلاله إلى رصد أهم ملامح التهديدات الأمنية التي تواجه المجتمعات الأوروبية، وكيفية تعامل السلطات مع تلك التهديدات، التي تنوعت ما بين الإرهاب والتطرف والهجرة غير الشرعية، وهو ما يفرض على دوائر صنع القرار الأوروبية المزيد من الجهد والخروج عن الأطر التقليدية لمواجهة تلك التحديات.

يتناول الكتاب واقع الإرهاب والتطرف في أوروبا، خلال عام 2018، بعيدًا عن السرد التاريخي والتركيز على البنية الحالية للجماعات المتطرفة وأنشطتها في الوقت الحاضر، إذ يكشف الكتاب خريطة وجود الجماعات المتطرفة داخل دول أوروبا وعلاقاتها بمعاقل الجماعات الجهادية في دول المنطقة أبرزها سوريا والعراق وليبيا، إضافة إلى مناطق النزال الأخرى، مثل أفغانستان ودول شمال إفريقيا واليمن وغيرها من الدول.

عوامل الجهاد والتطرف العنيف في أوروبا.. البحث عن الهوية

تمكنت التنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة من استقطاب الكثيرين من الشباب في أوروبا من خلال استغلال عدة أسباب منها البحث عن الهوية. وتحظى هذه التنظيمات الإرهابية المتطرفة بدعم كبير يمكنها من استخدام عدة وسائل أخرى للاستقطاب، منها: المساجد، والسجون، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي هذا تشير دراسة صادرة عن المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة لدراسات الدفاع والأمن، إلى أن بعض النساء رأين في “داعش” مصدرًا لـ”التمكين” رغم أسلوب التنظيم في إخضاع المرأة والعنف الذي يمارسه وقيامه بقتل الأيزيديات، وأن النساء اللاتي انضممن إلى “داعش” أردن البحث عن هوية جديدة لأنفسهن.

الدعاية المتطرفة

يكشف الكتاب عن مدى استفادة تنظيم “داعش” من فكرة الدعاية لمضاعفة قوته، وجعل التنظيم يبدو أكثر قوة مما هو عليه، والتي تهدف إلى تشجيع داعميها من الذئاب المنفردة في دول مثل المملكة المتحدة على تنفيذ هجمات إرهابية. كذلك تدل العديد من المؤشرات على فكرة أن العلاقة بين الدعاية الداعشية والتمويل تمثلت في علاقة طردية؛ فكلما توسعت مصادر التمويل، توفر أمام الجماعة الأموال اللازمة لإخراج مواد دعائية مؤثرة. وقد أصدرت مؤسسة “بوليس إكستندينغ” البريطانية تقريرًا بعنوان (حرب الإنترنت الجديدة: مكافحة التطرف الإلكتروني) يقع في أكثر من 100 صفحة، يوضح مدى خطر تهديد التطرف والإرهاب على الفضاء الإلكتروني في العالم، ولا سيَّما في أوروبا. وقد أشار التقرير إلى أن التنظيم يعتمد على “تيليغرام” بصورة أساسية، لأن رسائله مشفرة ويصعب اختراقها، إضافة إلى “فيسبوك”، و”تويتر” و”غوغل” بهدف نشر ثقافتها المتطرفة والتكفيرية، وشنِّ حرب نفسية لاستقطاب الشباب للتطوع في صفوفها والقتال في البلدان التي تحارب فيها.

يتم تجنيد الشباب إلكترونيًا عبر استخدام الألعاب عن طريق تصميم شخصيات وأعلام، إضافة إلى أصوات وتبديل شعارات وأدوات هذه الألعاب، فنجد مثلاً لعبة “صليل الصوارم”، الموجودة على “يوتيوب” قد اعتمدت المونتاج في عملها وليس عرضًا للعبة بشكل كامل، وإنما أجزاء ومقتطفات منها تمكن مبرمجيها من تسخير مونتاجهم على هواهم كي يظهروها بشكل قوي.

وفي هذا الإطار أشارت بعض التقارير إلى أن 45% من المسلمين في الناس يرفضون الاندماج في المجتمع، ولا يوجد في هذا فروق بين من يعتبرون جيلاً ثالثًا، أو أول، ولا في الأصول بين من قدم من تركيا أو الشيشان أو الدول العربية.

تناول الكتاب أنشطة هذه الجماعات وفي مقدمتها جماعة الإخوان، والتنظيم المركزي وقياداتها والبنية التحتية لهذه الجماعات والتنظيمات. وناقش البرامج التطبيقية لمحاربة التطرف داخل دول أوروبا، مع بيانات وإحصاءات هذه البرامج، وتقييم النتائج التي وصفت بأنها نتائج متواضعة.

واستعرض الكتاب أيضًا سياسات وإجراءات دول أوروبا والتعاون الدولي في ملفات مكافحة الإرهاب والحد من الهجرة غير الشرعية. وبالتالي، فقد نال ملف الهجرة غير الشرعية في أوروبا، حيزًا نقاشيًا واسعًا في الكتاب، مع محاولة فهم كيف تداخلت مع ملف الإرهاب والتطرف، بشكل يعكس أثرها على الأمن القومي الأوروبي، وهذا ما يدفع دول أوروبا إلى إيجاد اتفاقات ثنائية مع دول إفريقيا للحد من الهجرة غير الشرعية.

سعى الكتاب لعرض تركيبة أجهزة الاستخبارات الأوروبية تحديدًا من الداخل، إذ يكشف الوحدات الجديدة التي استحدثت من قبل دول أوروبا داخل أجهزتها الاستخبارية، وإعادة آليات العمل لهذه الأجهزة من أجل سد الثغرات، وتوصل الباحثون إلى أن مؤشر الإرهاب في أوروبا قد انخفض كثيرًا إلى جانب تراجعه دوليًا.

تضمن الكتاب دراسات وتقارير استقصائية ومعلوماتية، تخدم صناع القرار والباحثين والخبراء المعنيين في قضايا الجماعات المتطرفة وتقنيات مكافحة الإرهاب، ومعرفة وسائل وأساليب دول أوروبا، في مواجهة التطرف والإرهاب.

وخلص المؤلف إلى العديد من التوصيات التي تركزت على ملفي الإرهاب والهجرة غير الشرعية وملفات الاستخبارات، بما يفيد الباحثين وصناع القرار؛ إذ كثيرًا ما اعتمد الباحثون على مصادر دولية موثوقة ولغة أكاديمية علمية في الدراسات والبحث، وهذا ما يجعل الكتاب أحد المصادر المهمة في قضايا الإرهاب والاستخبارات والهجرة غير الشرعية.

هنا نشير إلى أن حالة التأهب في دول أوروبا، تعكس حجم المخاطر والتهديدات، خاصة من أجهزة الاستخبارات الأوروبية إلى جانب تحضيرات اليوروبول. ثم إن أجهزة الاستخبارات أكدت أن نوعية الهجمات المرتقبة والمتوقعة في أوروبا محدودة وغير واسعة. لكن هناك إجماعًا على أنه رغم محدوديتها، فإنها تثير الكثير من الرعب لدى المواطن الأوروبي والقلق لدى أجهزة الاستخبارات. ووجدت أجهزة الاستخبارات الأوروبية نفسها غير قادرة أمام التحديات، وأعداد المجموعات الإرهابية، وهذا ما يرجع إلى تنفيذ عناصر أو من أنصار تنظيم “داعش” والجماعات المتطرفة. فالمشكلة تكمن في تحديات تفوق قدرات أجهزة الاستخبارات على تتبع العناصر الخطرة.

أخيرًا، فإن ما تحتاجه دول أوروبا في الوقت الحاضر، يكمن في إيجاد برامج خاصة في محاربة وردع التطرف داخل أوروبا، فما زال هناك مسجد ومراكز تدار من قبل “أئمة التطرف” تدعو إلى عدم الاندماج الاجتماعي وإلى رفض التعايش السلمي ورفض البرامج الحكومية.

معلومات الكتاب

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر