مركز سمت للدراسات قراءة في دوافع انقلاب غينيا كوناركي | مركز سمت للدراسات

قراءة في دوافع انقلاب غينيا كوناركي

التاريخ والوقت : الأربعاء, 15 سبتمبر 2021

إيمان عبدالعظيم سيد أحمد

 

عادت الظاهرة الانقلابية بقوة إلي إفريقيا منذ عام 2020؛ فقد حاولت جماعات مسلحة في يناير 2020، الإطاحة بالرئيس في جمهورية إفريقيا الوسطى وفشلت. وحاولت مجموعة عسكرية في النيجر في مارس 2020، تغيير السلطة بالقوة وكان الجيش بالمرصاد. وقاد الجنرال أسيمي جويتا انقلابه الثاني في مالى في مايو 2020 وكان النجاح حليفه. وكانت هناك محاولتان انقلابيتان في السودان وبنين ومحاولة انقلابية أخرى في مدغشقر، وصولا إلى انقلاب غينيا Guinea–Conakry الأحد 5 سبتمبر 2021، حينما شهدت محاولة انقلاب مجهولة المصير حتى تاريخه.

تعكس هذه الحالات، الطابع العسكري للسياسة الإفريقية، وتركيز علم السياسة الإفريقي مرة أخرى في دراسته للفاعلين على المستويات العليا، لاسيما هؤلاء الفاعلين أصحاب القرار على المستوى العسكري، وهو ما يعد مؤشرا على تدهور الوضع السياسي والاجتماعي في إفريقيا. وفي هذا السياق، يحاول المقال تفسير الدوافع الحقيقة الخفية للانقلاب باستخدام a model derived from ethnic and identity literature لتفسير ذلك والإجابة عن تساؤل، مفاده: إلى أى مدى هناك إمكانية لحدوث حرب أهلية في غينيا؟

أولا- دور المؤسسة العسكرية في السياسة الغينية:

تشكلت العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسياسة الغينية منذ الانتشار واسع النطاق للانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا في أواخر الستينيات. سيطر على قادة غينيا كوناكري فكرة، مفادها أن التغيير في دولة من دول غرب إفريقيا يرتبط ويؤثر مباشرة في السياسة الغينية. وبالتالى، دفعت الانقلابات العسكرية التى شهدتها دول غرب إفريقيا في أواخر الستينيات (غانا/ نكروما، موديباكيتا/ مالي) إلى حدوث تغيير جذري في نظرة الرئيس أحمد سيكوتوري إلى المؤسسة العسكرية، وقادته إلى ابتكار استراتيجيات للحد من سيطرة الجيش وإخضاعه للسيطرة المدنية خلال الفترة من (1958-1984). تمثلت هذه الاستراتيجيات في إنشاء ميليشيا وطنية وتوجيه الجيش نحو الأنشطة التنموية.

مثلت هذه الاستراتيجيات بالنسبة للرئيس سيكوتوري وسائل لتقليل التهديد الذي يشكله الجيش الغيني لحكمه وضمان ولائهم للحكومة المدنية. وبالتالى، لم تلعب المؤسسة العسكرية دورا مهما في السياسة الغينية. وعلى ما يبدو، كان عامل الخوف هو العامل الوحيد الأكثر وضوحا الذى حدد استراتيجية سيكوتوري تجاه الجيش وخفض الإنفاق العسكري لدرجة أن إجمالي الجيش تحت قيادة سيكوتوري كان أقل من 5000 جندي وتراوح التقدير الرسمي للإنفاق الدفاعي بين (4-5 % ) من الناتج القومى لغينيا.ومن ثم، لم يكن الجيش لاعبا سياسيا مهما طوال فترة سيكوتوري.

ساعد الجيش في إيصال  Lansana Conté إلى الرئاسة بعد الوفاة المفاجئة للرئيس أحمد سيكوتوري في عام 1984. ومن وقتها، رسخت المؤسسة العسكرية نفسها تدريجيا في النظام السياسي والاقتصادي والقانوني للدولة. قاد الكونيل كونتي ديكتاتورية عسكرية سيطرت بالكامل على الحكومة واستسلمت للفئوية والفساد وعدم الانضباط. قام الجيش بممارسة درجة من التأثير في الحياة السياسية والاقتصادية. وبدأت المؤسسة العسكرية غالبا تتصرف باعتبارها الحكم النهائي في السياسة الوطنية final arbitrator in national politics. لذا، شهدت فترة  كونتي تصاعدا هائلا للنفقات العسكرية في غينيا. طوال هذه الفترة، مارس الجيش التأثير من خلال مجموعة من الأدوات التي تعكس في مجملها ممارسات شبيهة باقتراب الهوية الإثنية، وسعي الجيش إلى ترسيخ العلاقات العسكرية – التجارية، بالإضافة إلى عسكرة الإدارة العامة، وحكم الجيش للبلاد بشكل مباشر منذ انقلاب 1984، وتبنى استراتيجية القيادة من الخلف.

وزاد الميل إلى عسكرة الإدارة العامة بشكل ملحوظ بعد استيلاء الجيش على السلطة إثر وفاة كونتي في ديسمبر 2008. وسرعان ما أعقب وفاته الانقلاب الثاني في البلاد، حيث تولى النقيب موسي داديس كامارا زمام الأمور. في فترة حكمه، فتحت قوات الأمن النار على المتظاهرين في ملعب كوناكري، حيث كانوا يحتجون على خططه للترشح للرئاسة. وذهب كامارا إلى المنفى، ونظمت الحكومة الإنتقالية آنذاك انتخابات 2010 التاريخية التى فاز بها ألفا كوندي. بحلول 2010، كانت الإدارة الإقليمية خارج العاصمة كوناكري عسكرية بالكامل. ونتيجة ذلك تغلغلت ثقافة الوحشية والإفلات من العقاب بعمق في ثقافة القوات المسلحة. ورغم الدور الضئيل للجيش طوال فترة (1958-1984) إلا أن هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للجيش الغيني اختلف كثيرا منذ فترة كونتي وألفا كوندي من (1984-2021) وأصبحت المؤسسة العسكرية كيانا اعتباريا يخدم نفسه ولعب دورا كبيرا في مختلف المناحي.

ثانيا- أدوات تأثير المؤسسة العسكريةفي غينيا:

تمتلك المؤسسة العسكرية العديد من أدوات التأثير التي جعلتها فاعلا رئيسيا في المشهد السياسي في البلاد. فبالإضافة إلى امتلاكها الأدوات العسكرية وسلطة الإكراه والإلزام، فهي تمتلك سلاح أخطر، وهو وحدتها في مواجهة العديد من الفواعل الأخرى في البلاد بفعل سلوكها الأشبه بالجماعة الإثنية. ومنذ عام 1984 إلى الآن، يعكس السلوك السياسي للمؤسسة العسكرية ممارسات تشبه إلى حد كبير الجماعة الإثنية، وهو ما كان له دور مهم في الاستقرار السياسي بغينيا. وبسبب هذا السلوك، كان الجيش قادرا على تحقيق الوحدة المطلوبة للحفاظ على درجة من التماسك والقوة. عززت هذه الهوية المشتركة الوحدة والتماسك بين أفراد المؤسسة العسكرية، ومنعت البلاد من الانزلاق في الصراعات المسلحة. وقد مثلت الهوية الإثنية للجيش الأداة التى استطاع من خلالها مواجهة التهديدات الخارجية حفاظا على رفاهيته، وقد سمح هذا السلوك الشبيه بالإثنية للجيش بتحقيق مكانة اجتماعية أعلى والمزيد من الأهداف الاقتصادية لنفسه من خلال عسكرة الإدارة العامة وإنشاء علاقات عسكرية -تجارية. وبالتالى، الإفلات من العقاب وإعادة سيطرة الجيش في السياسة.

وهو ما يفسر خصوصية وضع المؤسسة العسكرية في السياسة في غينيا كوناكري وفعالية خطاباتها.بالإضافة إلى أنه يفسر الإشكالية المتمثلة في أنه رغم التدخل العسكري المطول في السياسة الغينية، لم تشهد البلاد صراعات مسلحة واسعة النطاق، بل تمثل موقف الجيش في الدفاع عن النظام السياسي والاستقرار بدلا من الاضطرابات. هذه الحالة توضح سبب بقاء الدولة في غينيا في مرونة في مواجهة الصراعات المسلحة،ولذلك تقدم تجربة غينيا دراسة حالة ثرية للعلاقة بين السلوك العسكري والاستقرار السياسي في منطقة غرب إفريقيا، من خلال النظر الى سلوك المؤسسة العسكرية الذي يشبه هوية إثنية، حيث ينظر الى السلوك العسكري في السياسة من خلال عدسة سلوك مجموعة إثنية The Military as a Quasi-ethnic Identity.

ثالثا- المتغيرات التي طرأت على وضع المؤسسة العسكرية في غينيا:

شكل عام 2018 متغيرا طارئا على المؤسسة العسكرية تمثل في إنشاء الرئيس ألفا كوندي ما سمي وحدة النخبة للمهام الخاصة في الجيش Elite group of special forces (GFS)بهدف مكافحة الإرهاب وقمع أعمال الشغب والتمرد والانتفاضات في الشوارع والدفاع الداخلى والعمليات السرية والاستخباراتية. تعد هذه القوات فريدة من نوعها وتتطلب سمات تميزها عن القوات التقليدية، لذا يخضع أفراد قوات العمليات الخاصة لعمليات اختيار دقيقة أو تدريب خاص يتجاوز المهارات العسكرية الأساسية. ولهذا، تم استدعاء مامادي دومبويا (من جماعة مالينكي الإثنية التي ينتمي إليه الرئيس كوندي نفسه)، وهو جندي سابق في كلية باريس الحربية وعمل في إسرائيل والسنغال والجابون لتشكيل وقيادة الوحدة الجديدة. وعمل تحت إشراف مكتب المراقبة الإقليمية وأجهزة المخابرات العامة. عرف لأول مرة عام 2018 عندما ظهر في عرض عسكري في كوناكري للاحتفال بالذكري الستين لاستقلال البلاد. وكان الرجل البارز بسبب جسده القوى الممشوق، وقاد العرض العسكري، وحيا رؤساء الدول والحشد وكان الجميع يلتقط صورا له، ويهتفون له تماما كما يهتفوا له الآن.

بانشاء الرئيس ألفا كوندي لهذه الوحدة الخاصة، أعاد إلى أذهان المؤسسة العسكرية تجربة الميلشيا الوطنية National Militiaالتي أنشأها الرئيس أحمد سيكوتوري في عام 1970، والتى لعبت دورا رئيسيا ضد الغزو العسكري الذي قادته البرتغال على غينيا في نوفمبر 1970. وارتبطت الميليشيا الوطنية برئاسة الجمهورية مع ارتباط ضئيل إلى حد ما بوزارة الدفاع الوطني، وأكد وقتها الرئيس سيكوتوري أن الميلشيا الوطنية ستكون مدرسة تدريب كوادر عسكرية مستقبلا، وأن هذا الفيلق سيصبح النابض الرئيسي الذي لا غني عنه للنظام الأمني الذي تشكل فيه القوات المسلحة التقليدية دورا وظيفيا مهما. وهكذا، تم تكليف الميليشيا بالإشراف على كل قطاعات القوات المسلحة وأصبحت القوة الأمنية الحقيقية حول الرئاسة والحكومة ككل. وتمتعت الميليشيا الوطنية بوضع تفضيلي على حساب المسلحين التقليدين. في عام 1974، أصبحت الميليشيا قوة نظامية بدوام كامل في العاصمة كوناكري وفى جميع أنحاء البلاد. وفى السنوات التالية، تبوأت الميليشيا مكانة أعلى من الجيش والشرطة. وجاء تقوية وحدة الميلشيا كمحاولة لإضعاف إمكانية حدوث انقلاب عسكري.

وفي هذا السياق، لم تظهر مشاكل العقيد مامادي دومبويا مع قيادة كوناكري إلا عندما تم منعه من منحGFS)) استقلالية عن وزارة الدفاع أسوة بوحدة الميليشيا الوطنية/ سيكوتوري. وبدأت أجواء غير مريحة بينه وبين المؤسسة العسكرية لدرجة وصفه بأنه جندي متهور بسبب صراعاته الأخيرة مع وزير الدفاع. وتشير بعض تفسيرات الانقلاب إلى أن دومبويا اتخذ قرارا استباقيا، ونفذ الانقلاب لتجنب أمر اعتقاله، بعد أن بدأت الدائرة الرئاسية تشك في طموحاته في السلطة إثر تقارير المؤسسة العسكرية عنه.

وكانت البيئة في غينيا مؤهلة تماما لإعلان انقلاب دومبويا. واستغل الرجل تأييد الجماهير للإطاحة بنظام كوندي إثر حالة الاحتقان المجتمعي الناجمة عن قرار الحكومة في 3 أغسطس 2021 برفع سعر الوقود وزيادة أسعار وسائل النقل والمحلات التجارية. وفى 20 أغسطس، تم تداول معلومات تفيد أنه بموجب قانون الاشتراكات الاجتماعية لموظفي الخدمة المدنية والمتقاعدين، يتم حصول الدولة على 5% من رواتب موظفي الدولة، وطالبت الحكومة بتضحيات من السكان، وفى نفس الوقت تمت زيادة مخصصات رئاسة الجمهورية والجمعية الوطنية. ولهذه الأسباب وأسباب أخرى، عند إعلان الانقلاب على الرئيس ألفا كوندي، أعرب جزء من السكان عن فرحتهم في شوارع كوناكري برفقة الجنود.

هذا فضلا عن امتعاض المعارضة السياسية في البلاد إثر إصرار الرئيس ألفا كوندي على الحصول على فترة ولاية ثالثة والتحايل على النموذج الديمقراطي الذي تم إرساؤه في 2010 وتطلعات الجيل الجديد من الشباب وتمسكه بنموذج الحكم الرشيد،فضلا عن وجود مناخ إفريقي ودولي متراخي معتاد عن التدخل في أمور الانقلابات العسكرية وموقفهم السلبي من التغييرات غير الدستورية للحكومات الإفريقية، والتى جعلت تدخل الجيش في السياسة الإفريقية أمرا لا مفر منه بعد تأييد قادة الاتحاد الإفريقي، وجماعة الإيكواس لألفا كوندي في تعديله لدستور غينيا لتمكينه من الحصول على فترة ولاية ثالثة في منصبه، وهو ما يعد بمنزلة أحد العوامل المباشرة لانتفاضة الجيش التى أطاحت به من السلطة.

ونظرا لأن الوحدات الخاصة هذه لا تستطيع الاستمرار دون دعم خارجي، بل تعتمد بشكل مفرط على المساعدات الخارجية من جمع المعلومات الاستخباراتية إلى الخدمات اللوجستية. فإن هذا لا يجعلها بمنأى ومعزل عن وقوف فواعل خارجية دولية ورائها، لاسيما في ضوء تنافس القوى الدولية التقليدية والجديدة على ثروات غينيا، حيث دخلت الصين وتركيا وروسيا وغيرها على الخط، وترى فرنسا أنها ستفقد إحدى مستعمراتها الغنية، وهو ما يتضح من خلال تعهد دومبويا باستمرار عمل المستثمرين الأجانب في إنتاج البوكسيت والتعدين في غينيا دون عوائق. وتعد غينيا المنتج الرئيسي الرائد للبوكسيت في العالم، الذي يتم الحصول منه على الألومونيوم ولديها احتياطيات كبيرة من الحديد والذهب، فضلا عن استمرار الألومنيوم في بورصة لندن للمعادن في أعلى مستوى له في 10 سنوات يوم الأثنين 6 سبتمبر دون أدني تأثر بتغير الظروف المحلية في غينيا، ولم يحدث أى انقطاع لمشروع البوكسيت الذي تنتجه الصين في غينيا، ولا يزال يعمل المستثمرون الأستراليون والسويسريون بشكل طبيعي في مناجم البوكسيت.

ختاما، تعاني مسألة الحكم الديمقراطي في غينيا كوناكريdemocratic governance  إشكالية حقيقية إثر الانقلاب العسكري لدومبويا والانقلاب الدستوري للرئيس ألفا كوندي، وهو ما يعنى ضرورة دعم الحكم المؤسسي، من خلال دعم المجتمع المدني وتطوير الأحزاب السياسية وتكريس ديناميات جماعية أكثر تعددية في غينيا، والأهم من ذلك إدراك الحكومة الديمقراطية الجديدة أن المؤسسة العسكرية لا يمكن أن تتصور نفسها خاسرة في معادلة التحول الديمقراطي.

من هنا، تكمن أهمية اقتراب الهوية شبه الإثنية للسلوك العسكري وعلاقته بالديمقراطية في غينيا. ولذا، دراسة حالة المؤسسة العسكرية باستخدام أدبيات الهوية الإثنية هو أداة مهمة لدراسة السلوك السياسي للمؤسسة العسكرية في غينيا، والذي يتجاوز مناقشة العلاقات المدنية العسكرية التقليدية.

المصدر: مجلة السياسة الدولية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر