قراءة في الاستراتيجية البحرية الهندية

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 23 يونيو 2020

مانجيش ساوانت

 

هناك تفاوت صارخ وثغرة متنامية بين البحرية الهندية وبحرية جيش التحرير الشعبي الصينية. فالأسطول البحري الهندي يحتوي على مجموعة متنوعة تضم 18 غواصة تقليدية ونووية. ووفقًا للتقرير السنوي المقدم إلى الكونجرس الأميركي، هناك خطة تشير إلى أن لديها أكثر من 60 غواصة، وتضع أولوية عالية على تحديث قوتها من الغواصات. بينما على النقيض من ذلك، ليس لدى البحرية الهندية تلك الكتلة الحرجة من الغواصات. وبجانب النقص الذي يعاني منه أسطول الغواصات التقليدية القديمة، هناك الفجوة التي تتزايد بسبب التأخير في المشاريع البحرية.

فبعد أزمة “دوكام”، هددت الصين بالاشتباك مع القوات الهندية في بحيرة بانجونج في لاداخ، ومنطقة “نوكا لا” في سيكيم. وقد أدى ذلك إلى مقتل 20 جنديًا هنديًا بينهم عقيد. وزادت الصين من انتشار القوات، إذ تقوم ببناء وإعداد البنية التحتية العسكرية على الحدود. أمَّا من الناحية الإستراتيجية وردًا على تهديد الصين، فيقوم الجيش الهندي بتحديث البنية التحتية العسكرية، بنشر القوات الجوية الهندية الأصول الجوية في جبال الهيمالايا. لكن البحرية الهندية تقوم ببناء وإعداد حاملات الطائرات بدلاً من الاستثمار في الغواصات. وبينما أدخلت الأنظمة الروسية فيما سبق، تقوم حاليًا ببناء منظومة محلية أخرى. كما تقوم البحرية الهندية بتصنيع الغواصات من فئة “سكوربيني” Scorpene، في حين أن حجم أسطولها من الغواصات آخذ في النضوب.

ويتكون الأسطول البحري الهندي إلى حد بعيد من غواصات قديمة من فئة “كيلو” KELOتقترب من نهاية فترة خدمتها. فقد استهلكت بالفعل 80٪ منها مدة الخدمة، وتمَّ تطوير القليل منها. وقد أدى ذلك إلى فجوة كبيرة في استراتيجية الهند تحت البحر بالنظر إلى جارين معاديين على جانبيها.

وفي ظل حاملات طائرات غير متكافئة في الحرب، ربَّما تكون هذه الحاملات مستهدفة من قبل الغواصات وصواريخ الكروز المضادة للسفن. فغالبًا ما ركزت أبحاث عصر الحرب الباردة بين القوتين العظميين على تهديد الغواصات لحاملات الطائرات الأميركية. فقد وافقت الاستراتيجية البحرية السوفييتية على بناء ونشر غواصات مسلحة، معصواريخ الكروز المضادة للسفن، إذ ركزت المعركة السوفييتية في ضوء “عقيدة سالفو” الأولى على تدمير حاملات الطائرات الأميركية من خلال إطلاق صواريخ الكروز في الضربة الأولى مع تجاهل سفن مرافقة. ونشرت قناة “روسيا اليوم” العديد من صواريخ الكروز، مثل:P 900 Alfa ، وP 800 Oniks، و3M-54 Club، وKH 59MK. إذ تختبر روسيا الأجهزة الطاردة لصواريخ الكروز  ASCMالتي تفوق سرعتها سرعة الصوت، مثل:Tsirkon وKinzhalحتى يتم نشرها على السفن والطائرات والغواصات بهدف مهاجمة حاملات الطائرات.

وتنتشر حاملات الطائرات في مناطق خاصة باستعراض القوة على مسافات كبيرة، ذلك أن نشر القوة الجوية أصبح غير ممكن بسبب النطاق المقيد للطائرات المقاتلة. فقد تكون القواعد الجوية غير متاحة بسبب الدول غير المتعاونة أو المعادية حول أراضي العدو. ويتم نشر حاملات الطائرات لأغراض استراتيجية ضمن نطاق الأهداف المذهل. وتدير البحرية الأميركية مجموعات حربية بأماكن بعيدة في جميع أنحاء العالم. فقد تمَّ تنفيذ الضربات الجوية الأولى خلال حرب الخليج 1990، والحرب على الإرهاب بواسطة الطائرات التي أُطلقت من حاملات الطائرات. وتقع باكستان على مسافة مذهلة من القوات الجوية الهندية. ذلك أن الصين تبدو بعيدة عن قيام المجموعةالحربية الهندية غير النووية بشن ضربات جوية ضد المراكز الصينية الكبرى، مثل: شنغهاي وشنتشن. لكن هذه المجموعة ستواجه عوائق بسبب التزود بالوقود والمسائل اللوجستية.

الحصار البحري

تقع الهند جغرافيًا في موقع استراتيجي متميز، وتتحكم في الممرات البحرية التي تمر من أوروبا وإفريقيا إلى الصين بشكل أساسي عبر مضيق “ملقا”. ويمكنها ردع الصين في جبال الهيمالايا من خلال الحصار البحري بينها وبين وجزر المالديف، وهو ما سيمنع السفن من دخول مضيق ملقا، وسوندا، وأومباي، ويتار، ولومبوك. إن الاستراتيجيات البحرية لـ”ألفريد ثاير ماهان” والسير “جوليان ستافورد كوربيت” تتصل بمكانة الهند ووضعيتها. إذ تشير نظرية “ماهان” إلى أهمية التجارة من خلال إنتاج وتبادل السلع عن طريق التجارة البحرية، بينما أكد السير “كوربيت” أهمية الحصار البحري. فالحصارات هي مزيج كلاسيكي من الحرب البحرية والحرب الاقتصادية.

وسيعرقل الحصار البحري التجارة الدولية وإمدادات الطاقة في الصين. وسيكون لهذا تأثير مدمر على ثاني أكبر اقتصاد في العالم. فقد نشرت الولايات المتحدة غواصات لإحداث تأثيرٍ استراتيجي أكبر منذ عام 1943 من خلال القيام بواحدة من أنجح عمليات الحصارات في التاريخ البحري لتقليل القيمة الاقتصادية لليابان. ويمكن للهند نشر استراتيجيات مماثلة من خلال فرض حصار على الصين. وحتى ينجح الحصار، يتعين على الهند إدخال غواصات تقليدية. ففي الوقت الحاضر تعد قيمة الردع للغواصاتالتي تتضمنها البحرية الهندية منخفضة، وستعمل غواصاتجيش التحرير الشعبي الصيني ضد الحصار دون عوائق. ولا تمتلك الهند غواصات صواريخ باليستية تعمل بالطاقة النووية لتردع بشكل مستقل المغامرات الصينية قبالة الساحل الصيني في المحيط الهندي.

وتعمل الغواصات سرًا وراء الكواليس. وخلال الحرب ستفرضالبحرية الهندية حصارًا على باكستان. وستلجأ باكستان إلى تكتيكات هجوم لأسراب تضاهي “الزمرة الذئبية” الألمانية التي تعبر عن تكتيكات الهجوم الجماعي. إذ تُدخِل باكستان غواصات الدفع الجوي المستقل(AIP) التي يصعب اكتشافها حتى في البلدان التي لديها قدرات متقدمة في الحرب ضد الغواصات. ويمكن للغواصات ذات أنظمة الدفع المستقل إجراء عمليات الضرب والركض وإجراء الكمائن ضد حاملات الطائرات من المياه الساحلية الضحلة على ساحل الهند.

تكتيكات أسراب النحل من القوى الضعيفة

تكون حاملات الطائرات عرضة للتكتيكات غير المتكافئة مثل إطلاقصواريخ الكروز المضادة للسفن التي تطلقها الغواصات في عدة محركات، إذ تكون متصلة عبر الإنترنت وفي وضع الهجوم التلقائي. وسيكون من الصعب على الدفاعاتالحربية التي تتكون من طبقة متكاملة من السفن والصواريخ والأصول الجوية لحماية حاملات الطائرات. وستكون الطبقة الخارجية للطائرات المضادة للغواصات ونظم الإنذار المبكر للطائرات المقاتلة. ذلك أن الفئة الأخرى من المقاتلات سوف تتأثر بهذه الصواريخ. لذلك تسعى البحرية الهندية لتزويد الفئة الأخرى من أنظمة الأسلحة الدفاعية مثل نظام “باراك 8″ Barak 8 LRSAM . وتعدُّ هذه مهمة صعبة في حالة حدوث أي هجوم متواصل. وتعرف هذه التكتيكات بـ”هجوم سرب النحل” المعمول بها في الحرب البحرية.

وتستخدم دول مثل: إيران والصين وباكستان، استراتيجيات غير متكافئة لمواجهة الخصوم الأقوياء. ولا يمكن للبحرية الباكستانية تحدي البحرية الهنديةالمتقدمة، في حين الأهداف الرئيسية للصين هي حاملات الطائرات.

وتعدُّ الغواصات وصواريخ الكروز المضادة للسفن هي الأسلحة المفضلة لكلا البلدين. فقد زوَّد جيش التحرير الشعبي الصيني غالبية سفنه بمجموعة واسعة من صواريخ الكروز المضادة للسفن من طرازYJ-18 وYJ-62وYJ-83. كما قامت بنشر الصواريخ من طراز YJ 12التي تعدُّ تطويرًا لفئةKH 31  الروسية القوية. كما قام جيش التحرير الشعبي الصيني بتركيب صواريخSS-N-22 Sun Burn الروسية على مدمراته الأربع من طراز.Sovremennyوكذلك نشرت الصين الصاروخDF 21  القوي المضاد للسفن الذي يعتمد على الأرض ويستهدف حاملات الطائرات بشكل مباشر. ونشرت البحرية الباكستانية أيضًا طراز Papor 3من صواريخ الكروز على غواصاتها. وقامتبنشر صواريخ الكروز من طراز “زارب”Zarb  على مركباته الهجومية من فئة “أزمات”Azmat . ويشبه هذا الصاروخ إلى حد بعيد صاروخYJ- 62  المثبت على مدمراتPL-Type2-052C Luyang II .

العدو على الحدود والسواحل

تعتمد الاستراتيجية على النوايا والقدرات والتكتيكات وأنظمة الأسلحة والجغرافيا. وتقوم الهند ببناء وإدخال حاملات الطائرات على حساب القدرات الحربية تحت سطح البحر إذا اندلعت حرب على حدود الهند مع باكستان والصين. وفي تلك الحالة لن تواجه البحرية الهندية بشكل مباشر خصومها في بحر العرب أو بحر الصين الجنوبي. وفي حين سيتم دفع الجيش الهندي وقواته الجويةللاضطلاع بدورٍ أساسي، ستقوم البحرية الهندية بإشراك الخصوم في دور ثانوي من خلال فرض عملية حصار؛ لأجل حصار باكستان وردعها بسلاح الجو الإسرائيلي، وسترد الصين بالصواريخ البالستية العابرة للقارات والغواصات. وسيتضاءل دورحاملات الطائرات، إذ ستمتنع الهند عن التدخل في الصراعات الدولية.فالغواصات هي أنظمة تسليحية منخفضة السعر وعالية التأثير، مقارنة ببقية المجموعات الحربية. وسيكون تفاعل العمليات الحربية تحت سطح البحر من خلال الحصار البحري رادعًا للصين. فالدروس المستفادة من حروب العراق تشير إلى أن هناك حاجة إلى استراتيجية مختلفة للحروب غير المتكافئة. إذ يجب أن تتوافق أنظمة الأسلحة مع متطلبات سياسة الأمن القومي والاستراتيجية العسكرية للأمة. هنا، فإن فهم التاريخ العسكري والحرب ودراسات الحالة والدروس المستفادة والاستراتيجية، أمر بالغ الأهمية قبل إنشاء أو شراء حاملات الطائرات.

خاتمة

لقد عانت الصين تاريخيًا من أزمةٍ على حدود الهند الصينية. وعادة ما يتم حل الأزمة من خلال الحوار الدبلوماسي ومستويات مختلفة من إدارة الحدود. لكن الانتهاكات الحدودية من قبل الصين لن تنتهي؛ لأن قضية الحدود تمثل أداة ضغط للصين ضد الهند. ذلك أن الدبلوماسية القسرية المدعومة بالقوة تمثل رادعًا ضد الصين. ويمكن للهند أن تهدد الحصار إذا لم توقف الصين تدخلاتها عبر الحدود. ولن تكون الصين قادرة على شن هجوم على جبال الهيمالايا؛ لأن الحصار سيخنق اقتصادها. ويمكن للهند أن تحل أزمة الحدود بشكلٍ دائمٍ دون خوض حرب مع الصين.

وبدون حاملات الطائراتالاستراتيجية التي تمثل صورة رمزية للقوة البحرية، احتلت الحرب “فوق سطح البحر” الأسبقية على الحرب “تحت سطح البحر” بالنسبة للبحرية الهندية. لكن بناء الغواصات لا يتوافق مع المشاريع الكبرى لحاملات الطائرات، فقد أهملت البحرية الهندية أحد أنظمة الأسلحة القوية في تاريخ الحروب. وعلى ذلك، فإن تحريك الغواصات النووية كرادع ضد الصين والغواصات التقليدية للعمل ضد باكستان، سيكون بمثابة تغيير للعبة. وقد بدأ عصر الحرب غير المتكافئة بعد 11 سبتمبر، إذ ستلعب الغواصات دورًا مهمًا ومدمّرًا في الحروب المستقبلية، وسيشهد عليها التاريخ.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: أوراسيا ريفيو

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر