قراءة في اتفاق السلام بين طالبان والولايات المتحدة

التاريخ والوقت : الإثنين, 24 فبراير 2020

فرود بيزان

 

توشك الولايات المتحدة وطالبان على توقيع اتفاق تاريخي يمكن أن يُمَهِّد الطريق لإنهاء أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة على الإطلاق.

الاتفاق الذي سيوقَّع في 29 فبراير من شأنه أن يتضمن انسحابًا تدريجيًا للقوات الأميركية من أفغانستان، مع التمهيد لبداية محادثات بين الفصائل الأفغانية المتحاربة حول ترتيبات تقاسم السلطة.

ويتوقف هذا الاتفاق على نجاح مبادرة “الحد من العنف” التي استغرقت نحو أسبوعٍ، ومن المقرر أن يبدأ سريانه في منتصف ليل 22 فبراير. وإذا استمرت تلك الهدنة الجزئية، فإن الولايات المتحدة وطالبان سوف توقعان على اتفاق للسلام بدعم من حكومة كابول المدعومة من الغرب.

وتتويجًا لأكثر من 18 شهرًا من المحادثات الشاقة، يعتبر هذا الاتفاق خطوة رئيسية نحو إنهاء الحرب التي استمرت 19 عامًا. لكن المراقبين يقولون إن هذا الاتفاق مليء بالمنزلقات والنقاط الإشكالية التي لا تزال غامضة، كما يحذرون من دور العناصر التي تسعى لعرقلة هذا الاتفاق وتأجيج الأزمة السياسية في كابول التي نجمت عن نزاع انتخابي، والتي من شأنها أن تعرقل العملية السياسية.

مبادرة الحد من العنف

خلال مبادرة “الحد من العنف” التي استمرت أسبوعًا، من المقرر أن تمتنع القوات الأميركية والأفغانية من جانب، ومقاتلو طالبان من الجانب الآخر، عن القيام بأي عمليات كبرى. كما أن الهدنة الجزئية تستبعد الجماعات الإرهابية، بما في ذلك تنظيما “داعش” والقاعدة.

ووفقًا لمسؤول أميركي رفيع، فإن طالبان التزمت بوقف التفجيرات والعمليات الانتحارية، وكذلك الهجمات الصاروخية. كما أنه من المقرر أن تقوم الولايات المتحدة بمراقبة الهدنة وتقرر ما إذا كانت هناك أي انتهاكات وقعت أم لا.

وفي المقابل التزمت طالبان بالحد من هجماتها والعمليات التي اعتادت عليها خلال نحو 15 عامًا. وفي هذا الإطار، يتوقع أن يمتنع المسلحون عن مهاجمة المدن الرئيسية والطرق السريعة والقواعد الأميركية والأفغانية.

وعلى هذا، فمن جانبها لن تنفذ القوات الأميركية والأفغانية أي عمليات هجومية، لكن لها الحق في الرد إذا تعرضت لأي هجوم يقوم به الطرف الآخر.

ومع ذلك، فإن الهدنة المؤقتة لا ترقى إلى مستوى الطلب الأميركي والأفغاني المتمثل في قف إطلاق النار.

ووفقًا لـ”مايكل كوجلمان”، فإن اتفاقية “الحد من العنف” التي دامت سبعة أيام على درجة عالية من الأهمية بسبب السابقة التي أرستها، إذ لم يحدث مثلها خلال 19 عامًا من الحرب، وكذلك بسبب المسار الذي ستوفره لإطلاق عملية سلام رسمية. وعلى هذا، يرى المراقبون أنه من المؤكد أن هذه الهدنة لا ترتقي إلى كونها وقفًا لإطلاق النار، لكنها تظل أفضل شيء في المرات القادمة، كما أنها الأفضل فيما يتعلق بإطلاق عملية سلام بعيدة المنال. وفي هذا يقول “هارون مير”، المحلل المقيم في كابول، إن طالبان رفضت وقف إطلاق النار لأنه سيضعف من قوتها وموقفها التفاوضي وسيقوض قدرتها على تجنيد مقاتلين جدد والإبقاء عليهم في حالة تعبئة وتجهيز دائم.

لكن الهدنة يمكن تقويضها من جانب المخربين المحتملين من كافة الأطراف.ذلك أن فصائل طالبان المتشددة المعارضة لهذه المحادثات، وكذلك الفصائل الموالية للحكومة التي تعتقد أن الظروف ليست مواتية بعد لمثل هذه المحادثات، وأن مختلف جماعات العنف غير المشاركة في المحادثات، بما في ذلك مقاتلو “داعش”، يمكن أن تسعى جميعها إلى تخريب المفاوضات وإفشالها.

اتفاقية الانسحاب الأميركية

إذا استمر تخفيض العنف الذي دام أسبوعًا، فمن المتوقع أن تذهب الولايات المتحدة وطالبان رسميًا نحو اتفاق السلام في 29 فبراير.

ويعدُّ هذا الاتفاق هو ذاته الذي جرى التفاوض عليه في سبتمبر الماضي قبل أن يقرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب فجأة سحب القوات الأميركية في أعقاب هجوم أسفر عن مقتل جندي أميركي.

وبموجب هذا الاتفاق، ستبدأ الولايات المتحدة في الانسحاب التدريجي لقواتها البالغ قوامها 13 ألف جندي في أفغانستان. وستقوم واشنطن في البداية بإجلاء 5 آلاف وأربعمئة جندي في غضون 135 يومًا من توقيع الاتفاق. وسينسحب الباقون خلال الـ18 شهرًا القادمة إذا أثبتت طالبان أنها أوفت بالتزاماتها.ووفقًا لـ”مير”، فإن قرار الولايات المتحدة بتوقيع اتفاقية انسحاب مع طالبان وإعداد جدول زمني للانسحاب العسكري يعتبر “انتصارًا” بالنسبة لطالبان.

إذ يمكن لطالبان تأجيل المحادثات واستخدام أساليب عنيفة مختلفة من أجل زيادة الحد من قدرة واشنطن وإضعافها، فطالبان تعمل حاليًا بشكل جيد على إحداث حالة من التفتيت السياسي وإذكاء الاقتتال الداخلي بين النخبة السياسية في كابول على نحو يمنحها اليد العليا في العملية التفاوضية الجارية، وخاصة أن الأطراف الأخرى لا تعمل وفقًا لجدول زمني محدد.

وبموجب الاتفاق، ستقوم طالبان بتقوية علاقاتها بالقاعدة، التي تتناقص قوتها بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة.

لقد قامت الولايات المتحدة بغزو أفغانستان في عام 2001 وأطاحت بحركة طالبان بعد أن رفضت تسليم قادة القاعدة الذين كانوا وراء هجمات 11 سبتمبر.

كما تلتزم حركة طالبان بمنع الجماعات الإرهابية، ومنهم مقاتلو “داعش”، من العمل أو تنفيذ هجمات في أية مناطق بأفغانستان تسيطر عليها طالبان. وتسيطر الجماعات المسلحة أو تحارب من أجل السيطرة على حوالي نصف البلاد، رغم أنها لا تحكم أي مناطق حضرية كبرى.

المحادثات الأفغانية

ونظرًا لأن الجماعات المسلحة مُلزَمة ببدء مفاوضات سلام مباشرة مع المسؤولين الحكوميين وغيرهم من الأفغان، بمن فيهم النساء ومجموعات المجتمع المدني، فإنه من المرجح أن تجري المحادثات في النرويج.

 إذ يمكن القول إن اتفاق الولايات المتحدة وحركة طالبان ترك قضيتين أصعبهما الوقف الدائم لإطلاق النار والتوقيع على اتفاقية مستقبلية لتقاسم السلطة في المحادثات الجارية بين الأفغان.

ووفقًا لـ”توماس رتيج”، فإن هاتين المسألتين قد تمَّ إبطاؤهما في المحادثات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، وليس كما تشيع طالبان بأنها لم توافق عليها، ذلك أن الجولات الجديدة من المفاوضات تشير إلى أن الاتفاق الثنائي بين الولايات المتحدة وحركة طالبان ليس اتفاق سلام كما يزعمون. فهذا الاتفاق هو ما يرغب فيه الأفغان أكثر من غيرهم، لكن من المتوقع أن موافقة طالبان على وقف إطلاق النار في بداية المحادثات قد تكون غير واقعية.

وبالنظر إلى حساسية القضايا والانقسامات المزمنة بين النخبة السياسية الأفغانية، فإنه من المتوقع أن تكون المفاوضات مع الأفغان معقدة جدًا، وقد تستغرق وقتًا طويلاً. ويتوقع أيضًا أن تبدأ المحادثات في غضون 10 أيام من توقيع الاتفاق.

فلطالما رفضت طالبان إجراء محادثات مباشرة مع كابول، التي تعتبرها دمية أميركية.

وخلال المحادثات الأفغانية، سيشارك المسؤولون الحكوميون بصفتهم الشخصية وليس بصفتهم الوظيفية.

وفي ضوء التحديات المحتملة، فإن كابول لم تقم بعد بتعيين فريق تفاوضي لقيادة المحادثات مع طالبان. وقد دعت واشنطن الحكومة إلى تسمية “فريق تفاوض وطني شامل” وذلك وسط اتهامات من شخصيات سياسية معارضة بأنه تمَّ تهميشهم من العملية التفاوضية.كما هدد الاقتتال السياسي في كابول بتعطيل اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان.

وقد تسببت نتائج الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها التي أجريت في 28 سبتمبر في نشوب أزمة سياسية تهدد بنشر العنف.

وتمَّ الإعلان أخيرًا عن فوز الرئيس “أشرف غني” في الثامن عشر من فبراير، لكن المنافس الرئيسي عبدالله عبدالله، رفض النتيجة، وأعلن نفسه الفائز، وتعهد بتشكيل حكومة موازية.

وبالنظر إلى البيئة السياسية المرتبكة في أفغانستان، التي تفاقمت نتيجة الانتخابات التي رفضها الخاسر بالفعل، يمكن القول إنه من الصعب جدًا أن نتوقع من كابول أن تشكل فريقًا تفاوضيًا وتقديم جبهة مشتركة في المحادثات مع طالبان. كما أنه من الصعب أيضًا تخيل أن تتفاوض طالبان على اتفاق لتقاسم السلطة ضمن نظام سياسي طالما رفضه المتمردون وتعهدوا بالإطاحة به بالقوة.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: راديو أوروبا الحرة

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر