مركز سمت للدراسات فن الدعاية: عندما يستخدم الصحفيون الحقائق ليخلقوا خيالاً | مركز سمت للدراسات

فن الدعاية: عندما يستخدم الصحفيون الحقائق ليخلقوا خيالاً

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 19 أكتوبر 2021

بيتر إيساكسون

تتطلب الصحافة الحديثة مهارات خطابية محددة لتقريب الدعاية من الأخبار الفعلية.

تواصل الصحافة القديمة حملتها التي لا تنتهي للترويج للاعتقاد بأن روسيا تخوض معركة أبدية ضد الدبلوماسيين والجواسيس الأميركيين بفضل السلاح السري الذي يثير “متلازمة هافانا” المخيفة. ويبدو أن اثنين من صحفيي واشنطن بوست، “جون واجنر” و”ميريام بيرغر”، قد تلقيا تعليمات صارمة بعدم الأخذ في الاعتبار النتائج التي توصل إليها العلماء أو حتى المسؤولون في وزارة الخارجية، هؤلاء الذين يأخذون الفرضية التي تزعم بأن الشكاوى قد تكون نفسية على محمل الجد.

في أحدث مقال نشرته “واشنطن بوست” حول هذا الموضوع، يوقع “بايدن” تشريعًا لمساعدة الموظفين الأميركيين الذين يعانون من “متلازمة هافانا”، ذاكرًا المصطلح المحفز للذكريات الذي فقد مصداقيته (متلازمة هافانا) سبع مرات قبل الاستشهاد بالتصنيف الرسمي لوزارة الخارجية للشكاوى: “الحوادث الصحية الشاذة”. يحدث هذا الإقرار في الفقرة 12، إذ يقر المؤلفون أيضًا على مضض أنه لم يحدد أحد “السبب الدقيق” للظاهرة.

بعد بضع فقرات، قدم المؤلفان عرضًا كلاسيكيًا لفن غرس افتراضًا في ذهن القارئ ربَّما يكون خاطئًا حتى قبل أن يُذكر، كفكرة ثانوية غير مهمة، حقيقة تتناقض مع الفكرة الأولى ولكنها صحيحة بشكل لا يقبل الجدل: وقد أشار مسؤولون استخباراتيون سابقون بأصابع الاتهام إشارات متزايدة إلى روسيا، التي شنت عدة هجمات سافرة على الخصوم والدبلوماسيين في الخارج. ومع ذلك، لم يُعلن عن أي دليل ضد موسكو، كما نفت روسيا تورطها في تلك الحوادث.

ملاحظة سياقية

في مقال تفصيلي نُشر يوم الجمعة 9 أكتوبر على موقع مكتب العلوم والمجتمع التابع لجامعة “ماكجيل”، تتمثل مهمته في “فصل المنطق عن الهراء”، يفحص “جوهاثان جاري” جميع الفرضيات، ويوضح أن “النظرية الأكثر قبولاً في الوقت الحالي” هي تولد مرض نفسي جماعي، إذ فحص الاختصاصيون الطبيون الذين يقعون فريسة التحيز التأكيدي كلاً من صراصير الليل، والدوار، والشك الدائم، التي قد تؤدي إلى أعراض موهنة تُلقى باللوم على الأسلحة الباهظة، وينتهي بنا المطاف بمتلازمة “هافانا”.

بالنسبة لواشنطن بوست، لا يمكن السماح لهذا النوع من البحث والتفكير بأن يمر مرور الكرام. يبدأ صحفيو واشنطن بوست بالإشارة إلى سلطة “مسؤولي المخابرات الحاليين والسابقين”. من الذي يجب أن يصدقه القارئ العاقل: خبير طبي يفحص كل جوانب الجدل ولا علاقة له بالحكومة أو الصناعة أو مسؤولي المخابرات؟

يجب على القارئ الفطن أن يعرف الآن أن مسؤولي المخابرات ليسوا مدربين فقط على فن الكذب، بل إن الكذب إلى حد كبير أساس نشاطهم المهني في تفاعلهم مع العالم الخارجي. واعترف المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية “مايك بومبيو”، ضاحكًا في لحظة نادرة من الصراحة في حدث عام.

قوبل اعترافه بالتصفيق من قبل جمهور طلاب جامعة “تكساس إيه آند إم”. يبدو أنهم اعتقدوا أنه حينما يتعلق الأمر بتمثيل مصالح الأمة تصبح أعمال مثل الكذب والغش والسرقة نبيلة.

وحده المجنون (وصحفيو واشنطن بوست ونيويورك تايمز) يرون أن خبراء المخابرات ملتزمون بقول الحقيقة. ومع ذلك، فإن وسائل الإعلام في الولايات المتحدة – وبخاصة شبكات الأخبار الكبلية، بما في ذلك “سي إن إن” و”إم إس إن بي سي” – توظف بانتظام مسؤولين ومديرين استخباراتيين سابقين كمحللين خبراء مستعدين لشرح الحقيقة التي وراء الأخبار.

يخبرنا صحفيو “واشنطن بوست” أن ضباط المخابرات الموثوق بهم هؤلاء “وجهوا أصابع الاتهام باطراد إلى روسيا”. وكشفت تقارير أخرى في الماضي القريب لصحيفتي “نيويورك تايمز” و”البوست” أنه لا يوجد دليل جديد ينبغي أن يبرر الشكوك المتزايدة في روسيا. ولكن الصحفيين المغامرين يعرفون مدى سهولة انزلاق اللسان “باطراد” إلى تأكيد مشكوك فيه لتوجيه القارئ نحو النتيجة المرجوة.

يجب أن يُطلق على هذا كذبة ببساطة، لكنها خدعة يعرف الصحفيون أنها ستكون فعالة دائمًا، فقط لأنه لا توجد طريقة واضحة لإثبات أنها كذبة.

لماذا اختار “فاغنر” و”بيرغر” قول “توجيه أصابع الاتهام إلى”، بدلاً من “توجيه الاتهام”؟ إنهم يسلكون الطريق الآمن لأنه – كما يعترفون ارتجالاً في الجملة التالية – لا يوجد، كما هو الحال دائمًا، أي دليل يدعمها. لكن قبل الاعتراف بعدم وجود دليل، يقدمون شيئًا يشبه الدليل. مؤكدين أن روسيا “شنت عدة هجمات سافرة على الخصوم والدبلوماسيين في الخارج”.

من الواضح أن المؤلفين لا يكلفون أنفسهم عناء الاستشهاد بهذه الهجمات، لكنهم هنا على أرضية أكثر صلابة؛ لأن أجهزة الاستخبارات لكل دولة قوية تشارك في هذا النوع من النشاط.

اختيارهم للفعل شنت” يستحق اهتمامنا أيضًا. وذلك لأنها تقلل من شأن صورة العدو الخائف من خلال مقارنة أنشطته بأنشطة مدير سيرك أو مسرح. الإيحاء الأساسي هو أن الروس خطرون لكنهم سطحيون. وفي المقابل يُفترض أن تكون الاستخبارات الأميركية جادة وحاسمة.

وتختتم الفقرة بهذه الجملة: “ومع ذلك، لم يتم الإعلان عن أي دليل ضد موسكو، ونفت روسيا تورطها في الحوادث. ويعتبر هذا خداعًا بشكل خاص لأنه كحقيقة بسيطة ومن المؤكد أنه لم يتم الإعلان عن أي دليل. ولكنها تخلق اعتقادًا لا أساس له من وجود أدلة لم يتم الإعلان عنها. ومن خلال تضمين “مع ذلك” في التأكيد النهائي يجعل المسؤولون العبارة الصادقة الواحدة تشبه فكرة طارئة غير منطقية.

على الرغم من وجود المزيد في المقالة، فإنه يمكننا أن نستنتج من خلال فحص جملة أخرى عائمة بين الحقيقة والنية المغرضة: لا يزال السبب الدقيق لمتلازمة “هافانا” غير معروف، ويشير المسؤولون الأميركيون إلى الحالات المحتملة على أنها “حادثة صحية شاذة”، حتى مع استمرار المحققين الحكوميين في التحقيق في أصولها. 

الجزء الأول من الجملة صريح ودقيق باستثناء أمر واحد. إنها تتحدث عن “متلازمة هافانا” كما لو كانت حقيقة طبية بسيطة ومتماسكة لها “سبب دقيق” واحد. كل ما نعرفه عن الشكاوى المختلفة التي جُمعت معًا تحت هذا التصنيف يشير بوضوح إلى أنه لم يكتشف أحد حتى الآن حالة طبية يمكن تحديدها تنطبق على 200 حالة مُبلغ عنها.

هذه هي اللحظة التي كشف فيها المسؤولون، أخيرًا، أن وزارة الخارجية (المسؤولون الأميركيون) قد استبدلت مصطلح “متلازمة هافانا” بمصطلح “الحوادث الصحية الشاذة”. ومرة أخرى يقدمون حقيقة أساسية كنوع من الأفكار الطارئة غير المهمة. ويشير قرار تغيير الاسم، إلى قصة غير مروية عن كيف أن الأشخاص الرئيسيين في وزارة الخارجية يشككون باطراد في وجود المتلازمة ومسؤولية روسيا. 

ملاحظة تاريخية

انضمت صحيفة “بوليتيكو” إلى هذا الاتجاه من خلال التركيز بالمثل على عنصر الخوف البلاغي المرتبط بفكرة الأشياء التي تحدث “باطراد”. الرسالة التي يسعى الصحفيون إلى إيصالها هي أن العمل الصارم أصبح ضروريًا جدًا. يقول عنوان مقال “بوليتيكو”: “محققو الولايات المتحدة واثقون جدًا من هجمات الطاقة الموجهة خلف متلازمة هافانا”. ويؤكد أن المشرعين يزدادون ثقة في أن روسيا أو أي حكومة أجنبية أخرى معادية تقف خلف الهجمات المشتبه فيها.

عندما يشعر المجمع العسكري الصناعي الأميركي والصحفيون المتواطئون بالحاجة إلى دفع الأمة نحو الحرب، فإنهم يعتمدون استخدام كلمة ” باطراد” لأنه الظرف الأكثر استخدامًا في القاموس. في يوليو 1965، عندما كان المستشارون العسكريون للرئيس “ليندون جونسون” يدعون إلى التزام أكبر، يتضمن التنبؤ بالحاجة إلى نصف مليون رجل، صاغت وكالة المخابرات المركزية تقريرًا يتضمن 12 نقطة للرئيس. وظهرت كلمة “باطراد” خمس مرات في تلك النقاط، بما في ذلك في المثالين الأخيرين:

تبدأ المقولة الأولى بالفعل ” يبدو”، مما يشير بوضوح إلى أنها ليست حقيقة. بينما تبدأ الثانية باستخدام عبارة “هناك مؤشرات على” طريقة أخرى لقول الشيء نفسه. على النقيض من ذلك، فإن الحقائق التي لا تُنسى والتي لا جدال فيها والتي يتفق عليها جميع المؤرخين هي أن “جونسون” انتهى بالفعل بإرسال قوة قوامها 500000 جندي وأنه في أثناء الحرب قتل 50000 جندي أميركي. 

يجب أن يؤكد هذا التمرين في القراءة المتأنية على حقيقة واحدة واضحة: الصحفيون المحترمون ووكالة المخابرات المركزية يشتركون في نفس الغرائز الخطابية، وكانوا كذلك منذ عقود. فهل يمكن أن يكون هذا دليلاً على التواطؤ؟ كما يبدو أن عملية الطائر المحاكي ما زالت تمتلك أجنحة.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: fairobserver

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر