غيوم فوق مضيق تايوان

التاريخ والوقت : السبت, 17 أغسطس 2019

كنت وانج

 

تتصاعد موجات الأمل والحماسة في تايوان مع اقتراب موعد الانتخابات العامة، حيث يتسع نطاقُ الجدلِ الدائر في واشنطن بشأن الحكم على حالة تنمر متصاعدة من جانب الصين تجاه تايوان، باتت ملحوظة بمعدلات متزايدة. ففي الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة والصين حربًا تجارية مستعرة، يروق للجناح المتشدد بإدارة الرئيس دونالد ترمب أن يمارس الضغط على الصين من خلال تايوان، وذلك باستخدامها كورقة مساومة على طاولة المفاوضات، وصولاً إلى سلسلة من التشريعات الإيجابية في تايوان.

لقد شهدت العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وتايوان تطورات أخيرة على خلفية تدهور سريع في العلاقات الأميركية الصينية وتصاعد التوتر في العلاقات عبر مضيق تايوان. وعلى وجه الخصوص، تجدر مراجعة بعض التقارير الأخيرة بشأن الرئيس التايواني “تساي إنغ ون” الذي يتلاعب ببراعة بالقضية عبر المضيق، كما يضيف فصلاً جديدًا في العلاقات المتدهورة بين بكين وواشنطن بالفعل، حيث توقف “تساي” عن استفزاز بكين، خشية أن يؤدي ذلك إلى اتساع نطاق الغيوم فوق مضيق تايوان، وهو أمر جيد.

من منظور البيئة السياسية الأميركية الحالية، فإن صعود الصين إلى المواجهة الشاملة شهد إجماعًا بين كل من الديمقراطيين والجمهوريين. فقد شكلت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين “وضعًا طبيعيًا جديدًا”، إلى جانب موقف التيار المتشدد الصاعد بداخل إدارة ترمب، وبالتالي فإن المسؤولين الأميركيين يشعرون بالسعادة بالطبع باستخدام ورقة تايوان في اللعبة، حيث أصبح بإمكانهم التأثير على ملفات حساسة بالنسبة لبكين.

فإدارة ترمب تلعب بورقة تايوان على أساس المصالح الوطنية للولايات المتحدة، ولكن من وجهة نظر تايوان، قد تتورط المصالح الوطنية لجمهورية الصين في خطر شديد. وبالطبع لا يمكن لحكومة “تساي” أن تتغافل هذا المنطق، ولكن نتيجة لأيديولوجيتها تجاه استقلال تايوان والعمل المنفرد فيما يتصل بمصالح الأحزاب السياسية التي تتجاوز المصالح الوطنية، فقد زادت بشدة في الخطاب والسياسات، من القوة المعادية للصين. وفي الأشهر الأخيرة، أصبحت هذه العمليات واضحة بدرجة كبيرة. فكثيرًا ما يتلاعب “تساي” بالعلاقات عبر المضيق كورقة مساومة في محاولة لدعم إعادة انتخابه، حيث يترك بذلك تايوان على وشك الانزلاق نحو وضع الحرب الخطير.

وبينما تستعد تايوان للانتخابات الرئاسية والتشريعية في يناير المقبل، تظل قضية وحدة تايوان من أكثر المعضلات السياسية تعقيدًا وإثارة للجدل، وحتى الخطيرة التي تواجه الكونجرس الأميركي وإدارة ترمب. بل من المرجح أن يستمر هذا الاتجاه في إثارة مزيد من الضجيج الخطابي من جانب بكين.

وحتى تتمكن من موقع القيادة الفعالة، يجب أن يواجه “تساي” بشكل مباشر العديد من العوامل الثابتة والمتغيرة التي تواجه تايوان، وأن يقدم التدابير المضادة والمقابلة للتحديات التي تواجه الأمن القومي لتايوان. وبالتالي يجب عليه التأكد من سلامة علاقات تايوان بالعالم؛ حيث يتم التأكد من ملاءمة العديد من جوانب العلاقات الخارجية بنسبة 100٪، والتي تمثل تايوان واحدة، حيث لا يمكن تغافل حقيقة أن تايوان لا يمكنها تجنب مواجهة بكين. ففي بداية هذا العام، دعا الرئيس الصيني “شي جين بينغ” إلى استكشاف سياسة “دولة واحدة ونظامين” لتايوان؛ وعلى الجانب الآخر قام “تساي” بتوجيه النقد للصين.

ومن الواضح أن بكين لن تتخلى عن اقتراح “دولة واحدة ونظامين” كطريقة تعويضية لإعادة تايوان إلى مظلة “الصين الكبيرة”. وبعد افتقاد حالة الإجماع التي تحققت عام 1992، فقد بات من المتعين على “تساي” إعادة التفكير في إمكانات إعادة بناء علاقات قائمة على الحوار مع الصين.

وبالنظر إلى التصريحات والسياسات والبرنامج التشريعي الأخير لحكومة “تساي” عبر الحدود، بات من غير الممكن أن يتم نشر أي منها ضمن شبكة من ثلاث ضمانات، مثل تأمين الظروف المعيشية لشعبه، وكذا أمن المعلومات، والرقابة الديمقراطية. فهذه التدابير، في الواقع، لا تتعلق بالكرامة الوطنية، ولا تفيد العلاقات عبر المضيق، ولا تفضي إلى أمن تايوان؛ لكنها تحد فقط من الحقوق الدستورية للمواطنين بطريقة غير متناسبة. وباختصار، فقد حوَّل “تساي” مباشرة نشر العلاقات عبر المضيق إلى أداة لحملته الانتخابية الرئاسية.

في ظل حكم “شي”، اتبعت الصين سياسةً خارجيةً أكثر حزمًا من خلال زيادة العدوان في العلاقات عبر المضيق. ففي خطاب رأس السنة الميلادية، دعا “شي” إلى إعادة التوحيد السلمي، لكنه حذر أيضًا قائلاً: “إننا لا نتعهد بالتخلي عن استخدام القوة والاحتفاظ بخيار اتخاذ جميع الوسائل اللازمة”. فهذا الخطاب، إلى جانب إصلاحات بكين لجيش التحرير الشعبي الصيني أدى إلى درجة كبيرة من التحديث والتدريبات العسكرية في مضيق تايوان، ما دعا البعض إلى التوقع بأن الصين قد تخطط للدفع في اتجاه إعادة توحيد تايوان مع الدولة الصينية في مرحلة ما.

بجانب ذلك يجب أن تعتمد سياسة “تساي” عبر المضيق على عوامل محددة وليس على توقعاتها الذاتية. والآن بعد أن فاز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي التقدمي، بات من الواجب عليه أن يرفع مكانته في حملته الانتخابية، والتفكير في كيفية استعادة النوايا الحسنة التي كانت موجودة في الماضي، وذلك من أجل إيجاد منفذ لتايوان، والرد بطريقة ما على “شي” من خلال برنامج تايوان من أجل “دولة واحدة ونظامين”. فهذه ليست معركة انتخابية فحسب، بل صفحة من التاريخ؛ حيث سيوقع الرئيس “تساي” اسمه على المزايا والعيوب في هذه الصفحة.

لقد بدأ جيش التحرير الشعبي الصيني أخيرًا تدريبات عسكرية واسعة النطاق بالقرب من مضيق تايوان وسط توترات متصاعدة بين بكين وواشنطن، بينما يستمر “تساي” في تصدير رواياته المؤيدة للاستقلال لحشد الدعم الشعبي قبل تصويت العام المقبل. ومهما كانت نتيجة أحدث تطور في العلاقات الأميركية الصينية الواسعة، فإن قضية تايوان ستظل قائمة.

وبالتالي فمع بقاء “تساي” في السلطة، فإن احتمال نشوب صراع حول وضع تايوان في المستقبل سوف يدوم بشكل خطير، ويمكن تصوره بأن يثير صراعًا أوسع بين بكين وواشنطن. ذلك أن تدهور العلاقات الصينية الأميركية والتوترات المتصاعدة عبر المضيق يعزز كل منهما الآخر. وفيما يتعلق بتايوان، لا يستطيع 23 مليون شخص اعتبار الصين غافلة إلى الأبد. فإذا ظل شطرا المضيق في مواجهة، فلا يسعنا إلا أن نشكك في حقيقة أن حكومة “تساي” كانت تسعى إلى الحرب.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: آسيا تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر