عرب إيران.. العمق الاستراتيجي المنسي

التاريخ والوقت : الخميس, 25 يوليو 2019

العلاقات العربيَّة – الإيرانيَّة، كانت وما زالت، شائكة جدًا، ويتداخل فيها التاريخ والعقائد والمصالح المتنافرة. فتلك العلاقات مرت تاريخيًا بمراحل متعددة ، إذ إن الصراع الإيراني مع العرب لا يعود تاريخه إلى أعوام قلائل مضت – كما يعتقد البعض –  بل هو صراع قومي تاريخي ممتد يمتلك أبعادًا وخلفيات قومية وسياسية تعود إلى مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي.

وفي الواقع، هناك عوامل واعتبارات كثيرة تبرهن على أن الصراع العربي – الإيراني، هو صراع قومي تاريخي وليس صراعًا دينيًا، فالعرب ليسوا جميعًا من المسلمين السنة، بل إن هناك ملايين العرب يعتنقون الإسلام الشيعي والديانة المسيحية واليهودية وأديانًا وعقائد أخرى. فحسب مراكز الدراسات الأحوازية، يتضح أن العرب يمثلون 10 في المئة من مجمل سكان إيران.

وفي الآونة الأخيرة، ازداد الحديث حول ملف العرب في إيران، وخاصة بعد مطالبة منظمة العفو الدولية السلطات الإيرانية بإجراء تحقيق فعال ونزيه على وجه السرعة في الظروف المشبوهة المحيطة بمقتل معتقل عربي أحوازي يبلغ من العمر 28 عامًا تحت التعذيب، فضلاً عن اعتقال السلطات الإيرانية لمئات المواطنين والناشطين العربطالت أكثر من 800 شخص-خلال الأشهر الثلاثة الماضية – بحسب منظمة حقوق الإنسان الأحوازية، وهو ما يثير قضية عرب إيران وكونهم يمثلون عمقًا استراتيجيًا غائبًا بالنسبة للعرب.(1) 

إطار تاريخي 

تاریخ حضور العرب بإيران يرجع لما قبل الإسلام، أي قبل تأسیس الحكم الساساني، إلا أنه في عام 1925 بدأت هجرة العجم والفرس إلى الإقليم واتبعوا ما سمي بـ”سياسة التفريس” بتأسیس مدارس تدرس فیها جمیع المواد الدراسیة باللغة الفارسیة، وإنشاء محاکم فارسیة بدلاً من المحاکم العربیة الشرعیة “الدینیة”، وإقصاء العرب من جمیع المناصب الحكومية وتشجیع هجرة الفرس إلی الإقلیم، وتغيير أسماء المدن العربیة لتحمل أسماء فارسية، وتغيير اسم الأحواز إلى خوزستان، وذلك بعد أن أرادت السياسات الاستعمارية تقوية الدولة الفارسية.(2)

ويبدو أن العداء الفارسي الإيراني للعرب بات يرتدي ثوبًا أيديولوجيًا فضفاضًا منذ قيام ثورة الخميني، حيث اتجه نظام الملالي إلى استغلال مرحلة التراجع العربي عبر رفع راية الدفاع عن الشيعة، وسعوا إلى احتكار التاريخ الحديث باسمهم في مواجهة السُنّة، من أجل تغطية طموحاتهم التوسعية التاريخية على حساب العرب.(3)

أحوال بائسة

كما تأكل النار نفسها، فإن العداء الإيراني ضد العرب امتد ليصل للعرب الإيرانيين أنفسهم، إذ باتت الممارسات الإيرانية – غير المقبولة – تجاههم شيئًا اعتياديًا وعادة يومية.

*مسيرة العرب التاريخية في إيران تحفل بأكثر من 16 انتفاضة، لعل أبرزها ثورة “جنود الأمير خزعل” عام 1925 التي انتهت بمقتل المئات، فضلاً عن الحراك الذي انطلق عام 2005 بعد تسريب وثيقة من مكتب الرئيس الإيراني، محمد خاتمي، نصت على تهجير نصف سكان المناطق العربية واستبدالهم بالفرس بغية تغيير ديموغرافية المنطقة.

*على الرغم من أن معظم نفط وغاز إيران مصدره أماكن العرب، فإن السكان العرب يعانون من فقر شديد، حيث يخصص لهم النظام حصة ضئيلة من عوائد الثروة الطبيعية ويتعمد تجاهل تنمية مناطقهم.

*لم تكتفِ السلطات الإيرانية بحرمان العرب في مناطقهم من التنمية وعوائد الثروات الموجودة فيها، وسياسة التمييز العنصري”، بل تحظر السلطات الإيرانية على الأحزاب والتيارات العمل وفق الأطر القانونية، وتمنع العرب من المشاركة في العملية السياسية إلا لمن ثبت ولاؤه للنظام.(4)

*ويبدو أن تمتع الإقليم بأهمية اقتصادية كبيرة، (حيث يشكل النفط الأحوازي 87 في المئة من إجمالي النفط الإيراني المصدّر)، جعل طهران تسعى – باستغلال سلاح الضغط الاقتصادي – إلى تهجير الأحوازيين من مناطقهم من أجل تغيير ديموغرافيتها.

*ضمن إجراءات طمس الهوية العربية للإقليم، لجأت السلطات الإيرانية لفرض تعتيم إعلامي ممنهج على أخبار الأحواز، ولم تكتفِ بهذا وحسب، بل منعت التحدث باللغة العربية واستخدام أسماء عربية للمواليد ومنعت ارتداء الزي العربي واستبدلته بالملبس الفارسي، في محاولة “بائسة” لإخفاء الهوية العربية.

*ومن الواضح أن إيران غير مدركة أن عرب الأحواز مواطنون إيرانيون، إذ تتجاهل الحكومة الحالة الصحية للمواطنين، ففي 2015 اندلعت مظاهرات حادة بسبب مشاكل بيئية مثل تحويل مجاري مائية مما تسبب في تصحر وتجريف العديد من الأراضي الزراعية(6).

*إجراءات تعسفية أخرى تمارسها السلطات الإيرانية ضد العرب، ونستدل على ذلك من إلغاء المؤسسات السياسية والقضائية العربية وإعلان الحكم العسكري، بالإضافة إلى إنكار حق تقرير المصير للعرب وحرمانهم من حقوقهم السياسية.

*على الرغم من أن العرب يشكلون حوالي 10% من سكان إيران، فإن السلطات الإيرانية تسعى بشكل ممنهج إلى بث الكراهية والعنصرية ضدهم، خاصة في أوساط الشباب.(7)

*مدينة الأحواز تعاني من الإهمال، خاصة على مستوى التلوث الذي بات يشكل خطرًا على المدينة “الغنية بالنفط”، وهو ما نستدل عليه من تقرير منظمة الصحة العالمية 2011، والذي قال إن أكثر المدن تلوثًا في العالم هي مدينة الأحواز، حيث وصلت نسبة التلوث 372 مايكروغرامًا في المتر المكعب.(8)

عمق استراتيجي غائب

لا شك أن عرب إيران يشكلون قوة هامة للعنصر العربي ولقضية مواجهة العرب لإيران ولتدخلاتها الفجة في شؤون الدول العربية، إلا أن قضية عرب إيران يمكننا وصفها “بالقضية المنسية والغائبة” عن أذهان العرب، الذين يتعين عليهم الالتفات لها والاستفادة منها في الوقوف في وجه ممارسات طهران غير المقبولة.

يجب أن يدرك العرب أن قضية الأحواز من القضايا الهامة والمحورية في علاقتهم بطهران، إذ إن كون القضية منسية شيء ليس بالجيد، فمن الضروري العمل على الاهتمام بتلك القضية من كافة النواحي، خاصة مع تدخلات إيران – الفجة – وغير المقبولة في الشؤون الداخلية للدول العربية، فلا شك أن قضية عرب الأحواز قضية عادلة ولا تقل أهمية عن حجج طهران – الواهية – التي تستغلها كذريعة تتيح لها التدخل في شؤون العرب.

مواقف عديدة يمكن للعرب الالتفات لها من أجل الاهتمام بقضية عرب إيران القضية العادلة التي يجب استثمارها للوقوف في وجه تدخلات طهران غير المبررة وغير المقبولة في شؤون الدول العربية، إذ يجب العمل على دعم مطالبات منظمة العفو الدولية السلطات الإيرانية بإجراء تحقيق نزيه في مقتل معتقل عربي أحوازي تحت التعذيب، فضلاً عن اعتقال السلطات الإيرانية لمئات المواطنين والناشطين العرب.

بالإضافة إلى ضرورة العمل على دعم عرب إيران معنويًا وماديًا. فالفقر قد أكل من أبناء الشعب الأحوازي المقهور وشرب، على الرغم من الخيرات التي تجري من تحت أقدامه، حيث يشكل النفط الأحوازي ما نسبته 87 في المئة من إجمالي النفط الإيراني المصدّر. وتصب في الإقليم ثمانية أنهار، وهو ما جعل 65 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة في إيران، متركزة في تلك المنطقة(1).

فعندما تتحدث إيران عن الداخل العربي يجب أن يثير العرب قضية الداخل الإيراني، وعندما تذكر إيران مشكلات داخلية عربية يجب أن تلوح مشكلة عرب الأحواز في الأفق.. فهي قضية “عادلة” بعكس القضايا التي تستغلها طهران في التدخل في الشؤون العربية.

فعلى المستوى الإقليمي، يبدو أنه لا بدَّ من تحرك عربي عبر جامعة الدول العربية سعيًا لإعطاء أهل الأحواز حقوقهم، وعودة إيران الفارسية إلى حدودها الطبيعية، فمقومات استعادة الدولة الأحوازية قائمة وموجودة، بدءًا من شعب وإقليم وتراث وتاريخ طويل حاولت طمسه العنجهية الفارسية.(2)

وعلى المستوى الدولي، يجب على الدول العربية الحديث عن معاناة عرب إيران وسرد الإجراءات التعسفية التي يواجهونها من النظام الإيراني الذي يتشدق بدعمه للحريات وهو أكبر مقيد لها، بالإضافة إلى ضرورة دعم الأحوازيين وتحفيزهم لتصعيد مقاومتهم السلمية والديمقراطية بتوفير منصات دعم سياسي وإعلامي لإبراز صوتهم في المحافل الدولية.

ومن الواضح أن مبدأ “المعاملة بالمثل” يجب أن يكون هو السائد في تعامل العرب مع إيران وتدخلاتها، خاصة أن قضيتهم عادلة. فممارسات النظام الإيراني التعسفية وغير المقبولة ضد عرب الأحواز قد باتت واضحة للجميع، بعكس ما تحاول طهران إثارته ضد الدول العربية. فالأزماتالإيرانية الناتجة عن شيخوخة نظامها، ونخر السوس في كراسي حكمه، كانت جراء المعالجات الخاطئة لأزماته الداخلية من جانب، وتصديرها للخارج من جانب آخر.

وبناء على ما سبق فإنه يتوجب على المنظمات الدولية العربية، وصناع القرار تفعيل التوصيات التالية:

-ضرورة العمل على إبراز قضية الأحواز على الصعيد العربي والدولي وتسخير كافة الطاقات الإعلامية لتسليط الضوء على بشاعة ممارسات النظام الإيراني تجاههم.

-لا شك أن ترسيخ مفهوم واقعي، وهو أن قضية الأحواز لا تقل أهمية عن قضية عربية، أمر هام وضروري.

– دعم عرب إيران معنويًا وماديًا من الأمور التي يجب الالتفات لها أيضًا، فالفقر قد أكل وشرب من أبناء الشعب الأحوازي المقهور على الرغم من الخيرات التي تجري من تحت أقدامه.

– يمكن اعتبار قضية الأحواز قضية حقوقية عادلة بامتياز نظرًا لما يتعرض له العرب في هذا الإقليم من اضطهاد متعدد الجوانب.

– دعم الأحوازيين وتحفيزهم لتصعيد مقاومتهم السلمية والديموقراطية ذات المدى البعيد والمتوسط، بتوفير منصات دعم سياسي وإعلامي لإبراز صوتهم في المحافل الدولية، بالطبع سيكون عملًا ذا جدوى.(9)

نقاط هامة

-قضية عرب إيران التي تجاوزت 91 عامًا، تمثل الدليل الأكثر وضوحًا على عدم مصداقية النظام الإيراني في مسألة القضية الفلسطينية، فما يتعرض له الشعب العربي من تهجير وإعدامات لا يختلف على الإطلاق عمَّا يحدث في فلسطين.

-على عكس ما يحاول النظام الإيراني تصديره بأنه يتدخل في شؤون الدول العربية لنصرة العرب الشيعة في الخليج واليمن ولبنان، فإنه يستخدمهم كحصان طروادة للانتقام من العرب.(10)

-سياسات حكومة إيران القائمة على التمييز العرقي بين العرب والفرس، قادت إلى أن يترك عرب إيران المذهب الشيعي ويتحولوا إلى مذهب أهل السنة بأعداد كبيرة.

-تراجع المكانة السياسية لإيران ارتبط بالسياسات الاستبدادية الظالمة التي تمارسها، ولم تحترم في كل مواقفها مبادئ القانون الدولي والإرادة الشعبية لشعبها.(11)

-يبدو أن الفرصة الآن مواتية للعرب إذا ما أرادوا دعم الأحواز من خلال دعم اللغة العربية بينهم، والعمل على تنظيمهم مؤسسيًا، وتفعيل دور المهجرين منهم.(12)

 

وحدة الدراسات الإيرانية*

المراجع 

  • العفو الدولية تطالب إيران بالتحقيق في مقتل وتعذيب أهوازي، العربية.

https://bit.ly/2Jn3Cdx

  • عرب إيران القضية المنسية في تاريخ العرب المعاصر، اليوم السابع.

https://bit.ly/2FZasUb

  • العرب وإيران: مراجعة في التاريخ والسياسة، الحياة.

https://bit.ly/2Jrv9ct

  • عرب إيران.. نضال الهوية والوطن المنشود، سكاي نيوز عربية.

https://bit.ly/2JvukPR

  • 5معلومات لا تعرفها عن السنة في إيران، اليوم السابع.

https://bit.ly/2Jkk7Xw

  • الأهواز.. عرب إيران ضحايا عنصرية الملالي، دوت مصر.

https://bit.ly/2GBEXNx

  • عرب إيران… الاضطهاد المزدوج، إيران بوست.

https://bit.ly/2YGwdzH

  • مع استمرار اضطهاد العرب في إيران.. ممثل الأهواز في مجلس خبراء القيادة يحذّر من حرب أهلية، إرم نيوز.

https://bit.ly/2G3x9H0

  • قضية الأهواز كمدخل عربي لمواجهة إيران، العربية.

https://bit.ly/2XBig4v

  • لماذا أغرقوا الأحواز العربية، العربية.

https://bit.ly/2LbshDS

  • الأحواز أساس الصراع العربي – الفارسي، العربية.

https://bit.ly/32gzlEl

  • الأحــواز .. قضية عربية منسية تعيش تحت قبضة العنصرية الصفوية، المدينة.

https://bit.ly/2Jx7QOj

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر