طباعة النقود لا تحل محل الادخار بل تضعف الإنتاج والنمو الاقتصادي

التاريخ والوقت : الأحد, 25 أغسطس 2019

فرانك شوستاك

 

هناك بعض الدلائل على أن وتيرة النشاط الاقتصادي الأميركي بدأت في التباطؤ. فعلى سبيل المثال، انخفض معدل النمو السنوي للإنتاج الصناعي الذي أغلق عند 5.4 ٪ في سبتمبر 2018، إلى 1.3 ٪ بحلول يونيو من هذا العام.

بالإضافة إلى ذلك، فقد انخفض معدل النمو السنوي لمؤشر أسعار المستهلك (CPI) من 2.9٪ في يوليو من العام الماضي إلى 1.6٪ بحلول يونيو من هذا العام. وبمجرد أن تبدأ مؤشرات النشاط الاقتصادي في التراجع، يبدأ صناع السياسة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي في إظهار حرصهم على منع الاقتصاد من الوقوع في فخ الركود من خلال تخفيف موقفهم النقدي. واستجابة للتراجع الأخير في البيانات الاقتصادية، قام صناع السياسة بتخفيض سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية في نهاية يوليو بنسبة 0.25٪ إلى 2٪.

ومن خلال طرق التفكير الشائعة، فمن المرجح أن يؤدي خفض سعر الفائدة إلى تعزيز الطلب الكلي على السلع والخدمات، وهذا بدوره سيعزز إنتاج السلع والخدمات (أي سيعزز النمو الاقتصادي). فقد لوحظ أن تراجع النشاط الاقتصادي، وفقًا لأنماط التفكير تلك، يرجع إلى ضعف الطلب الكلي. فبمجرد إعطاء الطلب الدفعة اللازمة، يجب أن يحذو النمو الاقتصادي حذوه.

نحو تعزيز الطلب والعرض أيضًا

من الملاحظ أن الأفراد يشاركون في إنتاج السلع من أجل الحفاظ على حياتهم ورفاهيتهم. ذلك أن كل فرد من المحتمل أن يجد صعوبة في إنتاج جميع السلع التي يحتاجها للحفاظ على حياته ورفاهه بما يوفر قوة دافعة للتجارة، والتي عن طريقها يمكن للأفراد تبادل السلع التي أنتجوها مقابل البضائع التي ينتجها أفراد آخرون. فعلى سبيل المثال، لا يقوم الخباز بإنتاج الخبز فقط لاستيعاب متطلباته الشخصية فيما يتعلق بالخبز، ولكنه ينتج أيضًا الخبز من أجل أن يتمكن من استبداله بسلع وخدمات أخرى.

كما يمكن للخباز أن يمارس طلبه على سلع مختلفة مثل الأحذية والفواكه، من خلال استبدال رغيف الخبز الذي أنتجته. ومن خلال الزيادة في الإمداد بالخبز، يستطيع الخباز أيضًا زيادة الطلب على السلع الأخرى. ويلاحظ أن طلبه على البضائع يتضمن إنتاجه للخبز، أي في عرضه للخبز. كما أن مطلبه يظل مقيدًا بالإنتاج، أي من خلال توفير الخبز. فكلما زاد الإنتاج، يمكن الحصول على السلع والخدمات.

ومع ذلك، لا يكفي للمنتجين تقديم عرض للبضائع، بل يجب أن يكون هناك أيضًا سوق لمنتجاتهم. وبالتالي يمكننا استنتاج أن الفرد عليه أن ينتج شيئًا مفيدًا للأفراد الآخرين من أجل تأمين السلع التي تدعم حياته ورفاهيته لنفسه.

كما نستنتج أنه من خلال الأفراد العاملين في التجارة، يتم تبادل السلع والأشياء، ما يعني أن الأفراد يدفعون ثمن البضائع بأشكال مختلفة.

لا يمكن استبدال النقود بالحاجة إلى إنتاج السلع

إن إدخال عنصر المال لا يغير الحقيقة السابقة، فالمال مجرد وسيلة للتبادل. كما أنه يدعم إمكانية توسيع التجارة بين مختلف الأفراد. كما لا يؤدي إدخال الأموال إلى تغيير حقيقة أنه لا يزال يتعين على الأفراد إنتاج شيء مفيد من أجل تأمين بعض السلع المفيدة الأخرى لأنفسهم.

فإدخال النقود يجعل ظهور مختلف المهن ممكنًا. فعلى سبيل المثال، بدلاً من محاولة استبدال اللحوم مباشرة مع منتج نباتي كالتفاح، يمكن للجزار مثلاً تأمين حاجته من التفاح ليس من خلال التبادل المباشر، ولكن من خلال التبادل غير المباشر. كما يمكن للجزار استبدال اللحم مقابل بعض السلع الأخرى المطلوبة مثل الذهب، ثم استبدال الذهب مقابل التفاح، (لكن السلعة الأكثر قبولاً هي المال).

هنا نجد أن الفرد يتبادل شيئًا ما مقابل النقود التي يتبادلها مقابل شيء آخر، وهو ما يعني أن المال يعمل كمُيَسِّر، إذ يتيح تبادل شيء بشيء ما. والمال في ذاته لا ينتج شيئًا، فهو مجرد وسيلة للتبادل. ووفقًا لـ “روثبارد” في كتاب (الإنسان والاقتصاد والدولة)، فإن هذه الأموال لا تحل محل الحاجة إلى إنتاج السلع والخدمات. ذلك أن دور النقود يكمن في تسهيل التجارة، سواء من خلال عمليات الاستبدال المباشرة، أو عن طريق التبادل غير مباشر؛ وهو ما يعني أنه خلافًا للتفكير الشائع في الاقتصاد النقدي، فإن الأفراد يدفعون مقابل البضائع عن طريق البضائع الأخرى وليس بالمال، والذي يوفر فقط الخدمات الوسيطة للتبادل. ومرة أخرى، فإن النقود ليست وسيلة للدفع ولكن مجرد وسيلة للتبادل. فدائمًا ما يتم الدفع عن طريق السلع والخدمات.

التأثير المزيف والنمو النقدي

لو فكرنا في قضية المزوِّر الذي يطبع أموالاً مزيفة، فإنه يستخدم أمواله المزورة لاستبدالها بالسلع والخدمات. في تلك الحالة، فإن ما لدينا هو تبادل النقود مقابل لا شيء، ثم تبادل الأموال مقابل شيء ما، أي هنا تبادل شيء ما مقابل شيء ما. (لاحظ هنا أن المزيف لم ينتج أي سلع مفيدة، ومن ثم لم يتم تبادل أي شيء مقابل المال).

هنا نرى أن التوسع في عرض النقود في النظام النقدي الحالي يؤدي دائمًا إلى تبادل شيء مقابل شيء ما، أو أنه تأثير مزيف. فكلما تمكن البنك المركزي من خلال السياسة النقدية الميسرة من زيادة المخزون النقدي، فإنه يسمح بتوسيع النقود من “الهواء”، وهذا بدوره يعزز عملية تبادل شيء مقابل شيء ما.

إن أجهزة الكشف المبكرة، وتتبع الأموال التي تمَّ إنشاؤها حديثًا، جعلت المستلمين الأوائل يصبحون أكثر ثراءً؛ لأن لديهم حاليًا أموالًا أكثر من ذي قبل. كما بات بإمكان المستلمين الأوائل الحصول على كمية أكبر من البضائع بينما لا تزال أسعار السلع ثابتة. وهنا سوف يتحمل المستلم الأخير للنقود عبء الزيادات في الأسعار وانخفاض مستويات المعيشة.

لكن ما يغفله المحللون الذين ينادون بالضخ النقدي لاستيعاب الموارد غير المستغلة، هو حقيقة أن هذه الموارد أصبحت راكدة بسبب الطفرة الناجمة عن السياسة النقدية الفضفاضة السابقة التي اتبعها البنك المركزي. فنتيجة لهذا الموقف النقدي، ظهرت العديد من الأنشطة غير المنتجة أو “الفقاعية”. وهي الأنشطة التي تعتمد على السياسة النقدية الفضفاضة التي تحول إليهم ثروة حقيقية من خلال مولدي الثروة.

هنا نشير إلى أن الموقف الأكثر صرامة للبنك المركزي، والذي تمثل في وقف هذا التحويل، من شأنه أن يقلل من عدد أنشطة الفقاعات ويعزز في نهاية المطاف عملية توليد الثروة. ومع ذلك، لا يمكن التراجع عن الضرر الناجم عن هذه السياسة النقدية الفضفاضة على المدى القصير. ولمرة واحدة، تكتسب عملية توليد الثروة زخمًا من التوسع في مجموعة الثروة الحقيقية، مما يجعل بالإمكان حدوث امتصاص مختلف الموارد الخاملة.

وكما يرى الخبراء، فنتيجة للركود الاقتصادي، فإن الموارد التي يمكن استخدامها في الأوقات العادية لتعزيز الرخاء الاقتصادي، أصبحت الآن غير مستغلة. ومن ثم، فإن تعزيز الطلب لن يعزز النمو الاقتصادي فحسب، بل سيمنع أيضًا ظهور موارد خاملة. هنا يبدو أن المعلقين على صواب حينما يقولون بأن ما يمنع الزيادة في إنتاج السلع واستيعاب الموارد الخاملة هو الافتقار إلى الائتمان. ومع ذلك، فإن هناك حاجة إلى التأكيد على أن الائتمان الذي يفتقر إليه هو الائتمان الإنتاجي، ذلك الائتمان المدعوم بالكامل بالثروة الحقيقية.

وباختصار، ينشأ الائتمان الإنتاجي عندما يضيف مولدو الثروة بعض ثرواتهم الحقيقية إلى مولدي ثروات آخرين. وبالتخلي عن استخدام الثروة الحقيقية المقترضة في الوقت الحالي، يتم تعويض المُقرضين من حيث سعر الفائدة الذي يوافق المقترض على دفعه. وكقاعدة عامة، فكلما زاد التوسع في الثروة الحقيقية، انخفض سعر الفائدة الذي يرجح أن يوافق عليه المقرضون، أي أنه من المرجح أن ينخفض ​​تفضيله الزمني.

وعليه، يمكن أن نستنتج أن الاهتمام يمثل مجرد مؤشر، كما أنه ليس مسؤولاً عن التوسع في الثروة الحقيقية. ذلك أن أي سياسة تقوم على التلاعب بأسعار الفائدة تجعل من الصعوبة بمكان على مولدي الثروة تقييم الوضع الحقيقي للائتمان الإنتاجي؛ وهوما يؤدي بدوره إلى سوء تخصيص الائتمان المنتج، فضلاً عن إضعاف عملية توليد الثروة، ونتيجة أسعار الفائدة المشوهة يظهر إنتاج مفرط لبعض السلع وبالتوازي مع إنتاج السلع الأخرى.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: معهد مايسيس

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر