مركز سمت للدراسات صناعة الأصنام عند الإخوان | مركز سمت للدراسات

صناعة الأصنام عند الإخوان

التاريخ والوقت : الخميس, 26 أغسطس 2021

ماهر فرغلي

 

للإخوان أصنام يبجلونها هم والجماعات الحليفة والشريكة لهم، وحين تتحرى النهج الأصيل للإسلام سترى الانحراف بعينه، حيث التفريط في المقدّس وتقديس الذي يجب التهوين منه، وما يعقب ذلك من خطرٍ كبيرٍ على الدين نفسه.  

 التماهي بين السّلطة الإلهية والتمكين

يرفع الإخوان شعار حق يراد به باطل؛ إذ يعلنون أنّ صفات الحاكمية وسلطاتها مجتمعة في يديه سبحانه وليس في هذا الكون أحد قطّ يحمل هذه الصفات أو ينال هذه السلطات.

وحين تطرق منظّرو الإخوان لهذا الأمر، ومنهم العراقي محمد أحمد الراشد، وكذلك السوري سعيد حوّى، وغيرهما، فإنما كانوا يربطون بين مفهوم “عبادة الله والتمكين” أي تحصيل القوة اللازمة لتقويم المجتمعات وحملها على التحاكم إلى شريعة الله، التي هي أقرب للجماعة دون غيرها، وهنا يستندون لأيديولوجية سيد قطب، وفق ما ورد في الظلال “الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض”.

 تتحول مصلحة الدعوة إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة وينسون معه منهج الدعوة الأصيل

إنّ مقصود الإخوان هنا اعتبار أي سلطان وسلطة منافية للدين بالجملة، وأن انتزاع سلطان الله المغتصب واجب عليهم لأنهم أهل الحق!.

لقد شط الفكر الإخواني بعيداً إذ اعتبروا أنّ هناك تمكيناً وحاكمية شعبية إسلامية تتحرك في نطاق الشريعة الإسلامية، وأنّ الله قد أقر نيابة الشعب واستخلافه عن الله في ظل سيادته وحاكميته؛ أي إن الله قد خول للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة، الأمر الذي يجعل الخلافة الإسلامية ديمقراطية!

 يسوّي الإخوان بين الألوهية والسلطة مستدلين بالمودودي في المصطلحات الأربع أنّ “أصل الألوهية وجوهرها هو السّلطة”، ووفقاً لهذه القراءة، التي تُماهي بين الإلوهيّة والسّلطة، يخلصون إلى أن الدين بذاته لا يبعد عن جوهر السّلطة شيئاً، وبناءً عليه اعتقدوا أنّ الصلة بين الله والإنسان، والعبد والرب، هي في الواقع صلة بين الحاكم والمحكوم، وصلة الرعيّة والمَلِك، وأنّ صفة “السّلطة العليا” و”الحاكميّة المطلقة” هي الأصل من بين أسماء الله الحسنى وصفاته السامية الكثيرة”، وهنا شط بهم الأمر فاعتقدوا أنهم الأشد تمسّكاً بالدين.

لقد أثار التمكين بالحاكمية المساوية للألوهية بالشكل الذي تعرضه جماعة الإخوان دائماً إشكالية الخلط بين مفهوم “السّلطة” القانوني المستقى من الغرب، ومفهوم “الحُكم” القرآني، والخلط بشكل تامّ بين “التشريع” و”التنفيذ”.

وقد تطابقت دعاوى الحاكمية وفهمها الخاطئ مع دعوة الخوارج الأولى التي خلطت الحق بالباطل في قوله تعالى “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”، فالآية حق ولكنهم وضعوه موضع الباطل، وقد أنكر هؤلاء أنّ للبشر حاكمية تنبثق من حاكمية الله وتتوافق معها وتكملها.

كما أنكروا أنّ حاكمية الله تعالى تقوم بالبشر رغم أنها لا يمكن لها أن تكون موجودة في الواقع، ومتحركة في الحياة إلا على أيدي البشر، الذين يطبقون نصوصها في الواقع، ويحققون مناطها، وهم الذين يعملون عقولهم فى استخراج علل الأحكام، ويقيسون عليها!، وهم الذين يشرعون في مساحة العفو التشريعي التي تركتها لهم عمداً حاكمية الله تعالى، ويختارون من أقوال الفقهاء ما يحقق أعظم المصالح، ويتناسب مع الواقع الذي يعيشون فيه.

العبودية للدعوة دون الله

تسوي جماعة الإخوان أيضاً بين الدعوة والجماعة، وتعتبر أن كليهما يعبر عن شيء واحد، بل وشطّ بها الرأي إلى اعتبار أنّ المساس بقياداتها هو مساس بخيرية الدعوة الإلهية!

ما قاله الإخوان أنفسهم دعا سيد قطب لاستنكاره عليهم! حيث قال: “تتحول مصلحة الدعوة إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة، وينسون معه منهج الدعوة الأصيل، أن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذ النهج دون التفات إلى ما يعقبه هذ التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطر على الدعوة وأصحابها، فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج”.

إنّ المساواة التي قام بها الإخوان بين الدعوة والجماعة، جعلت الأخيرة نهاية المطاف أو المحور الأساسي، رغم أنّ التجمعات لا تعتبر نهاية المطاف ولا يمثل أحدها على انفراد جماعة المسلمين، فلا ينبغي إذن أن تنقلب الأمور ويصبح الولاء لهذا التجمع أو ذاك ذريعة لقطع الولاء لبقية الآخرين.

وحاولت الجماعة أن تجد تأصيلاً شرعياً لنفسها يبيح لها الوجود، لكنها بهذا النهج أصبحت نسيجاً آخر يختلف عن المجتمع، يحاول أن يتميز عنه، ويتسامى عليه.

 تطابقت دعاوى الحاكمية وفهمها الخاطئ مع دعوة الخوارج الأولى التي خلطت الحق بالباطل

والدعوة إلى الإسلام هي الهدف الأسمى الذي لا بد وأن يقدم على الانتماءات الحزبية، والمتأمل يرى أنّ الجماعة أصبحت غاية وهدف شغل الإخوان عن أوطانهم ودعوتهم التي يرفعون شعارها ليل نهار.

وبلغت حدة الانتماء للتنظيم أن جعلتهم يصلون إلى درجة استئصال الآخر، رغم أنّ الإسلام كفل حرية الاختيار وحرية العمل، فلا بأس أن يتبنى الإنسان رأياً معيناً وأن يختار ما يراه مناسباً ولكن أن يعتبر ذلك هو حكم الإسلام الأوحد وأن ما عداه هو الباطل والضلال فهذا هو الخطأ بعينه.

وحصرت جماعة الإخوان الدعوة فيها وحدها، وارتأت أنها ضرورة يحتّمها الواقع، وأنّها هي وحدها التي تمثل الحق الخالص وما سواها هو الباطل، وبعبارة أخرى وصفت نفسها أنها جماعة المسلمين وكل ما جاء من أحاديث عن الجماعة ولزومها ينطبق عليها وأن الآخرين هم الفرقة الضالة المذمومة!

 يقول الكاتب الراحل علاء النادي: لقد جعلت الجماعة القادة في مصاف الملائكة وأعطتهم كل الحق ليكونوا هم أصحاب القرار الوحيد.

ستظل الإخوان تمزّق الأمة وتشرذم الأوطان؛ إذ إنّها تعمل ضد المنطق والتصورات الوسطية الصحيحة وتحسب أنها تحسن صنعاً رغم أنها ترفع أصناماً وتهدم أوطاناً.

المصدر: حفريات

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر