صعود قوة الشباب في جنوب شرق آسيا ومستقبل التجارة الحرة

التاريخ والوقت : الأحد, 8 مارس 2020

آنبوند ماليسيا

 

إذا كانت هناك كلمة لوصف الاحتجاجات العامة التي انطلقت حول العالم في عام 2019، فستكون كلمة “الشباب”؛ سواء كانوا في لبنان أو تشيلي أو هونج كونج أو فرنسا أو تايلاند أو إندونيسيا أو روسيا أو بيرو أو العراق أو حتى إسبانيا، والقائمة تطول. فقد خرج عددٌ كبيرٌ من الشباب إلى الشوارع لأسباب عديدة ضد الحكومات في بلدانهم. وكان من بين أسباب هذه الحركة هو التوزيع غير المتكافئ للثروة، الذي قسَّم بشكل كبير أصحاب الثروة والأشخاص الذين لا يملكونها بالفعل مع غياب رؤية حول التنمية الاقتصادية في الوقت الراهن، وهو ما كان المستفيد منه هو النخب بدلاً من الشباب أنفسهم.

وفي حين كانت التجارة الحرة تعتبر وسيلة عظيمة للنمو والتقدم الاقتصادي في الماضي، فإن مثل هذا التصور قد يصبح أقل أهمية بين جيل الشباب في العالم المتقدم اليوم. لقد قاد الشباب في جميع أنحاء العالم المتقدم حركات مناهضة للعولمة منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما لم يتمكنوا من تحقيق المكاسب الكافية، إذ كانت التغييرات التي طرأت على النظام العالمي ليست كافية. كما لم تكن احتجاجات سياتل وجنوة التي اندلعت في عامي 1991 و2001 سوى حدثين شهدتا حركات مناهضة للعولمة تقودها مجموعات مختلفة في العالم المتقدم وذلك بالتعاون مع مجموعات معينة في الجنوب.

ومع ذلك، ففي جنوب شرق آسيا، كانت هذه المشاعر المناهضة للعولمة أقل أهمية في عقد التسعينيات؛ إذ تبنت الدول الأعضاء التجارة الحرة من أجل نموها الاقتصادي وتقدمها بشكل علني. وبالتالي، فمن غير الواقعي أن نفترض أن هذه التطورات الإيجابية سوف تستمر بلا هوادة بالنظر إلى صعود قوة الشباب في هذا الأقليم الذي يشهد تداعيات لا يمكن لأحد التنبؤ بها. ونظرًا لكون أكثر من نصف سكان جنوب شرق آسيا دون الثلاثين من العمر، فقد بات من المتعين على النخب السياسية والاقتصادية في الإقليم أن تولي اهتمامًا جادًا لهذه الظاهرة، حيث إنها باتت قادرة تمامًا على التأثير بإيجابية في التجارة الحرة القائمة منذ وقت طويل والتي التزم بها من هم في السلطة.

ومن بين دول جنوب شرق آسيا، فقد شهدت إندونيسيا ظهورًا واضحًا لقوة الشباب. فقد شهدت الانتخابات الأخيرة التي أجريت في البلاد على مستوياتها المختلفة (رئاسية وإقليمية وتشريعية) في أبريل 2019 مشاركة واضحة للشباب الذين تراوحت أعمارهم بين 17 و35 عامًا، وهو ما يشكل نصف الناخبين المؤهلين تقريبًا في البلاد. وكما لاحظ “غابرييل ناتاليا سيهان”، فإن قوة الشباب قد ظهرت بوضوح في الحملات الانتخابية لمختلف الأحزاب السياسية التي كانت تطمح للفوز في هذه الانتخابات، وخاصة في حزب التضامن الإندونيسي (PSI)، الذي دعا إلى التخلص من الأوليغاركية وتمكين الشباب في الشؤون السياسية للبلاد.

أمَّا على الجبهة المتطرفة، فقد كان الشباب الإندونيسي هم الذين خرجوا إلى الشوارع في كل مقاطعات البلاد تقريبًا، وكانوا ضد محاولات إدارة “جوكووي” لتمرير عدة مشاريع قوانين لتجريم الجنس قبل الزواج، وإضعاف لجنة القضاء على الفساد في إندونيسيا (KPK)، وهو ما شكل صدمة لرئيس الدولة.

وبالمثل، فقد شهدت آخر انتخابات عامة بالفلبين، التي أجريت في مايو 2019 مشاركة نشطة للشباب كناخبين لأول مرة في البلاد. ومن بين جميع القضايا، كانت قضية الفساد المستشري بين السياسيين، هي المحرك الرئيس للناخبين الشباب في تحديد اختياراتهم للنواب والأعضاء الممثلين والمحافظين وما إلى ذلك. وقد شكل هؤلاء الناخبون الشباب أكثر من ثلث إجمالي الناخبين في الفلبين، حيث أظهروا حضورهم السياسي الحاسم في الانتخابات العامة الأخيرة، كما أصبحوا قوة انتخابية مهمة في تقرير من هو الرئيس المقبل في عام 2022.

وفي تايلند، ظهرت قوة الشباب مرة أخرى من خلال بروز حزب “المستقبل إلى الأمام” (FFP)الذي يقوده الملياردير الشاب، “ثاناثورن جوانغرون رانجكيت”.Thanathorn  فللمرة الأولى في تاريخ الانتخابات التايلندية، أصبح الحزب الجديد هو القوة الثالثة في المشهد السياسي بالبلاد، إذ أنهى الانقسام طويل الأمد بين الحزبين السياسيين المرتبطين بحركتي “القمصان الصفراء” و”القمصان الحمراء”. وعندما تمَّ حظر الجبهة الشعبية الإندونيسية من العمل في المشهد السياسي التايلندي في منتصف شهر ديسمبر، تجمع الآلاف، وكان معظمهم من الشباب، في شوارع بانكوك، بينما عبر آخرون عن دعمهم للحزب السياسي عبر منصات التواصل الاجتماعي. ومع إعلان “ثاناثورن” أن التجمع هو بداية للحركة الديمقراطية الأوسع ضد الحكومة العسكرية، فإنه من المتوقع أن نشهد المزيد من التطورات خلال الأشهر المقبلة في المشهد السياسي التايلندي.

وفي كمبوديا وميانمار، هناك محاولة للسيطرة على القوى الشبابية، لكنهم يظلون على قدر من الحيوية على الجبهات السياسية الداخلية. ومنذ الانتخابات العامة الكمبودية الأخيرة (يوليو 2018) التي أظهرت أن حزب “هون سن” السياسي هو القوة السياسية الوحيدة المؤثرة في الانتخابات، فقد تحول الشباب الذين يمثلون نحو 46٪ من الناخبين المؤهلين، إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن احتجاجهم ضد الحزب الحاكم. وبدلاً من التصويت، كان هناك عدد كبير من الشباب الذين ساندوا حملة “الأصابع النظيفة” #CleanFingers عبر الإنترنت التي أطلقتها القوى السياسية الرئيسة في البلاد “حزب الإنقاذ الوطني الكمبودي” (CNRP) عن طريق اختيار الامتناع عن التصويت خلال الانتخابات. وعلى وجه الخصوص، حظيت هذه الحملة بدعم كبير من خلال موقع الفيس بوك Facebook بين مستخدمي الإنترنت حيث واجهت الحكومة انتقادات علنية جريئة.

وبالنسبة إلى ميانمار، فإن محاولة السيطرة كانت أقل وضوحًا مما هو عليه في كمبوديا. فمع وجود ما يصل إلى 4.8 مليون ناخب من شاب تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عامًا، أصبحوا هم المجموعة المستهدفة بين الناخبين الذين يمكنهم الفوز على الأحزاب السياسية في الانتخابات العامة المقبلة 2020. لكن بخلاف كمبوديا، فإن هناك نشاطًا سياسيًا غامضًا أظهره الشباب مع التركيز على ثمار التنمية الاقتصادية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة.

وبعد ذلك، فإن كون شباب بورما مثل غيرهم من شباب جنوب شرق آسيا، أضحوا مستخدمين نشطين لوسائل التواصل الاجتماعي، ما يعني أن أي معلومات أو أخبار مرتبطة بالسياسة تنتشر عبر منصات مختلفة لديها القدرة على أن تصبح ذات حركة نشطة بين مستخدمي الإنترنت، مع القدرة على توفير البيئة والتوقيت المناسبين. وليس هناك شك في أن هذا النشاط الاجتماعي بين شباب بورما سوف يتحرك بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي.

وأخيرًا وعلى أية حال، فإن كل هذه التطورات تظهر فقط أن صعود قوة الشباب سيكون أكثر وضوحًا في منطقة جنوب شرق آسيا. وفي حالة عدم وجود أية مكتسبات عائدة من التجارة الحرة إلى الشباب، فإن تنامي قوتهم سوف يتطور إلى قوة هائلة ستؤثر في التجارة الحرة على النحو الذي تمارسه النخب السياسية الحالية في المنطقة. وكما أوضح مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) في يوليو 2018، فإنه من الأهمية بمكان بالنسبة للحكومات الوطنية أن يتم إزالة الحواجز المتعددة، وإعادة النظر في أوضاع التعليم العالي الباهظ الثمن، والوظائف ذات الأجور المنخفضة أو غير المدفوعة الأجر، والتدريب غير الكافي ونقص الأموال المخصصة للمبادرات، وإزالة المعوقات التي تحول دون استفادة الشباب من مختلف صفقات التجارة الحرة. لذلك، فإن الأمر بات متروكًا للنخب السياسية في دول جنوب شرق آسيا من أجل ضمان أن يجني شبابها مكتسبات التجارة الحرة كونهم من المشاركين في التنمية، وإلا سوف تشهد المنطقة موجةً أخرى مناهضة للعولمة كما رأينا في دول العالم المتقدم.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر:  Khmer Times

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر