مركز سمت للدراسات صراع روسي – فرنسي على قلب تشاد | مركز سمت للدراسات

صراع روسي – فرنسي على قلب تشاد

التاريخ والوقت : الجمعة, 30 أبريل 2021

محمد أبو الفضل

 

فجر مصرع الرئيس التشادي إدريس ديبي على يد متمردي جبهة الوفاق والتغيير الاثنين الماضي الكثير من الخلافات المكتومة بين باريس وموسكو، حيث اتهمت وسائل إعلام غربية قوات “فاغنر” الروسية المتمركزة في جنوب ليبيا بتوفير دعم وتدريب للمتمردين، والسعي نحو الاقتراب من أهم مناطق النفوذ الفرنسي في قارة أفريقيا وتوظيف الصراعات والاضطرابات الإقليمية لتحقيق المزيد من التمدد.

زادت التسريبات الغربية بشأن العلاقة بين “فاغنر” ومتمردي تشاد من مخاوف فرنسا حيال تدعيم هذه المقاربة، خاصة أن هناك اتهامات ألقيت على عاتق باريس بشأن تقاعسها عن إنقاذ رجلها القوي، ما أرخى بظلال من الشك على مستقبل العلاقة مع المجلس العسكري الحاكم بقيادة الجنرال محمد كاكا ابن الراحل إدريس ديبي.

كما أن باريس تهاونت في الحفاظ على مكتسباتها في ليبيا بعد أن شاركت في طرد المتطرفين من مدينة سرت، وبات استمرار نفوذها في جنوب ليبيا ضعيفا، بما انعكس سلبا على وجودها القوي في تشاد، ومن ثم تعرضها لمخاطر كبيرة مستقبلا، ما يصب في صالح روسيا التي أخذت تزحف نحو المنطقة وتتسلل عبر أدوات مختلفة.

حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تفادي الوقوع في المنطقة الرمادية ووقف التكهنات التي راجت بخصوص تواطؤ قواته في عملية مقتل ديبي، فحضر جنازته في إنجامينا الجمعة، وشدد على الأهمية الإستراتيجية للعلاقة معها، وضرورة توفير الأمن والاستقرار في البلاد، مؤكدا دعمه للسلطة الجديدة وتجنب حدوث شروخ في الروابط التاريخية، فهذه الدولة هي رمانة ميزان للحفاظ على مصالح فرنسا في الساحل الأفريقي برمته، والذي يعج بمواجهات ضارية مع متطرفين.

وبدأت التوقعات تتزايد حيال إمكانية اندلاع أزمة بين موسكو وباريس بعد أن أشارت وسائل إعلام فرنسية إلى دور مؤثر لمقاتلي “فاغنر” بليبيا في مصرع ديبي من خلال تقديم وسائل دعم لوجستي لجبهة الوفاق والتغيير المسلحة.

ونشر موقع “موند أفريك” الجمعة الماضي تقريرا نكأ جراحا حول دور خارجي في الحادث، وجرى الربط بين الذراع العسكرية الروسية في ليبيا (فاغنر) ومتمردي تشاد، وخرج الكلام من نطاق الهمسات إلى التصريحات.

لفت التقرير إلى مضمون رسالة لفريق خبراء أمميين يعملون في ليبيا أذيع في مارس الماضي وتحدث عن نشاط ملحوظ لمتمردي تشاد في جنوب ليبيا في إطار حماية بعض المنشآت النفطية، لكن تقرير “موند أفريك” خلص إلى أن موسكو ضالعة بشكل غير مباشر في قتل ديبي شريك فرنسا القوي في وسط أفريقيا والساحل.

لم يتوقف الربط بين “فاغنر” ومتمردي تشاد عند هذا الحد، فخلال لقاء عقده الأربعاء الماضي رئيس مؤتمر التبو عيسى عبدالمجيد منصور مع السفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند، قال إن “بعض العناصر الليبية الداخلية وقوى خارجية مثل مجموعة فاغنر تدعم العمليات العسكرية ضد تشاد من الأراضي الليبية”.

جدد هذا النوع من المعلومات الهواجس من نجاح روسيا في توطيد أقدامها عبر الأراضي الليبية، وأن تسلل عناصر “فاغنر” والتمركز في الجنوب يحمل أهدافا بعيدة تتخطى حدود ليبيا تتعلق بخلط أوراق الدول الأوروبية صاحبة النفوذ القوي في القارة، وممارسة حرب أعصاب وضغوط مادية عليها قد تجبرها على التخلي عن حلفائها أو مواجهة حرب استنزاف طويلة في صحراء أفريقيا.

ويبدو أن روسيا تتبع سياسة الأداتين مع تشاد، ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن علاقة لعناصر “فاغنر” مع المتمردين، كانت العلاقات الرسمية قطعت شوطا جيدا خلال عهد الرئيس ديبي، ففي مارس 2018 زار وفد روسي إنجامينا، وضم عددا من رجال الأعمال أعلنوا عن استثمارات بقيمة 7.5 مليار يورو.

وفي القمة الروسية – الأفريقية الأولى التي عقدت في سوتشي في أكتوبر 2019 كشف الرئيس ديبي عن دعم حيوي تقدمه موسكو لتعزيز الاستقرار في القارة، حيث وضعت روسيا تشاد هدفا مبكرا لها، وربما قبل أن يتعزز دور مرتزقتها في ليبيا.

شعرت فرنسا والكثير من الدول الغربية بحجم المخاطر التي تمثلها المقاربات الروسية في ليبيا وغيرها مؤخرا، وباتت عملية الملاحقة التي تمارسها الدول الغربية لها لا تحتمل تأجيلا، لأن المكاسب التي تحققها موسكو سوف تتجاوز هذه الدولة.

يفتح تمركز “فاغنر” في الجنوب الليبي باب تشاد على مصراعيه أمام روسيا، ويمكنها من دعم المتمردين أو مساومة السلطة بهم، وفي الحالتين تعيد رسم الجغرافيا السياسية في المنطقة، وتسبق الدول الغربية بخطوات، وفي حين تفكر الأخيرة في انسحابات من مناطق الصراعات، تسارع روسيا الخطوات للانخراط فيها.

لذلك تتعالى الأصوات الدولية المطالبة بإخراج القوات الأجنبية من ليبيا بما لا يقتصر على تركيا، ولعل نمو الدور الروسي من خلال “فاغنر” وتطور العلاقة مع قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر كانا دافعا رئيسيا لتدخلات غربية مختلفة لتسهيل عملية التسوية السياسية التي تمخضت عن مجلس رئاسي وحكومة جديدين في ليبيا.

دق مصرع ديبي وهو على جبهة القتال ضد فصيل من المعارضة المسلحة ناقوس خطر لفرنسا التي اعتبرت وجود قواتها في تشاد في مأمن عن تداعيات الصراع في ليبيا، وأن نحو خمسة آلاف جندي فرنسي يكفون لحماية نظام إنجامينا، إلى أن استيقظت باريس على الفاجعة/ الكابوس، بما يجعلها تعيد النظر في حساباتها السابقة.

يمثل توثيق الروابط بين روسيا والمتمردين في تشاد كرة لهب يمكن أن تحرق أجزاء كبيرة من الثوب الفرنسي الذي أصبح فضفاضا في أفريقيا، كما أن انفتاح إنجامينا على موسكو في عهد ديبي الصغير بعد ظهور تخوفات من استمرار الرهان على باريس يعني أن روسيا أمامها فرصة جيدة لمزيد من التمدد في أفريقيا.

لم تعلن روسيا تدخلها رسميا في ليبيا أو تشاد، لكن الكثير من التقديرات الغربية تتحدث عن دور متعاظم لقوات “فاغنر”، وما تعكسه من رغبة حثيثة للوصول إلى مراكز ثقل في شمال أفريقيا ووسطها، بشكل يسهل مهمة حضور موسكو في شرق وغرب القارة التي تعج بأزمات عجزت قوى غربية عدة عن التعامل معها.

لن يقتصر الصراع المستتر على باريس وموسكو في تشاد، بل سوف يشمل دولا غربية متباينة، لأن روسيا لا تقارع فرنسا بمفردها حاليا، بل تريد القبض على مفاتيح موجعة لكثير من القوى الغربية الكبرى.

وفي خضم المواجهة التي تخوضها واشنطن ضد موسكو لن تتردد الأخيرة في حشد أوراق عديدة تمكنها في لحظة معينة من توظيفها لتخفيف الضغوط الواقعة عليها أو تحقيق مكاسب لها، بالتالي فالمنافسة على قلب تشاد هي نموذج مصغر لكثير من المطاردات الخفية التي تقوم بها موسكو لباريس وغيرها من الدول الغربية في أفريقيا.

المصدر: صحيفة العرب اللندنية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر