صراع حضارات أم أزمة حضارة؟

التاريخ والوقت : الأحد, 19 مايو 2019

بيبي إسكوبار

 

استضافت “بكين” هذا الأسبوع مؤتمرًا لحوار الحضارات الآسيوية، وذلك للحديث عن القوة الناعمة. وهو المؤتمر الذي تمَّ تنظيمه برعاية مباشرة من الرئيس الصيني “شي جين بينغ”، وقد تحدد ذلك في إطار “كرنفال الثقافة الآسيوية”. وبالتأكيد فقد كانت هناك إشارات عديدة مشكوك فيها، بل ومضللة، لكن ما يهمنا في هذا الإطار هو ما قاله “شي” نفسه للصينيين، بل ولكل آسيا.

وفي خطابه الرئيس، شدد الزعيم الصيني بشكل أساس على أن إحدى الحضارات التي تفرض نفسها على الأخرى إنما هي حضارة “حمقاء” و”كارثية”. ففي رؤيته لحوار الحضارات، أشار “شي” إلى أن مبادرة “طريق الحرير الجديد، أو مبادرة الحزام والطريق” (BRI)، تعدُّ مثل كافة البرامج التي تعمل على توسيع قنوات التبادل والتواصل.

وتمثل عقلانية “شي” رسالة صارخة، بل ومتناقضة مع حملة “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الغرب مقابل الشرق والجنوب

بمقارنة تعليقات “شي” مع ما حدث في المنتدى الأمني في واشنطن قبل نحو أسبوعين، نجد “كيرون سكينر”، مدير تخطيط السياسات بوزارة الخارجية، يصف التنافس الأميركي – الصيني بأنه “صراع بين الحضارات” و”قتال مع حضارة وأيديولوجية بشكل مختلف لم تكن لدى الولايات المتحدة من قبل”.

ولسوء الحظ، فإن هذه الحضارة “لم تكن قوقازية”، كما أنها ليست حضارة القرن الواحد والعشرين. هنا نتذكر اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية التي كانت تمثل الخطر الأصفر الحقيقي.

ويلاحظ أن الحكم برؤية عنصرية يمثل السبب في المزيج الضار الذي تمَّ تضمينه في رواية الولايات المتحدة المهيمنة منذ عقود. إذ يعود هذا المزيج إلى كتاب “صراع الحضارات وصياغة النظام العالمي” لصموئيل هنتنغتون، الذي نشر عام 1996.

إن نظرية “هنتنغتون” الزائفة، التي جاءت من قِبَل شخص لا يعرف الكثير عن التعقيدات التي تعرفها الأقطار في آسيا، ناهيك عن ثقافات إفريقيا وأميركا الجنوبية، قد تمَّ فضحها بلا رحمة عبر مساحات شاسعة من الجنوب العالمي. وفي الواقع، لم يأت “هنتنغتون” بالمفهوم الأصلي. فقد كان ذلك من بين أعمال المؤرخ الأنجلو أميركي “برنارد لويس”.

وكما أوضح “أليستر كروك”، مؤسس منتدى النزاعات، فإن “برنارد لويس” كان يبشر باستمرار بالفجوة والأحكام المرتبطة بالعنصرية في الدول الإسلامية. وقد كان من أشد مؤيدي تغيير النظام في إيران، وكانت وصفته للتعامل مع العرب هي “ضربهم بين الأعين بعصا كبيرة” لأنه من وجهة نظره العالمية، فإن الشيء الوحيد الذي يحترمونه هو القوة.

كما يذكرنا “كروك” أنه منذ ستينيات القرن الماضي، كان “لويس” رائدًا في فكرة التعرف على نقاط الضعف في “الاختلافات الدينية والطبقية والعرقية كوسيلة لإنهاء دول الشرق الأوسط”. ويعدُّ “لويس” بطلاً بالنسبة لطيف من المفكرين والسياسيين الأميركيين ومن بينهم نائب الرئيس الأميركي السابق “ديك تشيني”، ووزير الخارجية الأميركي “مايك بومبيو”.

وحاليًا فإننا نعيش في عصر “إعادة إحياء فكر لويس”؛ فبالنظر إلى أن العالم الإسلامي ضعيف إلى حد بعيد، وفي حالة من الاضطرابات، فإن صراع الحضارات ينطبق بشكلٍ أساسٍ، على نطاق صغير، على احتواء أو تدمير إيران الشيعية.

وفي الوقت نفسه، فإن الصدام الحقيقي – كما تصر عليه وزارة الخارجية – هو مع الصين.

فلم ينظر “هنتنغتون”، وهو أحد أتباع “لويس”، إلى روسيا باعتبارها من “الغرب”. وإلا فكيف يمكن تبريره لوجود “نيكسون في الاتجاه المعاكس”؟  وفي هذا السياق تأتي التوصية التي قدمها “هنري كيسنجر” للرئيس دونالد ترمب، والتي تنطوي على فكرة “تطبيق الفجوة والحكم بين روسيا والصين” لكنها في هذه المرة يمكن أن تكون جاذبة بالنسبة لروسيا.

وكما جاء البنتاغون بمفهوم “الهند والمحيط الهادئ”، فإن المبرر الوحيد للاندماج يكمن في أن هاتين المنطقتين ينبغي أن تتبعا سياسة خارجية تخضع للهيمنة الأميركية.

فالمنطق دائمًا يقوم على أن تقسيم وحكم وصراع الحضارات من شأنه أن يثير الفوضى في جميع أنحاء أوراسيا.

لكن تطبيق هذه الاستراتيجية يتم على خلفية منعطف تاريخي حاسم يتمثل في تكوين “مبادرة الحزام والطريق” كخريطة طريق للتكامل التدريجي الأوروبي- الآسيوي.

سياسات الأمر الواقع

ليس من الصعب اكتشاف أضعف الابتسامات على وجوه الاستراتيجيين الصينيين أثناء قيامهم باكتشاف “الصورة الكبيرة” من وجهة نظر الحضارة التي تمتد إلى 5000 عام.

ويزعم الغرب المسيحي تبنيه خريطة طريق فريدة لإنقاذ البشرية من الشر فيما يعرف بمرحلة “السلام الأميركي” Pax-Americana. وتبدو هذه الرواية حاليًا على قدر من الخطورة، حيث تتراكم في وضعها الاستثنائي الذي يقوم على شيطنة “الآخر” بأشكال لا تعد ولا تحصى. فالآخر – من جمهورية إيران إلى الصين، ناهيك عن روسيا – لديه مؤشرات عديدة على مظاهر “الشر”.

وعلى النقيض، فإن الصين تتسم بكونها متعددة الأقطاب، حيث تحتضن الكونفوشيوسية والبوذية والطاوية. وهو ما يعكس التوجه الحالي نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب. وبالتالي، فإن ما يهم هنا هو أن الوحدة تكمن في التعددية، كما أكد “شي” في خطابه الرئيسي. وفي ذلك، نجد أن الصين حضارة عريقة، وتؤثر بدرجة كبير في طريق الحرير القديم.

ثم إن هناك الحالة التي تعكس المشهد المروع للجنون السياسي. إذ لم يكن “جاريد دياموند”، العالم الجغرافي وصاحب المؤلف الأكثر مبيعًا في جامعة كاليفورنيا، دقيقًا جدًا، لكن من المقدر أن هناك احتمالًا بنسبة 49٪ “بأن العالم سينهار بحلول عام 2050 تقريبًا”.

وكما أورد “نافذ أحمد” فإنه على مدار 500 عام، أقامت الإنسانية حضارة، لا نهاية لها تقوم على مزيج معين من وجهات النظر العالمية من حيث الأيديولوجية والقيم الأخلاقية والهياكل السياسية والاقتصادية والسلوكيات الشخصية. ذلك أن هذا النموذج يرفع من رؤية البشر كوحدات مادية منفصلة، وذرية تسعى إلى تعظيم استهلاك المواد الخاصة بها كآلية رئيسية للإشباع الذاتي. وعلى ذلك، فإن ما نعيشه حاليًا ليس صراعًا بين الحضارات، بل إنها أزمة الحضارة.

كما أنه إذا لم يتغير النموذج الذي بالكاد نجت معظم البشرية منه، فلن يتبقى أي حضارات تتصادم.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: آسيا تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر