سياسة المساعدات في أفغانستان

التاريخ والوقت : السبت, 6 يوليو 2019

إيجاز أحمد

 

على مدى السنوات الثماني عشرة الماضي، ومنذ الإطاحة بنظام حكم طالبان في أفغانستان، أنفقت مليارات الدولارات من المساعدات على إعادة بناء الاقتصاد المدمر، لكن لا يزال الاقتصاد الأفغاني يعتمد بشكلٍ كليٍ على المساعدات. ومع ذلك، فمن الخطأ أن ندعي أن كل أموال المساعدات ذهبت هباءً؛ فقد تحسنت قدرة مؤسسات الدولة بشكلٍ كبيرٍ منذ عام 2002, وارتفعت إيرادات الضرائب بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي من 4٪ في عام 2004 إلى 10٪ في عام 2015. وقد تمَّ تحقيق الكثير منذ عام 2001، مثل إنشاء مؤسسات ووزارات ديمقراطية. كما توسع التعليم الابتدائي، وعُبِّدَت الطرقُ، وتحسنت البنية الأساسية للنقل بشكل كبير.

لم تتدفق المساعدات إلى أفغانستان فقط من الولايات المتحدة، وإنما من جميع أنحاء العالم طوال العقد الماضي تقريبًا. لكن ما يحدث في الواقع إنما هو أمرٌ مختلفٌ تمامًا. ونظرًا لأن المساعدات تشكل جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الأفغاني، فإن كيفية استخدامها تؤثر بالضرورة على مستويات السكان، فضلاً عن أوضاع التنمية الشاملة للبلاد. وتتدفق المساعدات في أفغانستان من ثلاث مصادر رئيسة، وبشكلٍ مباشرٍ إلى الحكومة من خلال الصندوق الائتماني لإعادة إعمار أفغانستان، والثاني من خلال المصادر المرتبطة بشكل غير مباشر بالحكومة مثل المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية؛ وأخيرًا من خلال القنوات التي تعمل خارج الشبكة الحكومية مثل قوات التحالف وغيرها من المنظمات غير الحكومية الدولية التي تجلب أموالها الخاصة.

تشريح المساعدات

تأتي المساعدات في شكلين أساسيين لأفغانستان: المساعدات العسكرية وغير العسكرية. ويأتي الجزء الأكبر من المساعدات الأميركية في أفغانستان من خلال المساعدات العسكرية المخصصة لإصلاح الأجهزة الأمنية التي أنشأتها قوات الناتو في عام 2001. ويتم توجيه المساعدات غير العسكرية إلى المنظمات غير الحكومية التي تستخدمها في الأعمال التنموية، مثل: أعمال البنية التحتية والتعليم وتمكين الشباب. لكن ما يحدث للمعونات التي يتم صرفها في الأعمال التنموية، يظل السؤال الحقيقي الذي يبدو أنه لا أحد يسأله. فالأعمال التنموية تُسنَد في الغالب للمقاولين من أصل أجنبي، وبخاصة الذين ينتمون إلى البلد المقدم لتلك المعونات، حيث يتم استهلاك 40٪ من أموال المساعدات من خلال رواتب الاستشاريين وأرباح الشركات. وتبلغ رواتب العاملين الأجانب في أفغانستان حوالي 250 ألف دولار في العام، أي حوالي 200 ضعف متوسط ​​الراتب السنوي للموظفين المحليين الأفغان الذين يتقاضى الواحد منهم نحو ألف دولار في المتوسط سنويًا.

وقد أشار مكتب محاسبة الحكومة الذي يعمل على تقديم تقارير عن أداء المقاولين في أفغانستان إلى حالات إفلاس كثيرة. فعلى سبيل المثال، قام أحد المقاولين الأفغان ببناء حمام بتكلفة مليون وثلاثين ألف دولار، في حين تكشف إحصاءات “اليونيسف” إن 70٪ من الأفغان لم يروا حتى المرحاض، ولا يعرفون ما الذي ينطوي عليه بناء المرحاض. كما أن الصورة ليست مشرقة فيما يتصل بالمساعدات العسكرية. ووفقًا لتقرير مكتب المفتش العام، قدمت الولايات المتحدة 1.1 مليار دولار للجيش الأفغاني دون تحديد الحاجة الفعلية لهذا المبلغ. وعندما تمَّ التحقيق في الأمر، تبين أن الجيش الأفغاني كان يحسب المقطورات ووسائل النقل غير الآلية في المركبات التي تحتاج إلى الوقود. علاوة على ذلك، فقد دُمرت جميع سجلات تشتت الوقود.

حقائق ممزقة

هناك عددٌ من مؤتمرات المانحين التي تنعَقد على مدار العام، حيث تُقَدّم الدول تعهدات بدعمِ التنميةِ في أفغانستان. ويُعَدُّ مؤتمر جنيف حول أفغانستان أحد أكبر وأبرز التجمعات السنوية للمانحين الدوليين؛ حيث يتبرع المشاركون بمليارات الدولارات لحكومة الوحدة الوطنية بأفغانستان. ومع ذلك، فعند الخوض في تفاصيل المساعدات، نجد بيانات وزارة المالية في أفغانستان ترسم صورةً مختلفةً عما يتضح في الخطاب الدولي. وفي الواقع، يتم صرف أقل من 50٪ من أموال المساعدات التي تمَّ التعهد بها للحكومة الأفغانية.

وكما يتضح من البيانات، فإن هناك مبالغ ضخمة تتضمنها الوعود، وأكبر من ذلك ما يمكن أن نجده في العناوين الرئيسية التي تصنع صورة معينة عن “المساعدة” الغربية، لكن ما يتضح على أرض الواقع يبدو مختلفًا. ورغم أن المساعدات الخارجية كان لها تأثير لا يمكن إنكاره على التنمية في أفغانستان، فإن السؤال المطروح يتصل بما إن كانت المساعدات التي تدفقت قد وفَّرت قيمة أكبر للمبلغ؟ فالقضية الأساسية التي لا تزال قائمة في اقتصاد المساعدات في أفغانستان تكمن في كونها مدفوعة في الغالب بالإمدادات. وبوجه عام، لا يمكن تجاهل التطلعات والاحتياجات المحلية في الاعتبار، حيث يتم فرض الكثير مما يسمى بـ”التنمية” بطريقة من أعلى إلى أسفل. ذلك أن عدم التطابق الكلاسيكي في المساعدات والحاجة إليها في أفغانستان إنما ينطوي على حقيقة أنه رغم أن 80٪ من السكان يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على الزراعة، فإنه تمَّ تخصيص ما بين 400 و500 مليون دولار فقط لهذا الغرض. ويعدُّ هذا جزءًا ضئيلاً بالنسبة إلى عشرات المليارات من الدولارات التي تصب في اقتصاديات المساعدات في أفغانستان.

كما يوجد قدرٌ لا بأس به من السرية في “كيف”، و”أين” يمكن تخصيص المساعدات؛ لأن السبب وراء كل مشروعٍ يتم تحديده غالبًا خلف أبواب مغلقة. حيث ينصب معظم التركيز على كابول؛ لأنها تعدُّ المكان الذي يتوجه إليه الاهتمام الدولي في الغالب، حيث يتم تحويل 70٪ من ميزانية التشغيل والصيانة الوطنية إلى كابول نفسها. وهو ما يؤدي إلى وجود فجوة اجتماعية اقتصادية متزايدة في النظام الاجتماعي. علاوة على ذلك، فإن المساعدات تجعل اقتصاد وشعب أفغانستان على ذات حدود معينة سواء بالرضا والمعونة. فقد خلقت المعونة اقتصادًا اصطناعيًا لا يمثل سوى انتفاخ في الاقتصاد الفعلي للبلد.

مستقبل المعونة بدون أميركا

لأسباب واضحة، يتوجه النصيب الأكبر من المساعدات الأميركية إلى الخدمات الأمنية. ذلك أنه بدون الأمن لا يمكن أن يكون هناك أي احتمال لتطوير ذات مغزى. وقد ذهب أكثر من نصف (57٪) إجمالي المساعدات الأميركية إلى الصندوق الخاص بقوات الأمن الأفغانية. وفي الوقت الراهن ينفق الجيش الأميركي حوالي 36 مليار دولار سنويًا في أفغانستان، أي ما يقارب 100 مليون دولار في اليوم. كما أن المبلغ الهائل من المساعدات الواردة من الولايات المتحدة يبدو أمرًا محيرًا للعقل. ومع ذلك، فهناك تقارير تفيد بأن إدارة ترمب تفكر في الانسحاب الكامل من أفغانستان.

يمكن الإشارة إلى الدوافع وراء تعهد المانحين بأي مبلغ يعتقدون أنه يناسب لأفغانستان، وهو ما يرتبط بتورط الولايات المتحدة على أرض الواقع. كما يؤدي غياب القوات الأميركية في أفغانستان إلى خلق فراغٍ آخر سيكون له تداعيات على جميع نماذج السياسات المحلية والدولية. ويتبقى السؤال الرئيسي ألا وهو: من سيتحمل مسؤولية رعاية الاقتصاد الأفغاني عن طريق دفع رواتب كبيرة كل ثلاثة أشهر؟

لقد كان الأفغان مرتبطين بالمساعدة المالية على الدوام خلال القرن الماضي، فقد دفع البريطانيون كثيرًا للحفاظ على علاقات جيدة في المنطقة، من أجل تسهيل وتأمين طرق التجارة والحفاظ على قدر معين من الهيمنة على تلك المنطقة. ثم اقتحم السوفييت البلاد بعد ذلك، وقاموا بدعم الفوضى المطولة فيها، وبالطبع لعبت المساعدات دورًا في ذلك. ثم جاء الغزو الأميركي في عام 2001. ومع ذلك، فقد كانت المساعدات سمة أساسية للاقتصاد على الرغم من كونها مصطنعة بطبيعتها.

للمساعدة أم لعدم المساعدة؟

بلا شك، فمن المتوقع على المدى القصير، أن يضر غياب المساعدات بالاقتصاد الأفغاني حيث تتضرر حياة المواطنين العاديين أكثر. أمَّا على المدى الطويل، فيمكن أن يكون لذلك تأثير إيجابي في جعل الاقتصاد الأفغاني مرنًا ومستدامًا عن طريق دفع الأفغان للتخطيط لقراراتهم الاقتصادية بشكلٍ أفضلٍ بدلاً من جعلهم راضين عن المساعدات، التي عززت فقط الفساد وزادت من المشاكل التي يجب حلها في المقام الأول. كما أنه رغم عدم وجود سابقة تاريخية تدعم فكرة تشديد الخناق ببطء على المساعدات، فإن متابعة الفكرة تستحق محاولة لجعل أفغانستان مستدامة ذاتيًا.

ومن ناحية أخرى، يمكن للأفغان أن يبدؤوا بالتركيز على مكامن قوتهم؛ فالزراعة تخدم 80٪ من السكان، ومع ذلك، لا يتم إنفاق جزء كبير من الميزانية في هذا القطاع لتطويرها. ثانيًا، ينبغي تطوير التعليم مع مراعاة احتياجات الشعب الأفغاني وليس الاحتياجات التي يفرضها المانحون والتي لا تكون موجهة فقط للغرب ولكنها قديمة أيضًا. بل الأهم، أنه من الواجب على الأفغان في نهاية المطاف تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية والبدء في الإنجاز الخاص بهم، فيجب أن يخرجوا من عقلية اقتصاد الحرب التي تسهل أموال المساعدات بشكل دائم. كما ينبغي أن تجد أفغانستان طريقة لاستخدام أموال المساعدات على نحوٍ حكيمٍ لتحقيقِ مجتمعٍ لا يتمتع بالاكتفاء الذاتي فحسب، بل لديه أيضًا اقتصاد مرن.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: Observer Research Foundation

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر