سياسة إندونيسيا البحرية.. جزر “رياو” وتداعياتها

التاريخ والوقت : الإثنين, 2 سبتمبر 2019

ديدي دينارتو

 

أدت إعادة انتخاب “جوكو ويدودو” لولاية رئاسية أخرى في إندونيسيا إلى وضعه في مكانة رئيس أحدث تغييرات مهمة في بلاده، وبخاصة في عملية تطوير البنية التحتية على مستوى البلاد.

لقد تمكن الرئيس الإندونيسي والمعروف باسم “جوكوي” Jokowiمن جذب اهتمام عالمي من خلال رؤيته المعروفة بـ”الارتكاز البحري العالمي”(Global Maritime Fulcrum” (GMF، وبرنامج التنمية الذي تبناه والمكون من تسع نقاط والمعروف باسم “ناواسيتا” Nawacita. بينما تؤكد عقيدة الارتكاز البحري العالمي على أهمية تطوير الإمكانات البحرية لإندونيسيا، فإن النقطة الثالثة من “ناواسيتا” تركز على إعادة تحديد موقع إندونيسيا من الهامش إلى مركز السياسة والدبلوماسية الإقليمية.

تعزيز أهمية جزيرة “رياو” الاستراتيجية

تعدُّ هذه المبادئ المتشابكة للتنمية على قدر من الأهمية بالنسبة لمقاطعة جزر “رياو”، وهي مقاطعة أرخبيلية تقع على الحدود المجاورة بين إندونيسيا وسنغافورة. وبالعودة للوراء، فإن الدافع الرئيسي لـ”جوكوي” يكمن في الحاجة إلى استعادة الإمكانات البحرية للمقاطعة.

ويمكن التحقق من بداية سياسة “جوكوي” البحرية من خلال النظر في موقع “باتام” Batam، وهي مدينة محلية في مقاطعة جزيرة “رياو” Riau Islands، كمركز لصناعة بناء السفن. ونظرًا للظروف التي تتسم بها منطقة “باتام” من حيث موقعها الجغرافي بالقرب من طرق الملاحة الدولية، فقد أطلق “جوكوي” سياسات لتعزيز نمو صناعة بناء السفن الإندونيسية في عام 2015، وذلك من خلال سلسلةٍ من الحوافز المالية وغير المالية.

وتشمل الحوافز المالية تخفيضًا في ضريبة القيمة المضافة لبناة السفن، والإنفاق السريع لرسوم الاستيراد التي تدفعها الحكومة، بالإضافة إلى إطار إرشادي متميز على السفن الجديدة والمستعملة. أمَّا الحوافز غير المالية، فتتكون من المساعدة في تأجير الأراضي بالمناطق التي تملكها الشركات المملوكة للدولة.

وقد شرعت إدارة “جوكوي” في سلسلة من الخطوات لتنسيق دور السلطة على منطقة التجارة الحرة في إندونيسيا (BIFZA) وحكومة بلدية “باتام” (Pemko Batam).

وقد كشفت اثنتان من شركات بناء السفن في “باتام” أن كلاً من الحوافز المالية وغير المالية، قد ساعدت في تسهيل عجلة التنمية وعززت الثقة في صناعة بناء السفن بإندونيسيا. علاوة على ذلك، فقد ركزت الحكومة الإندونيسية على التوسع في أحواض بناء السفن المحلية للمساعدة في تعزيز نموها وأدائها.

مكافحة التهديدات البحرية

يدور جانب آخر لسياسة “جوكوي” البحرية حول إعادة وضع مقاطعة جزر “رياو” كموقع عسكري استراتيجي. وتهدف هذه السياسة إلى ردع التهديدات المحتملة الناشئة عن أنشطة الاستصلاح في الصين ببحر الصين الجنوبي. وهو ما يشمل العديد من التجاوزات التي قامت بها سفن الصيد الصينية في مياه “ناتونا”، فضلاً عن تهديد آخر يتمثل في الحاجة إلى حماية الموارد الطبيعية لإندونيسيا في الممر المائي الاستراتيجي.

وعلى الرغم من كون إندونيسيا دولة غير متورطة في نزاع بحر الصين الجنوبي، فقد أكدت الحكومة الإندونيسية على أهمية الوجود العسكري في محيط جزر “ناتونا” وذلك لأغراض دفاعية. فقد تمَّ تعزيز القاعدة العسكرية في جزيرة “ناتونا” من خلال توسيع قاعدة “راناي” الجوية، وإنشاء وحدة خاصة للقوات المسلحة الوطنية المتكاملة (Satuan TNI Terintegrasi)، بإضافة سفن حربية وطائرات بدون طيار ومحطة رادار جديدة وأفراد عسكريين، فضلاً عن توفير التدريب العسكري للمدنيين في المنطقة.

وقد أصبحت مقاطعة جزر “رياو” نقطة انطلاق لإدارة “جوكوي” من حيث القضاء على التهديدات البحرية غير التقليدية. ونظرًا للمنطقة البحرية الشاسعة، فإن مقاطعة جزر “رياو” تبدو عرضة لأنشطة صيد الأسماك غير القانونية وغير المعلنة عنها وغير المنظمة أيضًا.

ففي عام 2015، أعرب مسؤول بحري عن قلقه من أن مياه “ناتونا” تعدُّ النقطة الأكثر عرضة لأنشطة الصيد غير القانوني دون إبلاغ ودون تنظيم. وقد زادت الوكالة المسؤولة عن مراقبة مصايد الأسماك (PSDKP) من إشرافها من خلال التعاون مع كل من وكالة الأمن البحري الإندونيسية (Bakamla)، وشرطة المياه الإندونيسية (Polair)، والبحرية الإندونيسية (TNI-AL).

وقد استفادت هذه السياسة من عمل الصيادين المحليين بمقاطعة جزر “رياو” الذين حصلوا على حماية أفضل من السفن الأجنبية. فالموارد البحرية باتت محمية بشكل أفضل. بالإضافة إلى ذلك، شهد حكم “جوكوي” في فترته الأولى تشديدًا في تطبيق القانون بالبحر من خلال مكافحة القرصنة البحرية، بالإضافة إلى تهريب المخدرات. ونتيجة لذلك، فقد كان هناك العديد من الملاحقات القضائية والمضبوطات في غضون خمس سنوات.

اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع سنغافورة

لتقليل خطر النزاع بين مقاطعة جزر “رياو” وسنغافورة، أكدت إدارة “جوكوي” على الحاجة إلى اتفاق تسوية الحدود البحرية. إذ يوجد حاليًا اتفاقان هما اتفاقيتا الحدود البحرية الإقليمية لعامي 1973 و2009. بالإضافة إلى ذلك، فقد صادق مجلس النواب (DPR) على معاهدة أخرى للحدود البحرية، تمَّ الاتفاق عليها عام 2014، وتغطي الجانب الشرقي من مضيق سنغافورة.

ويمكّن التصديق كلا الجانبين من ممارسة سيادتهما مع تعزيز بناء الثقة. وقد أودعت الدولتان الوثيقة المصدق عليها لدى الأمم المتحدة خلال الاحتفال بمرور 50 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بينهما؛ وهو ما يمثل تطورًا ملحوظًا في التزام “جوكوي” في فترة الولاية الأولى له بحماية السيادة الإندونيسية للمقاطعات الواقعة على أطرافها مع الحفاظ على العلاقات الطيبة مع جيرانها.

التحديات المقبلة

إن الجهود المبذولة لاستعادة الثروات البحرية لـجزر “رياو” والحفاظ على سيادة إندونيسيا على حدودها الإقليمية، قد أسفرت عن نتائج مُرضيةٍ خلال فترة ولاية “جوكوي” الأولى. ومع ذلك، فإنها لا تزال في حاجة إلى المزيد من التعزيز.

والولاية الثانية لـ”جوكوي” تحتاج إلى معالجة أوجه القصور في القطاع البحري، ومن بينها مشكلة تسرب النفط لفترة طويلة في جزر “رياو”. وهي المشكلة التي لا تنطوي على تأثيرٍ مدمرٍ على النظام البيئي البحري فحسب، بل من شأنها أن تؤثر أيضًا على أهم قطاع اقتصادي في جزر “رياو”، وهو السياحة البحرية.

ومن خلال القيام بذلك، يمكن لإدارة “جوكوي” المساعدة في دفع الإمكانات البحرية للمقاطعة في فترة ولايته الجديدة على مدى السنوات الخمس المقبلة.

 

المصدر: أوراسيا ريفيو

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر