سلطنة عمان.. عصر جديد مليء بالفرص والمخاطر

التاريخ والوقت : الأحد, 12 يناير 2020

د.ينيس ساموت

 

تبدأ عمان مرحلة جديدة من تاريخها بتولي السلطان هيثم بن طارق، حكم البلاد، وذلك عقب وفاة السلطان قابوس الذي حكم عمان لنحو 50 عامًا، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الشخص المنوط به حكم سلطنة عمان يمتلك نفوذًا مطلقًا، فإن تولي حاكم جديد مقاليد البلاد يعني الدخول إلى منعطف تاريخي وبداية عصر جديد.

ويُحسب للسلطان الراحل كونه نجح وبجدارة في نقل البلاد نقلة نوعية، فعُمان التي كانت تتسم بما يشبه حضارة العصور الوسطى، أصبحت خلال عهده دولة حديثة ناجحة؛ حيث تكاملت سياساته المرنة مع أجندته الخارجية القائمة على الاستقلالية للوصول إلى هذا السيناريو الناجح. وبالنسبة إلى سياساته الخارجية فقد حرص على الحفاظ على علاقة متوازنة بين إيران وأعدائها، وكذلك بين إسرائيل والبلدان العربية، فضلًا عن احتفاظه بعلاقات جيدة مع دول مجلس الخليج العربي الذي تعد عمان عضوًا فيه، حتى ولو بدت في بعض الأحيان كعنصر غريب فيه.

ولسنوات عديدة، كانت مسألة توريث الحكم في عمان مصدرًا للجدل والتخوفات العميقة؛ فالسلطان الراحل لم يكن له وريث شرعي، كما رفض خلال حياته الإشارة إلى أي من الأسماء المطروحة لتولي الحكم من بعده، وبدلًا من ذلك قرر ترك خطاب مغلق يحتوي على وصيته، في الوقت الذي شهد تخوفات عميقة من أن لا تتم عملية تمرير السلطة بسلاسة، وأن ينتج عن ذلك كثير من الخلافات في العائلة الحاكمة. وعلى الرغم من ذلك تمت العملية بنعومة لم يكن أحد يتخيلها، وفي خلال ساعات من وفاة السلطان الراحل، وهو الأمر الذي يعد شكلًا من أشكال النجاح الذي سيُضاف بطبيعة الحال إلى رصيد قابوس، الذي حرص على استقرار البلاد لمدة 5 عقود؛ لكن ذلك لا يمنع أن هنالك كثيرًا من التحديات التي تنتظر السلطان الجديد.

إنه هيثم بن طارق الذي يتمتع الآن بلقب سلطان البلاد، هو ابن عم قابوس بشكلٍ مباشر، ومن الجدير بالذكر أن والد السلطان الراحل كان قد تمت الإطاحة به في انقلاب عسكري دبَّرته الحكومة البريطانية في سبعينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من غياب وريث رسمي للعرش خلال مدة حكم قابوس؛ فإن هذا الفرع بالذات من العائلة الحاكمة كان هو المرشح لتولِّي أحد أفراده مقاليد الحكم عقب وفاة السلطان، بينما كان هيثم بن طارق أحد الأفراد الذين أدوا أدوارًا مهمة في إدارة البلاد لعقود، وهو لذلك لم يكن بعيدًا عن ممارسة السلطة داخل وخارج البلاد. ومن المتوقع بناءً على ذلك أن تكون أجندته الجديدة استكمالًا لمشواره السابق، إلا أن هناك على الجانب الآخر كثيرًا من القرارات والقضايا التي ينبغي عليه البت فيها؛ ليثبت للجميع أن الحاكم الجديد رجل تام الاستقلالية ولديه أجندته التي تخصه وحده.

الموازنة بين ثلاث جهات مختلفة

على السلطان الجديد أن يوازن بدقة بين 3 جهات شديدة الأهمية؛ تأتي على رأسها العائلة الحاكمة التي ينبغي عليه إدارة أمورها ببراعة بالغة، فليس من المستغرب أن يكون لدى بقية أفراد العائلة المضطرين إلى قبول سيادة السلطان هيثم بن طارق عليهم بعض التوقعات، فالسلطان الراحل أمضى فترة حكمه جامعًا بين يدَيه مقاليد السلطة كافة، وبينما كان يجلس في سدة الحكم كان إلى جانب ذلك القائد الأعلى للقوات المسلحة، وجمع بين سلطات رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الدفاع. ولعل التساؤل حول ما إذا كان السلطان الجديد سيلجأ إلى تقسيم السلطات أم سيحتفظ بها جميعًا على نهج سابقه الراحل هو سؤال مبكر؛ لكنه ضروري الآن، ومن الممكن أن يقرر ابن طارق الاحتفاظ بنظام أكثر شمولية لحين ضمان استقرار سلطته في عمان، وربما تكون تلك الخطوة ضرورية للم شمل البلاد تحت راية واحدة.

ثم تأتي المؤسستان العسكرية والأمنية؛ حيث اعتبر قابوس لكونه عسكريًّا سابقًا أن الجيش لابد أن يكون تحت سلطته المباشرة، بينما خصص نسبة تبلغ نحو 10% من إجمالي الدخل القومي للإنفاق العسكري، وهي النسبة التي تزيد عن المتوسط العالمي بنحو 2.2%، كما لا يغيب عن البال حجم الإنفاق الذي قرره لأغراض الدفاع عام 2016، والذي بلغ نحو 16%؛ أي أكبر حصة خصصت للدفاع حول العالم خلال العام نفسه.

والآن هناك توقعات وجيهة بلجوء السلطان الجديد إلى الحد من ميزانية القوات المسلحة، وهو الأمر الذي إذا تم بطريقة فجائية وسريعة سيجلب عليه قدرًا كبيرًا من الاستياء داخل صفوف جيشه، وهو ما لا يمكن أن يتحمله الحاكم الجديد، وابن طارق لم يتمتع بكونه عسكريًّا سابقًا كما كان الراحل، وبديلًا عن ذلك درس فنون الدبلوماسية وعلوم السياسة الخارجية بجامعة أكسفورد، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن الجيش في عمان هو قطب رئيسي لضمان الاستقرار، وبغض النظر عما يمكن أن يقرره ابن طارق حيال الحكومة، إلا أنه يجد نفسه مضطرًّا لبناء علاقة وطيدة مع جيشه وفي أقرب فرصة.

أما الجهة الثالثة فهي ليست شيئًا آخر سوى المواطنين العمانيين أنفسهم وبالأخص فئة الشباب، فالعمانيون الذين يشعرون بالامتنان الشديد للسطان الراحل؛ لنجاحه في نقل بلادهم إلى مصاف الدول الحديثة بعد أن تسلمها من أبيه مجرد دولة تنتمي إلى العصور الوسطى، وبالتالي فإنهم يحملون توقعات كبيرة حول الحصول على المزيد من الرفاهية؛ أي أنهم يرغبون في حكومة بارعة وسياسات اقتصادية طموحة.

ومن الممكن توقع الأجندة التي سيعمل من خلالها السلطان الجديد، فابن طارق الذي عمل كوزير للثقافة في السابق كان لديه بعض المهام الطموحة؛ منها إدارة لجنة احتلت الموقع الأكثر أهمية في رؤية عمان طويلة الأمد المخطط الوصول إليها بحلول عام 2040، وهي رؤية طموحة للمستقبل العماني في المجالات كافة، تم تبنيها بشكل رسمي خلال الأشهر القليلة الماضية. وإذا كان الأمر يسير على هذا النحو، فإن الاقتصاد العماني سيحتل مشهد الصدارة في تلك الخطة، وبالتالي سيحصل على اهتمام أعمق من ذاك الذي أظهره سلفه الراحل، وهو ما يستتبع كثيرًا من النتائج والتغييرات حتى على مستوى السياسة الخارجية.

دور عمان الفعال في مجال السياسة الخارجية

وقد حرص السلطان قابوس، خلال مدة حكمه، على أن يجعل لعمان دورًا فعالًا في مجال السياسة الخارجية عن طريق تجنب التحيز لأي من الأطراف الإقليمية المتحاربة، وبدلًا من ذلك نجح في خلق مجال دبلوماسي تتولاه بلاده، بإمكانه التدخل وقت الحاجة لحل الأزمات. وفي قلب تلك السياسة التي اتبعها قابوس، كان حرصه على دوام العلاقات مع الجانب الإيراني على الرغم من كل التوترات التي شهدتها المنطقة عقب قيام الثورة الإسلامية في إيران.

وعلى الرغم من الغضب الذي كان يشعر به من بعض الدول حيال تلك العلاقات؛ فإن مجالًا دبلوماسيًّا مع طهران كالذي خلقه قابوس كان على أهبة الاستعداد وبشكل دائم لمساعدة البلدَين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار العلاقة العمانية/ الإسرائيلية خلال فترة حكم قابوس، فإننا سنعرف أن عمان احتفظت بعلاقات طيبة مع الإسرائيليين أكثر من البلدان العربية الأخرى كافة، ولا يمكن أن ننسى في هذا الصدد استقبال قابوس نظيره رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بشكل رسمي في مسقط عام 2018، وهو الأمر الذي ربما أثار حفيظة الدول العربية الأخرى، إلا أن عمان نجحت في الاحتفاظ بموقعها كوسيط دبلوماسي وقت الأزمات.

إن الأدوار القيادية التي سبق أن تولاها السلطان الجديد في وزارة خارجية عمان تنبئ بأمور عدة؛ منها كون ابن طارق يمتلك الألفة الكافية للتعامل مع أمور من هذا القبيل، وهو ما يعني استمرار السياسات نفسها وتطويرها. وهناك طبيعة خاصة تميز العلاقات العمانية/ البريطانية؛ حيث نجحت السياسات الخارجية البريطانية في الحفاظ على دورٍ محوري في منطقة الخليج من خلال علاقتها الوطيدة بعمان، وقد كانت الصلات القوية التي جمعت بين السلطان قابوس والعائلة الملكية البريطانية سببًا مهمًّا لهذا النجاح.

وبالنسبة إلى الوضع الحالي مع السلطان الجديد، فمن المتوقع أن يستمر الأمر على ما هو عليه مع الأخذ في الاعتبار بعض التغييرات؛ منها أن ابن طارق سوف يميل في الأغلب إلى ممارسة أجندة أكثر نفعية في علاقاته الخارجية، وبالنظر إلى حاجة عمان لتحقيق المزيد من التطور الاقتصادي، فإن علاقتها ببلدان ومناطق مختلفة من العالم لابد أن تتوطد؛ منها العلاقات مع البلدان الآسيوية على سبيل المثال.

المخاطر المستقبلية

وغالبًا ما يُنظر إلى عُمان كملاذ آمن في حي مضطرب؛ حيث تجنبت عمان هذا النوع من المشكلات الطائفية التي أضرَّت بالبلدان الأخرى في المنطقة. وفي حين أن معظم العمانيين مسلمون، إلا أنهم يتبعون مسارات مختلفة من الإسلام؛ الشيعية والسُّنية والإباضية.. إلخ. ولم تكن هذه مشكلة على الإطلاق في ظل السلطان قابوس، ومن المحتمل أن يتبع السلطان الجديد هذه السياسة المتسامحة.

وكان العمانيون أقل بروزًا في السعي وراء القضايا الجهادية من مواطني دول أخرى في المنطقة، غير أن ذلك لا يؤمن في المستقبل؛ حيث لا تزال مخاطر التطرف قائمة، خصوصًا على الشباب. وكانت عمان حريصة على تجنب استيراد هذه المشكلا من جيرانها؛ لكن الخطر قد يحدث ويحتاج ذلك إلى اليقظة. وعمان هي واحدة فقط من اثنتَين من السلطنات المتبقية في العالم (الأخرى هي بروناي). ولعل كثيرًا من العمانيين، حتى داخل العائلة الحاكمة، يفهمون أن هذه مفارقة تاريخية. وقد يقرر السلطان الجديد استكشاف الطرق التي يمكن أن تصبح بها البلاد ملكية دستورية. ولكن هذا من المرجح أن يكون احتمالًا بعيدًا.

وأخيرًا يأتي الاقتصاد من جديد؛ حيث تظل الموارد الطبيعية في عمان ليست كبيرة بما يكفي لعزلها عن المشكلات الاقتصادية المشتركة في المنطقة. وقد حددت رؤية 2040 خمسة قطاعات ترغب السلطنة في التركيز عليها كبديل، أو على الأقل العمل عليها في تكامل مع قطاع النفط والغاز. وهي قطاعات الزراعة ومصائد الأسماك، والتصنيع، والخدمات اللوجستية والنقل، والطاقة والتعدين، والسياحة. وإذا كانت الرؤية والطموح موجودَين، فإن على القيادة الجديدة الآن تحويلهما إلى حقيقة واقعة.

إن سياسة التعمين هي مفتاح نجاح رؤية 2040؛ وهي عملية بناء قدرة المواهب المحلية من أجل استبدال الخبرة والعمالة الأجنبية، التي عادة ما تكون مكلفة. وقد تم تطبيق هذه السياسة لبعض الوقت لكن بمستويات مختلفة من النجاح. وقد طورت سلطنة عُمان تحت مظلة حكم قابوس نظامًا تعليميًّا جيدًا؛ لكن البلد ما زال لا ينتج ما يكفي من الأشخاص الذين يتمتعون بالتعليم والمهارات في المجالات التي تهمه. ويجادل البعض بأنه في الجيش يتم إنفاق كثير من المال على القوى العاملة الأجنبية. وهي من القضايا التي سيتعين على السلطان الجديد أن يفكر فيها للمستقبل.

سلطان جديد وعهد جديد

بالنسبة إلى خمسة ملايين مواطن في عُمان، يشي ظهور السلطان الجديد ببداية حقبة جديدة. ويعد السلطان هيثم بن طارق رمزًا لاستمرارية الدولة، كما يبشر الانتقال السلس للسلطة بالخير لحكومة مستقرة وإدارة منظَمة في البلاد. وبصفته راعي رؤية عُمان 2040، يأتي السلطان الجديد ببيانه التأسيسي الخاص حول كيفية رؤيته لمستقبل البلاد رغم الأوضاع الصعبة في المنطقة. وكما أظهرت أحداث الأيام الماضية في الخليج حجم التوتر الذي بدأت به الأيام الأولى من عام 2020، لا تزال المنطقة شديدة التقلب. وسوف يحتاج السلطان الجديد إلى كل براعة رئيسه السابق، وجميع المهارات التي تعلّمها في أكسفورد في مسيرته الدبلوماسية؛ لضمان قدرة عمان على قيادة سفينتها في المياه المضطربة للمنطقة بأمان وثقة.

 

المصدر: Oman-new-era-1

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر