روسيا والأزمة الإيرانية

التاريخ والوقت : الأحد, 26 مايو 2019

مارك إن كاتز

 

مع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، تبنت موسكو مقاربة أكثر دقة؛ فقد انتقد بوتين، إلى جانب العديد من حلفاء واشنطن الغربيين، انسحاب إدارة ترمب من اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) الذي تمَّ التوصل إليه خلال سنوات الرئيس الأسبق “باراك أوباما”. كما انضمت موسكو إلى الأطراف الموقعة الأخرى – المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والصين وإيران – من أجل الحفاظ على الاتفاق. وبعد الإعلان الإيراني الأخير عن توقف طهران عن الالتزام ببعض أحكام خطة العمل المشتركة الإيرانية ردًا على العقوبات الأميركية المتزايدة، حثَّ بوتين إيران بنفسه على الالتزام بالاتفاق. فقد حذَّر من أنه “بمجرد أن تتخذ إيران أولى خطواتها المتبادلة، سينسى الجميع بحلول اليوم التالي أن الولايات المتحدة كانت البادئ في هذا الانهيار. ذلك أن إيران ستكون مسؤولة، وسيتغير الرأي العام العالمي في هذا الاتجاه”.

وأشار بوتين إلى أنه رغم معارضة الحكومات الأوروبية للعقوبات المتزايدة التي فرضتها إدارة ترمب على إيران، فقد أثبتت أوروبا أنها عاجزة في مواقفها تلك. ويبدو أنه يشير إلى عجز أوروبا عن الاستمرار في التجارة مع إيران رغم رغبتها في القيام بذلك بسبب العقوبات الأميركية القاسية على الشركات الأوروبية التي ما زالت تعمل مع البلاد. وأشار بوتين إلى أن موسكو لا تستطيع فعل الكثير حيال ذلك الموقف لأن روسيا ليست “فرقة” لإنقاذ كل شيء.

ومن ناحية أخرى، يشير عدم قدرة روسيا على منع الضغط الأميركي المتزايد على إيران، شريك موسكو في سوريا بالإضافة إلى قضايا أخرى، إلى أن روسيا لا يمكنها حل هذه الأزمة أو التأثير عليها؛ إذ إن هذا العجز يقوض هدف بوتين القديم المتمثل في إعادة إحياء دور موسكو كقوة عظمى مؤثرة.

ومع ذلك، تسعى موسكو للاستفادة من الأزمة الأميركية الإيرانية بعدة طرق؛ فمن جانب كانت المعارضة الأوروبية تسعى لزيادة عداء إدارة ترمب تجاه إيران بما يعزز هدف بوتين لتعزيز الانقسامات داخل حلف شمال الأطلنطي “الناتو”، حتى أكثر مما كانت عليه في عام 2003، عندما انضمت روسيا إلى بعض الحكومات الأوروبية (ولا سيما فرنسا وألمانيا) في الموقف المعارض لقرار إدارة بوش بغزو العراق الذي أيدته بعض الحكومات الأوروبية الأخرى (ولا سيَّما المملكة المتحدة وبولندا)، وانضمت روسيا حاليًا إلى جانب الأوروبيين في معارضة موقف ترمب لإيران.

فإذا زادت التوترات الأميركية الإيرانية، فإن المعارضة الأوروبية للسياسة الأميركية قد تؤدي إلى استعداد أوروبي أكبر لخفض العقوبات التي تدعمها الولايات المتحدة على روسيا فيما يتعلق بأوكرانيا وقضايا أخرى – وهو هدف روسي رئيس.

بالإضافة إلى ذلك، ومن خلال التعبير عن معارضة السياسة الأميركية تجاه إيران، وبالإشارة إلى موسكو فإنها لا تستطيع فعل الكثير بشأن هذا الوضع ، فإن بوتين ربَّما يأمل في الحفاظ على العلاقات الروسية أو حتى تحسينها مع حلفاء الولايات المتحدة الأربعة في الشرق الأوسط. كما تسعى موسكو إلى زيادة علاقاتها الاقتصادية مع دول الشرق الأوسط.

ولا شك أن إيران تفضل المزيد من الدعم المقدم من موسكو في صراعها مع الولايات المتحدة، وتفضل أيضًا ألا تكون لموسكو علاقات جيدة مع خصوم طهران في الشرق الأوسط. لكن طهران ليس لديها خيار سوى الاستمرار في الاعتماد على روسيا. وبغض النظر عن خلافاتها مع موسكو، لا يمكن لإيران أن تخفض من مستوى علاقاتها مع روسيا طالما كانت العلاقات الأميركية الإيرانية متوترة.

والآن بعد أن نجحت كلٌّ من روسيا وإيران في تحقيق الاستقرار في نظام بشار الأسد وهزيمة خصومه أو كسبهم، فقد ظهر قدر من المنافسة على النفوذ في سوريا بين روسيا وإيران.

كذلك تتمتع إيران وحزب الله وحلفاؤها من الميليشيات الشيعية بحضور عسكري أكبر بكثير من روسيا في سوريا، لذلك بالكاد تكون روسيا في وضع يسمح لها بتقليل النفوذ الإيراني هناك (كما تأمل إدارة ترمب وحلفاؤها) .

لكن مع ملاحظة أن ذلك عند الحد الذي يجعل فيه الضغط الأميركي إيران في وضع صعب حيال التصرف كيفما تشاء في سوريا، وربما تكون موسكو قادرة على زيادة نفوذها بسوريا على حساب إيران.

ثم إنها إذا نجحت العقوبات الأميركية في تخفيض صادرات إيران من النفط، فسيتمكن المنتجون الآخرون – بما في ذلك روسيا – من زيادة صادراتهم على حساب إيران.

وأخيرًا، فما دامت إدارة ترمب ركزت على نزاعها مع إيران، فإنها تولي اهتمامًا أقل بمختلف نزاعاتها مع روسيا، وربَّما حتى تعطي موسكو وضعًا أكثر حرية فيما يتعلق بأوكرانيا وبيلاروسيا ومناطق أخرى.

ومقارنة بالولايات المتحدة، يوجد في روسيا عدد أقل بكثير من السكان والاقتصاد والجيش، والولايات المتحدة لا تزال لديها شبكةٌ كبيرة من الحلفاء، في حين أن روسيا لديها عدد قليل نسبيًا. إلا أن ما يتفوق فيه بوتين، هو قدرته على الاستفادة من الأخطاء التي ارتكبها أعداء روسيا لتعزيز مصالح بلاده. فقد أعطت سياسة ترمب تجاه إيران بوتين الكثير من الفرص للقيام بذلك.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: لوب لوج Lobe Log

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر