ذعر الفيروس التاجي يزيد من الطلب النقدي

التاريخ والوقت : الجمعة, 24 يوليو 2020

جوناثان أشوورث وتشارلز جودهارت

 

على الرغم من التقارير المتواترة في وسائل الإعلام، خلال العقد الماضي، حول الوفاة الوشيكة للنقد وسط الابتكارات المتسارعة في تقنيات الدفع، فإن النقد المتداول ينمو بقوة في العديد من البلدان. وربَّما يكون ذلك غير مفاجئ نظرًا للمخاوف الصحية المتعلقة بالفيروس التاجي، فقد تجددت الدعوات، مؤخرًا، للتخلي عن النقد، وقد جادل بعض المراقبين بأن أزمة الفيروس ستسرع من زواله. يشير ذلك المقال إلى ما تكشف عنه البيانات من أن العملة المتداولة قد ارتفعت بالفعل في عدد من البلدان. وفي حين أن عمليات الإغلاق الاقتصادي وزيادة استخدام تجارة التجزئة عبر الإنترنت قد قللت، مؤخرًا، من الوظيفة النقدية التقليدية كوسيلة للتبادل، يبدو أن هذا الأمر قد تمَّ تعويضه أكثر من خلال التكالب على اكتناز الأوراق النقدية المدفوعة.

فعندما أدرك العالم أول مرة أن أزمة “كوفيد – 19” سيكون لها تأثير كبير وأضرار على النشاط الاقتصادي، كانت هناك “اندفاعة نحو النقد”، كما أكد “أندرو هاوزر” في دراسة حديثة؛ فأشار إلى أن هذا “الاندفاع مقابل النقد” بطبيعة الحال سيؤثر على زيادة كبيرة في الطلب على كل من العملة النقدية والودائع المصرفية.

وربَّما لا يكون غريبًا ذلك رغم المخاوف من أن “كوفيد – 19” يمكن أن تنتقل عبر الأسطح وعبر الأشياء أيضًا، فقد كانت هناك دعوات من بعض الحكومات والمؤسسات المختلفة للمستهلكين من أجل استخدام المدفوعات الإلكترونية بدلاً من النقد. فقد جادل وزير التجارة الأميركي السابق “كوهن” في صحيفة فاينانشيال تايمز، بأن أزمة “كوفيد – 19” سرعت في اختفاء النقد. وفي الواقع، تجدر الملاحظة أن العديد من اللافتات قد ظهرت في العديد من المتاجر المفتوحة إما لأنها ترى الأفضلية لوسائل الدفع الأخرى، أو أنها ترفض قبول العملة على الإطلاق.

ومع توفر قدر معقول من البيانات في الوقت الراهن، قمنا بفحص أحدث الاتجاهات النقدية المتداولة في عدد من البلدان المتأثرة بـ”كوفيد – 19″ لمعرفة ما كان يحدث. فقد كنا نظن أنه ربَّما يكون هناك انعكاس لاحق للزيادة الأولية، ولكن حتى الآن، لم يكن هناك سوى القليل من الدلائل على ذلك؛ فبدلاً من ذلك، استمرت الزيادة في استخدام العملات. وقد كانت الزيادة في النقد المتداول ملحوظة بشكل خاص في الولايات المتحدة، وكندا، وإيطاليا، وإسبانيا، وألمانيا، وفرنسا، وأستراليا، والبرازيل، والمكسيك، والهند، وروسيا، على سبيل المثال لا الحصر.

وفي الولايات المتحدة، زاد النقد المتداول بنسبة 0.9٪ في الأسبوع حتى 23 مارس، وهو ثالث أكبر زيادة مسجلة بعد الارتفاعات التي حدثت في أواخر ديسمبر 1999 ويناير 2000 وسط مخاوف بعد الارتفاعات التي وصلت نسبة 1.1٪ خلال شهر مارس، إذ زادت العملة المتداولة بنسبة 2٪ تقريبًا في كل من أبريل ومايو ويونيو بالتساوي، مع المكاسب القياسية السابقة في ديسمبر 1999 ويناير 2000. ونتيجة لذلك، فإن النسبة المئوية على أساس سنوي ارتفعت نتيجة للزيادة في العملات المتداولة إلى أكثر من 12 ٪ في القراءة الأسبوعية الأخيرة، بجانب الطفرة الملحوظة في المدفوعات نتيجة الذعر في الطلب النقدي على وقع الأزمة المالية الكبرى(انظر الشكل 1). وفي موضع آخر بأميركا الشمالية، تسارعت العملة الأسبوعية الكندية المتداولة من حوالي 3٪ على أساس سنوي في نهاية فبراير إلى ما يقرب من 12٪ على أساس سنوي، بجانب الذروة التي وصلت إليها خلال تلك الأزمة. وفي المكسيك ارتفعت من 6٪ على أساس شهري في يناير وفبراير إلى 18٪ بالوقت الحاضر.

كما شهدت منطقة اليورو ارتفاعات كبيرة في العملة المتداولة. ففي الأسبوع الثاني من مارس، ارتفع ذلك بنسبة 1.5٪، وهي أكبر زيادة منذ ديسمبر 2008، كما زادت النسبة المئوية الشهرية بنسبة 2.8٪ و1.5٪ و1.4٪ في مارس وأبريل ومايو، مرتين إلى ثلاث مرات، إلى متوسط ​​الزيادة الشهرية المماثلة مقارنة بالعقد السابق. وكانت العملة الكبيرة فئة 200 يورو بمثابة محرك مهم للمكاسب، بما يتفق مع الذعر المصاحب لعملية الاكتناز. ورغم أنها تمثل 7٪ من قيمة الأوراق النقدية المتداولة، فقد مثلت ما يقرب من 30٪ من الزيادة خلال الفترة من مارس إلى مايو. وارتفع معدل مكاسب العملة المتداولة على أساس سنوي إلى حوالي 10٪ (انظر الشكل 2). ولا يزال هذا أدنى من الذروة المتوقعة التي تبلغ حوالي 15٪ في أعقاب الأزمة الاقتصادية الكبيرة. فقد ارتفع النمو في الأوراق النقدية فئة 200 يورو المتداولة بالفعل بعد اقتطاع سعر الفائدة على الودائع من البنك المركزي الأوروبي إلى -0.5٪ في سبتمبر 2019، وتسارع الارتفاع من 74٪ في فبراير إلى 94٪ في مايو (انظر الشكل 2). وقد سجلت كل من فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، مكاسب شهرية ضخمة من العملات المتداولة بنحو 3٪ في مارس، مع الرقم الذي وصلت إليه ألمانيا عند 3.6٪ – وهو ما يعادل على نطاق واسع المكاسب على مدى الأشهر التسعة السابقة حتى نهاية فبراير! أمَّا البلدان الأربعة، فقد سجلت مكاسب شهرية قوية في أبريل ومايو.وقد شهدنا أيضًا طفرات ملحوظة جدًا في الطلب النقدي في عدد من البلدان الأخرى، مثل: روسيا والبرازيل والهند وأستراليا. ففي روسيا، ارتفعت الزيادة في النسبة المئوية للنقد المتداول على أساس سنوي من 6.5٪ في فبراير إلى 21٪ في مايو، بينما ارتفعت في البرازيل من 7-8٪ في يناير/ فبراير إلى 35٪ في مايو. وفي الهند، ارتفع نمو النقد المتداول من حوالي 11٪ على أساس سنوي في نهاية فبراير إلى 21٪ في آخر قراءة. وفي أستراليا، كانت القفزة الشهرية المعدلة موسميًا بنسبة 3.4٪ في الطلب النقدي في أبريل، هي ثاني أكبر زيادة مسجلة بعد القفزة التي وصلت إلى 5٪ في أكتوبر 2008 في خضم الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي ضربت العالم في ذلك العام، في حين كانت هناك قفزة أخرى بنسبة 3.1٪ في مايو. وقد كانت المكاسب خلال شهري أبريل ومايو تعادل الأشهر السبعة عشر السابقة وارتفعت النسبة المئوية على أساس سنوي من الاتجاه الأخير بنسبة 4-5٪ إلى أكثر من 11٪.

وعلى النقيض من الارتفاع المفاجئ في الهلع الذي بدا على الطلب النقدي، فإن نسب العملات إلى الودائع (وهي مقياس يستخدمه الاقتصاديون لقياس حجم التحول من الودائع المصرفية إلى النقد(قد لا تكون – بالضرورة – ارتفعت، إذ يمكن أن يكون قد سقط بالفعل. ويعكس ذلك حقيقة أنه بسبب عمليات الإغلاق القسري لأجزاء رئيسية من معظم الاقتصادات، فقد كانت الودائع في البنوك التجارية تنمو أيضًا بشكل حاد، إذ امتنعت الشركات والأسر عن الإنفاق، أو عجزت عن إنفاق الأموال على بعض أنشطتها المعتادة. وكما يوضح (الشكل 3) بالنسبة للولايات المتحدة، فإن قيمة الودائع المصرفية التجارية تنمو حاليًا بمعدل سنوي قدره 21٪ وفقًا لأحدث البيانات المتاحة. وقد أدى ذلك إلى انخفاض نسبة العملة إلى الودائع.

ولم تكن الزيادة في الطلب النقدي متسقة تمامًا وواضحة في جميع البلدان الرئيسية، رغم أن بعض المتقاعدين الأولين يشهدون حاليًا ارتفاعًا في المواد. وفي المملكة المتحدة، كانت العملة المتداولة على أساس معدل موسمي ثابتة بشكل أساسي على مدار الأشهر الأربعة الأولى من العام، مما يشير إلى تأثير ضئيل لأزمة “كوفيد – 19”. ومع ذلك كانت هناك قفزات كبيرة بشكل مدهش وصلت إلى 1.4٪ و 2.4٪ في مايو ويونيو، وقد كانت الأخيرة هي أكبر زيادة منذ الطفرة التي حدثت عام 2000 وثاني أكبر زيادة منذ أواخر السبعينيات، في حين ظل سبب حدوث مثل هذه القفزات المتأخرة أقل وضوحًا؛ وهو ما قد يفسر إعادة فتح الاقتصاد والطلب المكبوت في القطاعات كثيفة النقد، إذ لم يكن البيع بالتجزئة عبر الإنترنت هو البديل الأمثل. بالنظر إلى الاتجاهات السابقة، فقد كان تسارع وتيرة الزيادة على أساس سنوي إلى 4.1٪ أكثر تواضعًا من أي مكان آخر. ففي اليابان، أدت التأثيرات الأساسية المرتبطة بالعطلات الأسبوعية في عام 2019 إلى انخفاض معدل زيادة العملة المتداولة على أساس سنوي إلى 0.4٪ فقط في أبريل 2020، وذلك بعد اتجاه ثابت وصل إلى نسبة 2٪ خلال الأشهر الستة السابقة. ومع ذلك، كانت التغييرات الشهرية في أبريل ومايو ويونيو من هذا العام، أكبر من المتوسط ​​مقارنةً بالأشهر المماثلة على مدى العقد السابق، وتسارع معدل الزيادة على أساس سنوي إلى أكثر من 5٪ في يونيو. أمَّا في الصين، فقد تسارع معدل الزيادة في العملة المتداولة على أساس سنوي من حوالي 5٪ في الربع الأخير من العام الماضي إلى أكثر من 10٪ في أبريل. ومع ذلك، لا تبدو هذه الزيادة ملحوظة بشكل خاص بمعايير السنوات الأخيرة.

وبشكل عام، فإن الوقت فقط هو الذي سيحدد ما إذا كانت تجربة “كوفيد – 19” ستصبح عاملاً إضافيًا بجانب التطورات التكنولوجية في أنظمة الدفع في الحد من استخدام النقد. وحتى الآن يبدو واضحًا أن عمليات الإغلاق الاقتصادي في معظم البلدان وزيادة استخدام البيع بالتجزئة عبر الإنترنت، قد قللت بشكل مؤقت من الوظائف التقليدية الرئيسية للنقد كوسيلة للتبادل. ومع ذلك، تشير البيانات إلى أن السيولة المتداولة قد ارتفعت في عدد من البلدان المتضررة من “كوفيد – 19″، حتى بعد القفزات الأولية في مارس في بعض البلدان، حيث كانت المكاسب اللاحقة كبيرة. إلا أنه من المرجح أن يعكس هذا الارتفاع استخدام النقود لواحدة من وظائفها التقليدية الأخرى، وهي الاكتناز المدفوع بالذعر، رغم أن بعض الزيادات المتأخرة يمكن أن تعكس أيضًا فتح قطاعات كثيفة النقد، إذ لم يكن البيع بالتجزئة عبر الإنترنت بديلاً عن ذلك.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر:Vox

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر