دولة الجماعة.. وجماعة الدولة

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 4 يوليو 2017

علي بن يعقوب

تعد العلاقة التي تربط دولة قطر بجماعة الإخوان المسلمين علاقة وطيدة قائمة على منافع متبادلة، فقد وجد كلا الطرفين في الآخر ما ينقصه، حيث تمثل قطر إحدى الدول التي توفر الحضن الدافئ لجماعة الإخوان المسلمين ومنظريها، بما يسمح لهؤلاء بإظهار الجانب الحقيقي من أدبيات الجماعة، يقول يوسف القرضاوي: “الله أكرمني بدولة قطر التي أفسحت لي الطريق، ولم يقف أمامي أي عائق في سبيل حرية القول، فأنا أقول ما أشاء في دروسي، وفي خطبي بالمساجد، وفي برامج الإذاعة والتلفزيون، وفي الصحف، وفي قناة الجزيرة.. قطر لم تضع أمامي خطوطا حمراء…”، هذه المساحة تتاح للمنظر الأكبر لجماعة الإخوان، فكيف بمن هو دونه؟
أما مكاسب قطر في هذه العلاقة فإنها تسمح بإظهار دولة قطر على أنها الدولة التي تحمي المسلمين المضطهدين والمطاردين، كما أن الفتاوى الصادرة من أشياخ الجماعة تعطي الشرعية لكل خطوة تصدر من دولة قطر، فعلى سبيل المثال بعد فوز قطر بتنظيم كأس العالم، استخدم القرضاوي منبر الجمعة ليقول خطيبا إن هذا التنظيم يعد نصرا على أمريكا، وقال بالحرف “لأول مرة ننتصر على أمريكا في شيء من الأشياء”!!.
دور (الكبير) الذي تريد أن تظهر فيه قطر، (وإمساك طرفي السلك في آن واحد في استعارة لتعبير أحد المحللين السياسيين) حماس وإسرائيل، أمريكا وطالبان، التحالف لدعم الشرعية في اليمن والعلاقة مع الحوثي يتطلب منها أن تحتضن جماعة كجماعة الإخوان المسلمين حيث التشابه في الأيدلوجيا، والطموحات، والرؤى، وممارسة التقية السياسية، ولنأخذ أبرز ثلاثة ملفات تظهر أوجه التطابق والتماثل بين الدولة والجماعة:
1 – الربيع العربي : لعبت قطر بشتى أذرعتها (الإعلامية، والاستخباراتية، والدينية) دورا كبيرا في النفخ المستمر لما يسمى بالربيع العربي، ذلك الربيع الذي جاء مطابقا تماما لأدبيات الإخوان المسلمين الذين يرون وجوب إسقاط جميع الحكام من أجل قيام الخلافة الإسلامية كما يقول حسن البنا : “والإخوان لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم …”، وهذا هو عين مشروع داعش (إحدى ربيبات جماعة القاعدة المتفرعة أصلا عن الإخوان المسلمين حيث كان المؤسسان عبدالله عزام أحد المنتسبين للإخوان، وهو كذلك حال أسامة بن لادن قبل أن يطرد منها بشهادة أيمن الظواهري أمير القاعدة الحالي)، هذا الربيع العربي جاء ليعطي قطر الدولة، والإخوان الجماعة، أملا في تحقيق تلك الطموحات التي تمثل أساسا في سياسة الدولة، وأيدلوجيا الجماعة، يقول يوسف القرضاوي حاكيا دعم قطر لما يسمى الربيع العربي: “وظللت مع هذه الثورة أتابعها بالبيانات وأتابعها بالخطب وأتابعها بالبلاغات من إذاعة قطر وتلفزيون قطر وجزيرة قطر، التي وقفت مع هذه الثورات كل الثورات ثورة تونس … ثورات الربيع العربي كلها وقفت معها قطر بإذاعتها وتلفزيونها و بمالها وبرجالها … ” ويقول الدكتور علي بن فطيس المري النائب العام في قطر في لقاء مع علي الظفيري: “من اللحظة الأولى لثورة الربيع العربي في مدينة سيدي أبو زيد في تونس كانت قطر إن لم تكن الأولى بدون المبالغة فمن أول الدول التي كانت مساندة بقوة وبكل وضوح لحقوق الشعوب العربية في الحرية، في استرداد حريتها، في أخذها قرارها، كان الدعم مطلق…” .
2 – العلاقة مع دول الخليج: مارست قطر منذ قرابة 21 عام سياسة (شاذة) خارجة عن محيطها الخليجي وليس الشأن أن تفتح كل دولة نافذة علاقات ترى أنها تعود عليها بالفائدة، وإنما الشأن في تبني سياسات مؤذية للجيران والأشقاء، واستعداء من هم أقرب الناس لك، وهذا هو الحال مع جماعة الإخوان المسلمين الذين تم احتضانهم في دول الخليج إبان مطاردتهم من نظام جمال عبد الناصر، و نظام حافظ الأسد، إلا أنهم مع ذلك كانوا وما زالوا يحاولون أذية هذه الدول، بل وقلب أنظمة الحكم فيها، يقول عزام التميمي القيادي في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، صاحب قناة الحوار الممولة من قطر (وذلك بشهادة حمد بن خليفة أمير قطر السابق في تسجيل صوتي مسرب): “ما تفكروش إنو سيقف الأمر عند سوريا، الأنظمة في دول الخليج الفاسدة العفنة التي تنتهك الحرمات، وتنتهك حقوق الناس، سيأتيها الدور وربي سيأتيها الدور … السعوديون يستحقون الحرية [ثم يستدرك فيقول] ليس السعوديين، أهل الجزيرة وكيف ينسب إنسان إلى عائلة حاكمة فاسدة”، هذا الكلام يقوله الإخواني الممول من قطر، ناهيك عند استضافة قناة الجزيرة لما يسمى بالمعارضين (وهم في التوصيف الشرعي الديني خوارج) حيث ظهر على شاشة تلك القناة تحت دعوى الرأي والرأي الآخر المسعري والفقيه و بن لادن وغيرهم، وإضفاء السلمية على أعمال الشغب والتخريب في مملكة البحرين، والنفخ فيما يسمى بالحراك الذي شهدته الكويت في فترة من الفترات، هذا العداء القطري لبعض أشقاءها في الخليج (السعودية – البحرين – الإمارات) يختصره ذلك التكهن الذي أطلقه حمد بن جاسم وزير الخارجية السابقة في تلك المحادثة المسربة بأن السعودية لن تكون موجودة بعد 12 عام (المكالمة كانت مع القذافي و ترجح بعض المصادر أنها تعود لعام 2003)، ومن المعلوم أن السعودية تشكل العمق الاستراتيجي لدول الخليج قاطبة، فأي بقاء لأنظمة دول الخليج بعد زوال السعودية وتقسيمها؟!
3 – دعم المنظمات الإرهابية: كعادتها كانت قناة الجزيرة القطرية النافذة المفضلة لرؤوس الخوارج المعاصرين فبعد أن كانت النافذة المفضلة لأشرطة بن لادن والظواهري، اختار أبو محمد الجولاني زعيم تنظيم جبهة النصرة سابقا، الظهور والحديث على قناة الجزيرة ولم يكن ذلك لمرة واحدة فقط، بل لمرتين، حيث أسفر عن وجهه في المرة الثانية، هذه هي إحدى أشكال الدعم المغلفة تحت غطاء السبق الصحفي، ولا يُعلم كم دفعت الجزيرة القطرية في سبيل خروج الجولاني على قناتها، فقد كانت الجزيرة سخية وهي تدفع في بعض المرات ملايين الريالات من أجل أن تحصل على أشرطة أسامة بن لادن، ويذكر المذيع السابق في قناة الجزيرة يسري فودة في كتابه (في طريق الأذى) كيف أن أمير قطر السابق ضغط من أجل دفع مليون دولار لسماسرة حتى يتم الحصول على أشرطة سجلها يسري فودة مع بعض المنتسبين لتنظيم القاعدة.
كما يبرز بشكل واضح وجلي كيف ساهم تراث الإخوان المسلمين المحتضنين من قبل قطر وتحديدا تراث سيد قطب بانتشار فكر التطرف والإرهاب، هذا التراث الذي نضح في آخره بالتكفير والجهاد الهجومي على عموم المسلمين كما يقول القرضاوي – وهو ليس بمتهم -، وهنا أشير لبعض نقولات رؤوس الخوارج وثناءهم على كتابات سيد الإخوان سيد قطب:
1 – يقول أيمن الظواهري: “إن سيد قطب هو الذي وضع دستور الجهاديين في كتابه الديناميت معالم في الطريق، وإن سيد قطب هو مصدر الإحياء الأصولي”.
2 – يقول أبو مصعب السوري الإخواني القاعدي: “رائد الفكر الجهادي في العصر الحديث: كان بلا شك سيد قطب، فقد ضم كتابه (في ظلال القرآن)، خلاصة النظريات الحركية للفكر الجهادي المعاصر”.
3 – يقول طارق الزمر أحد قيادات الجماعة الإسلامية في مصر سابقا: “أهم ما يميز هذه المرحلة: تعميق المفاهيم الإسلامية، فجاءت كتابات وأفكار سيد قطب … ولكن كتاباته لم تخلو من تعميم أوقع في كثير من الحرج”.
لم تكتفي قطر بالقيام بدور دار النشر والدعاية لهذا الفكر، بل امتد ذلك للدعم بالسلاح، و المال بكل سخاء، حيث جندت لذلك العديد من المؤسسات التي تعمل تحت غطاء الخيرية، فكانت هذه الجمعيات الخيرية تعطي الخبز بيد و السلاح باليد الأخرى، حدث ذلك في سوريا وليبيا واليمن، هذه التقية هي ذاتها تقية الإخوان المسلمين الذين يذهبون إلى الغرب فيقدمون لهم صورة فيها التنازل أهم مبادئ الإسلام وأحكامه صورة تنادي للديمقراطية والحرية الدينية، ثم يأتون إلى العالم الإسلامي ليقدموا صورة مغايرة برفعهم شعار ” الإسلام هو الحل” هذه التقية هي ذاتها تقية دولة قطر التي تشارك بجنودها في التحالف لدعم الشرعية، وتمرر المعلومات للحوثي هذه التقية التي تشترك فيها قطر والإخوان بصاحبة التقية الدينية إيران، وعلاقة الإخوان وقطر بإيران حق لها أن تفرد بدراسة وبحث آخر، وقد قالت العرب قديما: “وافق شن طبقة”.

باحث في الدراسات الإسلامية*
[email protected]

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر