مركز سمت للدراسات دلالات التوترات الاقتصادية في ظلال الانتفاضة الإيرانية الراهنة | مركز سمت للدراسات

دلالات التوترات الاقتصادية في ظلال الانتفاضة الإيرانية الراهنة

التاريخ والوقت : السبت, 30 ديسمبر 2017

حالة من التوتر في الداخل الإيراني، ظهرت في مظاهرات حاشدة اندلعت على خلفية الملف الاقتصادي، وتدني التناول الحكومي مع هذا الملف، وفرض الأولوية للحرس الثوري الإيراني وأذرعه الإقليمية في كلٍّ من سوريا ولبنان والعراق واليمن، وكذلك في غزة؛ مما أنتج العديد من الأزمات الضاغطة على الداخل.

وبجانب ذلك، لعل هناك العديد من الأزمات لم تحسب لها طهران أيّ حساب، أو وضعت لها أيّ خطط وبرامج، قبل وأثناء إجراء المفاوضات النووية مع الغرب، التي انتهت باتفاق وضع الجانب الاقتصادي للبلاد في مأزق الحيرة والترقب، حتى بدت ظواهر خطيرة تطفو على سطح الأنشطة الاقتصادية، تسير نحو رفع نسبة الركود التجاري والاقتصادي، وهذا عائد في مجمله إلى سوء الإدارة وضعف الخبرة.

اشتعال الشارع الإيراني، واندلاع مظاهرات شعبية من قلب طهران احتجاجًا على ارتفاع الأسعار، وانهيار الاقتصاد، وإعلانها قبل نحو أسبوع اعتزامها زيادة أسعار الوقود والخبز، وكثير من مكونات السلة الغذائية الأساسية للمواطن الإيراني، وشاركت في الاحتجاجات مدن خراسان ويزد، ومشهد – ثاني أكبر مدن البلاد – وطهران والأهواز، ونيسابور القريبة من مشهد، وشاهرود وبعض المدن الأخرى الفقيرة.

تحركات داخلية

هناك العديد من الأطروحات الاقتصادية التي طرحها النظام الإيراني، ولكنها لم تُؤتِ ثمارها؛ ولعل في مقدمتها ما عُرف بمشروع السلامة “طرح سلامت”، وهو يختصر بعملية إدماج صندوق إدارة الضمان الاجتماعي بصناديق المتقاعدين. لكن بناء على المعطيات الموجودة والحالية التي تمَّت ترجمتها بمظاهرات الخميس السابق 28/12/2017، فإن هذا المشروع  يعتبر مشروعًا غير ناجح.

الجدير بالملاحظة، أن الحكومات المتعاقبة للنظام في إيران كانت تعتبر صناديق التقاعد بمثابة الحديقة الخلفية لها، حيث كانت تتلاعب بها بسهولة في الأوقات الصعبة، وهو ما ظهر بالطرح الخاص بـ”مشروع السلامة”. وهو ما ينقلنا بالتجربة التاريخية إلى ملفات انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، فوُجد أن أحد الأسباب تمثَّل في أن الإهمال الذي حصل لصندوق التقاعد ساهم في انهيار الاتحاد السوفييتي بشكل كبير، حيث كان عدد الشاغلين في العمل أقل بكثير من المتقاعدين الذين وصل عددهم في عام 1985، حوالي 102 مليون متقاعد، وهو ما يمكن قياسه تباعًا على الحالة الإيرانية بوضعها الحالي إذا ما تنبهت لذلك الفخ الاقتصادي واستطاعت إعادة هيكلة ملفاتها الداخلية بما يستوعب الاحتياجات الاقتصادية للداخل الإيراني.

المظاهرات القائمة في إيران منذ الخميس الأخير، ليست وليدة اللحظة، فهي ضمن سلسلة متواصلة من الاحتجاجات والإضرابات، التي نظمها معلمون وعمال، على مدار الأشهر الأربعة الفائتة، فلا يكاد يمر يوم خلالها دون احتجاجات أو إضرابات في مدن مختلفة، فهي ليست مرتبطة بشريحة معينة، بما قد يسمح باحتوائها ولو بشكل مؤقت، لكن شعار الانتفاضة هو “لا للغلاء” يشمل 80 مليون إيراني.

تأثير القرارات الجديدة على الطبقة المتوسطة، المحرك الرئيسي للانتفاضات في إيران، لا سيَّما شرائح واسعة كبيرة في إيران، ومن ثَمَّ خرجت الحشود في تظاهرات واسعة، الخميس الأخير الموافق 28 ديسمبر، احتجاجًا على القرارات الأخيرة، وتنديدًا بالنظام الحاكم، إذ شهدت المظاهرات هتافات وشعارات معادية لروحاني وللمرشد “علي خامنئي”، و”الموت لروحاني”، و”الموت للدكتاتور”، و”غادروا سوريا.. فكروا فينا”، بما يشير إلى أن غضب الشارع ليس مختزلًا في الوضع الاقتصادي فقط، وإنما يصل إلى حد رفض التدخلات الإيرانية في الشؤون الخاصة ببعض دول الإقليم، ومن ضمنها نشر قوات إيرانية في سوريا، دعمًا للرئيس السوري بشار الأسد، في الحرب الأهلية الدائرة هناك منذ عام 2011.

وعلى الرغم من التفاؤل الحذر الذي حظي به ولاية التيار الإصلاحي لإيران والرئيس الإيراني حسن روحاني في البداية لإدارته ملفات الداخل والخارج، فإنه يمكن التدليل على بواعث ومحركات تلك المظاهرات ذات المحركات الاقتصادية بالنظر إلى مؤشرين:

  • المؤشر الأول: يتمثل في إحكام سيطرة الحرس الثوري وفرض ثقله على الداخل الإيراني؛ وظهر ذلك بحرص الحكومة على رفع المخصصات المالية للحرس الثوري في الميزانية الجديدة التي تمَّ عرضها على مجلس الشورى لتصل إلى نحو 7.6 مليار دولار، بشكل يُشير إلى أن الأركان الرئيسية في النظام، لا سيَّما المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، بدأت في محاولة دفع الحكومة إلى التراجع عن جهودها السابقة التي هدفت من خلالها إلى تقليص أدوار الحرس، وتدخله في الشؤون السياسية، داخليًا وخارجيًا.

ولعل سعي الحكومة من تلك الخطوة يستهدف في مجمله تعزيز سيطرتها على إدارة الشؤون الاقتصادية للدولة، خاصة أن “الباسدران”  يمتلك نفوذًا قويًا على الصعيد الاقتصادي، مما قد يسهم في تنفيذ حزمة البرامج الاقتصادية التي كانت أحد المحاور التي مكّنت الرئيس روحاني من الفوز في الانتخابات الرئاسية في دورتيها الأخيرتين.

الجدير بالذكر، أن الرئيس السابق “أحمدي نجاد” هو من قام بفتح المجالات الاقتصادية الإيرانية أمام الحرس الثوري، ووظفت حكومته بورصة البلد لنقل الشركات الوطنية للحرس، وحولتها إلى وسيط مسيطَر عليه لتطبيق السياسات الاقتصادية التي يأمر بها المرشد. فعلى سبيل المثال، امتلكت المؤسسة التعاونية للحرس نسبة 51% من أسهُم شركة الاتصالات الوطنية في مبادلة صورية في بورصة طهران. وباعت باقي أسهمها لشركة الاستثمار والتمويل “مهر”.

  • المؤشر الثاني: يتمثل في ورقة “العقوبات الأميركية”، فعلى الرغم من الانفراجة الحثيثة التي حظي بها الاقتصاد الإيراني على خلفية توقيع الاتفاق النووي (5+1)، إلا أنه مع تصاعد حدة الخطاب الترمبي، الذي انتهى بفرض عقوبات أميركية جديدة على إيران؛ تراجعت معدلات النمو وازدادت البطالة والفقر.

على الرغم من حدة ذلك المؤشر وعمق تأثيره على نمط الاقتصاد البيني (الإيراني – العالمي)، إلا أن الأمر منوط في النهاية بموقف الدول الأوروبية من الاستراتيجية الأميركية التي يرفضها أغلب القوى الدولية، خاصة أن مثل تلك التحركات الأميركية من شأنها أن تُقزم من “معيار الثقة الدولي”، وهو ما سينعكس سلبًا على المباحثات النووية المستقبلية مع كوريا الشمالية.

 وتأسيسًا على المؤشر الثاني، نجد أن الرهان المتجدد للعقوبات الأميركية سيسهم في تعطل عودة إيران للقطاع المالي العالمي في ضوء مخاوف البنوك والمؤسسات المالية من احتمال أن تقع تحت طائلة الغرامات الأميركية إن هي تعاملت مع إيران. كما أنه، مؤخرًا، تراجع سعر صرف الريال الإيراني، وتوقفت شركات الصرافة في طهران عن بيع الدولار الأميركي تحسبًا للمزيد من هبوط سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار في الأيام المقبلة، مما ضاعف من حجم الأزمات الاقتصادية بالداخل في ظل تصاعد معدلات الفقر والبطالة.

  • تدهور المستوى الاقتصادي على مدار 10 سنوات 

بالنظر إلى متوسط ميزانية الأسرة التي تسكن المدينة في إيران بالمعدَّل الثابت 2017، سنلاحظ تراجعًا بنسبة 15% في الأوضاع الاقتصادية للإيرانيين منذ عام 2007م وما بعده، إذ شهد متوسط ميزانية الأسرة نموًا بنسبة 43%، منذ عام 1997 حتى ذلك الوقت. وفي عام 2007 كانت نقطة بداية سقوط الرفاهية للأسر الإيرانية في الحقبتين الأخيرتين، إذ كانت البداية مع هذا العام الذي فرض فيه مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة في شهر أبريل 2007 وفي مارس 2008م، عقوبات ضدّ إيران.

وهي الفترة التي استُبعِد فيها علي لاريجاني، من منصبه بوصفه كبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني، وحل محله سعيد جليلي. حصحصة البنزين، التي واكبها عدم الاستقرار، والتي بدأت منذ عام 2007م، في ذلك العام حلّ الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، هيئة الإدارة والتخطيط (الخطة والموازنة سابقًا).

وشهد معدَّل التضخُّم في عام 2007م، قفزة ملحوظة ليصل إلى 18.4%، بعد أن كان 11.9% في عام 2006م، في نفس الوقت كانت الحكومة الإيرانية منذ عام 2007م، تستفيد للمرة الثالثة على التوالي من ارتفاع قيمة أسعار النفط في الأسواق العالمية. وفي الواقع، فإن عام 2007م كان نقطة أوج القمة لعائدات الأنشطة الاقتصادية في مجموعة النفط بالسعر الثابت، بعد ذلك واجهت إيران في عدة سنوات مختلفة، تراجعًا في العائدات النفطية، وانخفاضًا في الناتج المحلي الإجمالي، ونموًّا اقتصاديًّا سلبيًّا، وهذا الهبوط في العائدات القومية واكبه سقوط أكبر في ميزانية الأسرة.

الأمر المثير للانتباه، أنه منذ عام 2005 وما بعده، باستثناء عام 2012م، كان في كل السنوات نمو ميزانية الأسرة الحضرية في إيران أقلّ من نمو الاقتصاد الإيراني، أي أن الميزانية السنوية للأسرة الإيرانية شهدت نموًّا متوسطًا بسرعة أبطأ من الاقتصاد الوطني، أو هبطت بسرعة أكثر حدة من الاقتصاد الوطني.

  • مستقبل الاقتصاد الإيراني على المدى القصير 

الانتظار الطويل الذي صنعته بنود الاتفاق النووي حول رفع العقوبات الدولية عن طهران، وضع اقتصاد البلاد في تحديات كبيرة وأزمات عميقة تصعب معالجتها. فبعد إقرار الاتفاق النووي بين إيران والغرب، أصبح المواطن الإيراني يرتقب رفع العقوبات عن بلاده ودخول البضائع الأجنبية للبلاد بسعر أقل وجودة أفضل، فتكدست الصناعات والبضائع المحلية التي تحتكرها فئة محسوبة على النظام استطاعت من خلالها بناء ثروات طائلة.

هذه الحالة خلقت جوًا متأزمًا في الحركة الشرائية في البلاد، وأنهكت الحياة الاقتصادية بشكل أكبر، مما أدى إلى تدهور غير مسبوق في بورصة طهران، وهو ما دفع أربعة وزراء إيرانيين وهم: وزراء الاقتصاد، والصناعة، والعمل، والدفاع، إلى إرسال رسالة تحذير للرئيس الإيراني حسن روحاني، يطالبونه بإجراء تغييرات في السياسة الاقتصادية للبلاد، تفاديًا لحدوث أزمة عميقة في الاقتصاد بسبب تدهور أسعار النفط.

وهنا يجدر بنا القول، إن تباطؤ نمو الاقتصاد الإيراني سيستمر طويلًا، بسبب تأجيل قرارات الاستثمار التي يحتاج إليها الاقتصاد الإيراني، وإن تحقيق ذلك ليس بالسهولة عمليًا في ظل السعر العالمي للنفط، وحاجة الاقتصاد المحلي لتطوير وسائل الإنتاج. ولكي تتجاوز طهران الأزمة، ينبغي عمل إصلاحات شاملة لترسيخ استقرار الاقتصاد الكلي المحلي، وتسريع النمو الاقتصادي الشامل، بالإضافة إلى إيجاد حلول جذرية لمشكلة البطالة المرتفعة، وزيادة الإنتاجية عن طريق جذب التكنولوجيا الحديثة، وهي الأهداف التي قد يكون تنفيذها “صعبا للغاية” في ظل الصراع الحالي داخل إيران.

وحدة الدراسات السياسية*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر