دلالات إقالة تيلرسون على الموقف القطري من الأزمة الخليجية

التاريخ والوقت : الخميس, 22 مارس 2018

منذ اليوم الأول لقرار المملكة العربية السعودية، وحلفائها بمقاطعة قطر، كان موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب مباشرًا وواضحًا، بتصريحه “أن قطر تدعم الإرهاب على أعلى مستوى”، وعلى النقيض من ذلك كان موقف وزير الخارجية الأميركي – وقتها – ريكس تيلرسون، المقال حاليًا، أقل وضوحًا وأكثر ارتباكًا، وهو ما بدا يقينًا عقب زيارته للمنطقة، إذ كان من المتوقع أن يقوم تيلرسون بالتنسيق مع دول المقاطعة، بينما ما حدث عقب زيارته للكويت وذهابه إلى الدوحة، توقيعه اتفاقية ثنائية مع قطر لمكافحة الإرهاب[1].

وعلى الرغم مما أثير من توجيه ترمب لوزير خارجيته بالعمل على حل الأزمة، لكنه خشى التورط، حسبما جاء في بيان هيذر ناورت، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية – حينذاك-  بأن تواصل وزير الخارجية مع قادة المنطقة جعله يستنتج أن دوره كوسيط ليس ضروريا و”أنهم قادرون على حل هذه المشكلة أنفسهم”[2].

ولكن الحقيقة كان لها رأي أخر، فالوقائع أثبتت أن تيلرسون كان متعاطفا مع القطريين في النزاع، ودعا في البداية المملكة العربية السعودية وحلفائها إلى رفع الحظر دون قيد أو شرط على قطر في الوقت الذى استمرت فيه المفاوضات. ومنذ الإعلان عن المقاطعة على قطر في 5 يونيو، أجرى تيلرسون أكثر من 20 مكالمة هاتفية واجتماعا مع قادة من الخليج وغيرهم، وحاول البقاء خارج النزاع[3].

فمن المعلوم أن وزير الخارجية الأميركي المقال، كان يعتبر  رجل قطر الأول داخل البيت الأبيض، نظرًا لما لديه من صداقات عميقة مع عدد من المسؤولين القطريين وعلى رأسهم عبد الله بن حمد العطية وزير الطاقة والصناعة السابق. وبالتالي كان له توجهات قريبة مع قطر، خاصة أنه كان رئيس مجلس إدارة شركة “إيكسون موبيل”، قبل توليه مهام الخارجية الأميركية، وهي عضو مؤسس في مجلس الأعمال القطري الأميركي في عام 1996، ككيان أسسه النظام القطري، وقتها كان تيلرسون مسؤول رفيع المستوى، وبعد توليه رئاسة الشركة النفطية العملاقة، أصبح عضوا في الهيئة الاستشارية لمجلس الأعمال القطري الأميركي[4].

ومجلس الأعمال القطري الأميركي يلعب دورا رئيسيا في إدارة العلاقات القطرية الأميركية، ومن ثم دعمه للإخوان وللإسلاميين في أميركا، والأمر يتضح جليا في انحياز وزير الخارجية الأميركي لقطر لحماية مصالح شركة “إكسون موبيل” التي ترتبط بمصالح تجارية كبيرة مع قطر، فالوزير وضع مصالح الشركة على أولوياته في معالجته لأزمة قطر مع دول التحالف الأربعة.

لذا وقع تيلرسون الاتفاقية الثنائية مع قطر، وفي ظنه أن هذه الاتفاقية ستكون بديلًا لشروط المملكة وحلفائها، في حين أن أهم شروط المقاطعة كانت وقف قطر لدعمها ورعايتها لتنظيم الإخوان الإرهابي، ولكن الاتفاقية لم تقترب من هذا البند، بحكم أن التنظيم غير مصنف كتنظيم إرهابي في  أميركا، وبالتالي ستستطيع قطر مواصلة دعم التنظيم ورعايته[5].

وقبل الخوض في دلالات إقالة تيلرسون على الموقف القطري من أزمة المقاطعة وتعيين مايك بومبيو لمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)[6]، خلفًا له، يجب الإشارة إلى أن الأزمة الخليجية لم تكن وحدها سبب إقالة ترمب لوزير خارجيته، بل كانت هناك عددًا من الخلافات الأخرى، ربما أغلبها سيؤثر على الدوحة بصورة أو بأخرى.

كانت البداية عندما لم ينكر تيلرسون وصفه ترمب بـ “الأخرق” بعد اجتماع عقد في شهر يوليو / تموز الماضي في البنتاغون. وقد رد الرئيس الأميركي على ذلك بتحدي وزير الخارجية في الخضوع لاختبار الذكاء، لكن متحدثة باسم ترمب قالت حقاً إنها مجرد دعابة.

ومنذ ذلك الوقت، كثرت التقارير حول استقالته بسبب خلافات حادة مع ترمب حول عدد من القضايا. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي أُجبر تيلرسون على عقد مؤتمر صحفي لنفي تقارير عن أنه يفكر في الاستقالة. وبدا تيلرسون غير مرتاح في المنصب فهو يتجول في أنحاء العالم حاملًا لقبًا براقًا لكن له تأثير محدود للغاية على تفكير الرئيس. ومع ذلك التزم تيلرسون في العلن بولائه لسياسات الرئيس، رغم أنه لم يكن كذلك، وتتلخص الخلافات[7]  في عدد من النقاط، من أهمها:

  1. كان الاتفاق الإيراني من ضمن الخلافات، فكان ترمب يرى أنه مروع، ولكن تيلرسون كان يظن أن الاتفاق جيد.
  2. فيما يتعلق بالملف الكوري الشمالي، قوض ترمب علنا جهود تيلرسون في الخريف الماضي بنشر تغريدة قال فيها إنه “يهدر وقته” في محاولة التفاوض مع كوريا الشمالية. وكان تيلرسون في جولة افريقية عندما بوغت بإعلان ترمب بأنه سيجري محادثات مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون.
  3. بدا أن تيلرسون يختلف مؤخرا مع رأي البيت الأبيض لما بدا أنه دعمه للسلطات البريطانية في اتهام الكرملين في حادث تسمم عميل روسي سابق بالقرب من منزله في جنوب بريطانيا. وقال تيلرسون إن غاز الأعصاب المستخدم في الهجوم “جاء من روسيا” وإنه “بالتأكيد سيؤدي إلى رد”. ولكن البيت الأبيض رفض توجيه أصابع الاتهام لروسيا.
  4. وبخلاف ذلك، أثار أداء تيلرسون الضعيف انتقادات متزايدة في الأشهر الأخيرة داخل الكونجرس، إذ أعربت مجموعة من كبار أعضاء الكونجرس الأميركي، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بالإحباط حيال جهود وزير الخارجية لإصلاح الخارجية الأميركية، بل تزايدت الشكوك داخل الكونجرس بشأن أهلية تيلرسون لقيادة الوزارة، وهو ما تركه في وضع غير مستقر سياسيا خلال الآونة الأخيرة. فلم يكن صوتا مؤثرا يمثل وزارة الخارجية في هذه المرحلة كما وجه السيناتور بوب كوركر، رئيس اللجنة وهو أحد الحلفاء المقربين لوزير الخارجية، انتقادات واسعة له.
  5. وفضلا عن ذلك، فراغ الكثير من السفارات الأميركية حول العالم ، من سفراء يمثلون الولايات المتحدة، طيلة أكثر من عام، فبعد قرار الرئيس ترمب الروتيني، بعد توليه منصبه في يناير 2017، سحب السفراء الأميركيين وتعيين جدد كان من المفترض ملء هذه الشواغل غير أن تيلرسون فشل في تنفيذ المهمة التي ربما تعتبر إدارية.

وفي النهاية، بعد عام على تعيينه في منصبه وزيرا للخارجية الأميركية ، قام ترمب، بإقالته في قرار جاء محملا بالطرق المثيرة التي اعتاد الرئيس الأميركي على اتخاذ قراراته بها ، حيث راح يقيله بينما يقوم بجولة خارجية يزور فيها دول أفريقية.

ورغم الإقالة، إلا أن تداعياته لا تزال قائمة، فالقرار ربما يعني أن هناك تغييرا كبيرا في نهج الإدارة الأميركية تجاه الأزمة الخليجية خلال المرحلة المقبلة، فهي كانت إحدى القضايا التي تصادم فيها وزير الخارجية السابق مع الرئيس ترمب، والذي أعرب عن دعمه الكامل للموقف السعودي الإماراتي تجاه الإمارة الخليجية، بينما اتخذ تيلرسون نهجا مختلفا داعما لقطر[8].

ففي لحظة ما، ربما وجد موقف تيلرسون، دعما لفظيا من وزارة الدفاع الأميركية في ضوء رغبتها على الحفاظ على وجود القاعدة العسكرية الأميركية في منطقة العديد القطرية، إلا أن تيلرسون بقي بمثابة المدافع الأول عن الموقف القطري داخل أروقة الإدارة الأميركية، معتبرا أن قرارات الدول العربية الداعمة لمكافحة الإرهاب هو بمثابة تهديد مباشر للمصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط.

لكن ما يحدث داخل الكونجرس حاليًا يقول خلاف ذلك، بالفعل بدأت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي  دراسة نقل قاعدة العديد العسكرية الأميركية من الدوحة إلى موقع آخر خارج قطر، وسبق أن قدمت تلك المطالب في جلسة استماع في الكونغرس يوليو العام الماضي، بشأن العلاقات القطرية الأميركية، إذ من المقرر أن ينتهي الاتفاق بين الدولتين في استضافة القاعدة في عام 2023، بعد أن تم تجديده في ديسمبر عام 2013 لمدة عشرة أعوام.

وتتوفر في ذلك عدد من الخيارات البديلة تدرسها اللجنة كمنطقة الزرقاء في شرق الأردن، والبحرين، وأربيل في كردستان العراق، فعلى الرغم من العلاقة التاريخية بين واشنطن والدوحة التي تعود إلى عام 1973 عندما افتتحت الولايات المتحدة الأميركية سفارتها في الدوحة، وتم إبرام اتفاقية عسكرية بين الطرفين في عام 1992 وتم تجديدها في عام 2013 لمدة عشرة أعوام، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية نبّهت الدوحة مرات عديدة بضرورة وقف التعاون وتمويل المنظمات التي يشتبه فيها أنها منظمات إرهابية أو الأفراد التابعين لتلك المنظمات.

وفيما يخص الاتفاق الإيراني على وجه أخر، بدا التشاؤم يحوم حول هذا الاتفاق، وبات في مهب الريح، عقب إقالة تيلرسون الذي طالما أكد أهميته، بخلاف موقف ترمب، والتهديد الحالي يتمثل في خروج أميركا من الاتفاق وليس إلغائه لأنه ليس اتفاقا ثنائيا، إذ أنه قد تحول إلى قرار دولي في مجلس الأمن، وفي حال خروج أميركا من الاتفاق فإن إيران ستكون مترددة في المضي قدما في التزاماته، غير أن هناك الآن بعض الأطراف الأوروبية تطرح تعويضا ما عما ستفقده إيران في حال انسحبت أميركا[9].

وقطعًا، ستتأثر جماعة «الإخوان» الإرهابية، من إقالة تيلرسون، ونعرف أن قطر دعمت حكم الإخوان في مصر بعد أحداث 25 يناير، وبعد ثورة 30 يونيو، وبعد الإطاحة بحكم الإخوان هرب معظم قيادات التنظيم إلى قطر التي تحولت إلى منبر للتحريض ضد الأنظمة العربية، ودعم الإرهاب بشكل مباشر.

وإجمالًا يمكن القول، إن العلاقات الأميركية القطرية ستشهد خلال الفترات المقبلة تغيرات كبيرة، خاصة فيما يتعلق بالأزمة الخليجية، نظرًا لأن وزير الخارجية الأميركي الجديد يمتلك فكر مغاير لسلفه، وهو ما يتسق بصورة قد تكون كاملة، مع الرئيس ترمب، في العديد من القضايا المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط.

فمن أول الأسباب التي دفعت ترمب إلى تعيين بومبيو وزيرا لخارجيته هو موقفهما المتماثل من الاتفاق النووي الإيراني، وهذا اتضح جليا من تصريحات الرئيس الأميركي عقب الإطاحة بـ “تيلرسون”، حيث اشتهر بمعارضته الشديدة للاتفاق النووي مع إيران، وصرح على حينما كان نائبا في مجلس النواب الأميركي أنه يعتزم كنائب إعادة النظر في هذا الاتفاق، ووصف إيران بأنها “أكبر داعم للإرهاب في العالم”، كما يرى أن طهران تقوم بدور معرقل في الشرق الأوسط “يغذى التوترات” مع الدول الحليفة للولايات المتحدة. وقد وضعها ضمن التحديات التي تواجه الولايات المتحدة إلى جانب تنظيم “داعش”، حينما شغل منصب مدير الاستخبارات الأميركية[10].

وبالرغم من أن “بومبيو” لم يدلِ بأية تصريحات منذ بداية الأزمة الخليجية[11]، خلال عمله كرئيس لجهاز الاستخبارات الأميركية، إلا أن مواقفه المناوئة لقطر تبدو واضحة منذ ما قبل ذلك، حيث كان بومبيو هو أكثر المؤيدين لقانون وضع جماعة الإخوان كمنظمة الإرهابية إبان عضويته في الكونجرس الأميركي في عام [12]2015. وبالتالي يمثل موقف بومبيو من الإخوان تهديدا صريحا لقطر، خاصة وأن الإمارة الخليجية تعد الداعم الأول للجماعة، وهو الأمر الذي يعد محلا للاتفاق بين بومبيو والدول العربية الداعمة لمكافحة الإرهاب.

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع

[1]  تيلرسون وقطر، د. أحمد الفراج، جريدة الجزيرة السعودية، https://bit.ly/2ElwoK3

[2]  ترقب دولي لتسلم بومبيو مهام «الخارجية»، جريدة الشرق الأوسط، https://bit.ly/2QD7cVh

[3]  خبراء سعوديون: اقالة تيلرسون تضع قطر في عين العاصفة، https://bit.ly/2RMlnET

[4]  3 أسباب وراء إقالة تيلرسون، صحيفة اليوم السابع، https://bit.ly/2L5WAcm

[5]  تفاصيل العلاقة الخفية بين “تيلرسون” وقطر، صحيفة الفجر المصرية، https://bit.ly/2QEpNAl

[6] بومبيو صقر ترمب في الخارجية، صحيفة العرب اللندنية، https://bit.ly/2UuHnWz

[7] ترامب يقيل تيلرسون: الأسباب والتوقعات مع بومبيو، قناة الحرة، https://bit.ly/2QneJIe

[8]  تقرير: لماذا تخلص ترمب من تيلرسون؟، روسيا اليوم، https://bit.ly/2zSwQeX

[9]  إقالة تيلرسون تعزز فرص انسحاب واشنطن من اتفاق إيران النووي، شبكة سكاي نيوز، https://bit.ly/2Uwgv8n

[10]  مايك بومبيو: الصقر الموالي لـ “ترمب” من المخابرات للخارجية، شبكة بي بي سي عربي، https://bit.ly/2L3OwbO

[11]  من هو مايك بومبيو؟، قناة الحرة، https://bit.ly/2PsorEb

[12]  حقائق عن مايك بومبيو المتوقع أن يخلف وزير الخارجية الأميركي، وكالة رويترز، https://bit.ly/2UrKazz

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر