مركز سمت للدراسات دبلوماسية اللقاحات لا تؤتي ثمارها وحان الوقت لنهج جديد | مركز سمت للدراسات

دبلوماسية اللقاحات لا تؤتي ثمارها وحان الوقت لنهج جديد

التاريخ والوقت : الأحد, 12 سبتمبر 2021

Clara Ferreira Marques

 

كان من المفترض أن تكون لقاحات كوفيد -19 بمثابة فرصة دبلوماسية ذهبية للقوى العظمى والمنافسين الطامحين لجذب الأصدقاء – بالإضافة إلى الأعداء- المحتاجين لتلك اللقاحات. لكن الأمر ليس كذلك.

كانت روسيا أوَّل دولة أقرَّت استخدام اللقاح، والأكثر حماساً في تسويقه، لكنَّها أخفقت كثيراً في الوفاء بوعودها المفرطة في التسليم.

لقد قامت الصين بعملٍ أفضل في الارتقاء بتوفير اللقاح، لكنَّها واجهت شكوكاً حول الفعالية الأقل نسبياً لجرعاتها، حتى لو بدا أنَّها تصمد أمام السلالات المتحوِّرة الأكثر إزعاجاً.

في غضون ذلك، كانت الدول الغربية تقدِّم القليل جداً من اللقاحات حتى قبل بدء التدافع الحالي لتأمين جرعات إضافية.

صراع على النفوذ

لم تتحوَّل الجهود الثنائية المتناثرة، ولا الجهود العالمية المتواضعة إلى تأثير جيوسياسي حقيقي.

فمثلاً في جنوب شرق آسيا، ربما تكون أحد الأمثلة الصارخة، كونها منطقة حيوية استراتيجياً، إذ يبلغ عدد سكانها 670 مليون نسمة على أعتاب الصين، وقد كانت منذ البداية ساحة معركة مهمة بالنسبة للقاحات، إذ تتصارع جميع الأطراف على إحداث النفوذ أو التأثير.

لكنَّها الآن أيضاً في أشد الحاجة إلى اللقاحات. بعد بداية واعدة في 2020، ضربت سلالة متحوِّرة المنطقة خلال الأشهر القليلة الماضية.

فيتنام، التي لم تسجل وفيات خلال الأشهر الأولى من الوباء، واحتوت الإصابات في معظم عام 2020، على الرغم من حدودها مع الصين، انتقلت حالياً من أقل من ألف حالة إصابة يومياً في أوائل يوليو إلى أكثر من 12 ضعفَ هذا الرقم بحلول أوائل سبتمبر، مما أجبرها على فرض حالة إغلاق شديدة القسوة لمدينة “هو تشي منه”. حصل أقل من 3% من سكان فيتنام على التطعيم الكامل.

تتعافى إندونيسيا حالياً من أحدث موجة إصابة مدمِّرة لها، لكنَّها قامت بتحصين ما يزيد قليلاً على 13%.

الصين تفرض وجودها

ليس صحيحاً أنَّه تمَّ تجاهل المنطقة. في الواقع، جعلت الصين توفير اللقاح أولوية منذ البداية.

حرص وزير الخارجية الصيني وانغ يي على السفر في يناير- ليس من قبيل الصدفة، قبل تنصيب الرئيس الأمريكي جو بايدن – وقدَّم وعوداً سخية بتوفير لقاحات التطعيم إلى جانب تعهدات بإقامة مشروعات البنية التحتية والاستثمارات الأوسع، بما في ذلك دعم الشريك الرئيسي إندونيسيا لتصبح مركزاً لإنتاج اللقاحات.

خلال محطته في جاكرتا، أطلق الرئيس جوكو ويدودو حملة التطعيم في البلاد بلقاح “سينوفاك” الصيني الصنع.

تمثِّل منطقة جنوب شرق آسيا ما يقرب من ربع المبيعات العالمية للصين، وقد اشترت جميع دول المنطقة تقريباً جرعات، أو تلقَّت تبرعات من الصين.

قال الزعيم الكمبودي هون سين، الذي كان حذراً في البداية، في خطاب ألقاه في مايو: “إذا لم أعتمد على الصين، فعلى من سأعتمد؟”.

مع ذلك؛ فإنَّ المردود ليس واضحاً. لم يكن هناك تغيير جذري في الموقف بشأن القضايا التي تهم بكين حقاً، على سبيل المثال، مثل مطالباتها بحقوقها في المياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي.

لم يكن دعم الفلبين كافياً لمنع الرئيس رودريغو دوتيرتي من تجديد اتفاقية عسكرية ذات أهمية استراتيجية في نهاية شهر يوليو، التي تحكم وجود القوات الأمريكية في البلاد.

القوة الناعمة لم تنجح

لا تعمل دبلوماسية اللقاح في فراغ. نهج القوة الناعمة لبكين لم يحل محل النوع القديم، كما حدث عندما نشرت الصين زوارق عسكرية قبالة الساحل الماليزي، وهو عرض للقوة أجبر البلاد على إرسال الطائرات أو التباري بها.

هناك حقيقة أبسط، وهي أنَّ اللقاحات لا تعدُّ فعالة بالقدر نفسه.

في حين يدرك المواطنون والحكومات أنَّهم ليسوا في وضع يسمح لهم بالانتقاء، من الصعب ألا تلاحظ أنَّ هون سين الذي يشعر بالامتنان قد أخذ جرعة “استرازنيكيا” عندما حان الوقت، أو أنَّ المئات من العاملين في مجال الرعاية الصحية في إندونيسيا، الذين تمَّ تطعيمهم بـ “سينوفاك”، أصيبوا بالمرض.

تحدث طفرة الإصابات بالفيروس، لكنَّها بالكاد ساعدت موقف بكين. أعطت تايلاند الشهر الماضي عشرات الآلاف من الأطباء الذين تمَّ تطعيمهم بـ “سينوفاك” جرعة متابعة من لقاح “فايزر- بيونتيك”.

لكن عندما تعثَّرت جهود الصين، هل كان أداء الدول الأخرى أفضل؟ الجواب بلا شك هو: لا.

وعود روسيا

اليابان، إحدى الدول المانحة والمستثمرة بشكل رئيسي في المنطقة، أنجزت أو تحرَّكت بمستوى أقل من قدراتها، ربما لأنَّها ليست منتجاً مهماً للقاحات، وتكافح مع حملة التلقيح الخاصة بها.

لقد رأت روسيا بالتأكيد الفرصة، وقدَّمت وعوداً كبيرة، لكنَّها اتبعت ذلك بقليل من الشحنات في حين تصارع مشكلات الإنتاج.

قالت فيتنام- علماً أنَّها أهم شريك لها في المنطقة، ودولة مستوردة رئيسية للأسلحة- في أوائل يونيو، إنَّها ستتلقى 20 مليون جرعة من لقاح “سبوتنيك في” 2021.

ذكرت مذكرة على موقع وزارة الصحة على الإنترنت في أوائل أغسطس أنَّها تلقَّت 12 ألف جرعة، وهو رقم لا يذكر في بلد يبلغ عدد سكانه حوالي 100 مليون نسمة.

الولايات المتحدة، التي تكافح للحاق بالركب في المنطقة بعد سنوات من الإهمال في ظل الإدارة السابقة، كان أداؤها أفضل، إذ قدَّمت بشكل واضح مساهمات تقول: “بدون شروط ملحقة”.

لكن حتى الإيماءات السخية على ما يبدو – يضيف حالياً ما يصل إلى 6 ملايين جرعة تمَّ التبرع بها لفيتنام، على سبيل المثال – بمثابة قطرة في محيط بمنطقة غير محصَّنة بشكل كبير، وتحتاج إلى إمدادات وفيرة، وليست مجرد تبرعات خيرية.

هذا النوع من الكمية، كما قال لي بن بلاند من معهد لوي في سيدني، هو ثمن مقعد على طاولة دبلوماسية اللقاح، وليس تذكرة النصر.

طريق طويل

من السابق لأوانه الاتصال بالفائزين أو الخاسرين عندما يتعلَّق الأمر بدبلوماسية اللقاحات. إنَّ مسار الوباء سيكون طويلاً، خاصة في الاقتصادات الناشئة.

يفصل تشونغ جا إيان، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية في جامعة سنغافورة الوطنية، بين المدى القصير والمدى الطويل – للتسليم الفوري للجرعات المتبرَّع بها أو المباعة من جانب- ومن ناحية أخرى، تأثير تلك السنوات من الإمدادات المعززة، ودعم القدرة الإنتاجية والمساعدة في مراقبة الصحة العامة.

ستجلب البنية التحتية مكافآت دبلوماسية طويلة الأمد، كما أنَّ أفضل طريقة لبنائها يكون عبر جهد تعاوني، وليس كإيماءات ثنائية.

التأثير الجيوسياسي، في نهاية المطاف، يتطلَّب النجاح.

 

المصدر: صحيفة الشرق “بلومبيرغ”

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر