دبلوماسية الديون الصينية

التاريخ والوقت : الأحد, 28 أبريل 2019

مارك جرين

 

يجتمع عددٌ من الزعماء من جميع أنحاء العالم هذا الأسبوع في العاصمة الصينية “بكين” لحضور المنتدى الثاني لـ”مبادرة الحزام والطريق”، وهو مؤتمر يعرض المبادرة الدبلوماسية الصينية الموقّعة. لكن هؤلاء القادة في حاجة لأن يكونوا واضحين في رؤيتهم تجاه جهود الصين لاستخدام “مبادرة الحزام والطريق” (BRI) من أجل توسيع نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي الذي يهدد الدول النامية المثقلة بالديون غير المستدامة مع زيادة اعتمادها على الصين.

إن حقيقة أن البلدان الفقيرة تعاني من الديون ليست مؤكدة، ولكن بعد سنوات من الجهود الناجحة لتخفيف أعباء الديون، ومنها تلك التي تكون عبر برنامج الإعفاء من الديون الذي يعدُّ الأكبر في التاريخ، والذي بدأ في عهد الرئيس الأميركي “بيل كلينتون”، والذي تقدمت به إدارة “جورج دبليو بوش” أمام المجتمع الدولي، يعني أنها تتجه مرة أخرى بالديون إلى مستوى الخطر. وعلى عكس ما سبق، فإن الأصول الاستراتيجية للبلدان النامية، مثل: مواردها، والودائع المعدنية، وحقوق الوصول إلى الموانئ، وما شابه ذلك، كل ذلك أصبح هدفًا من قبل الدائنين كضمان للعديد من هذه الصفقات المفترسة للفقراء.

والواضح أنه في كثيرٍ من البلدان الفقيرة، يرتبط الجزء الأكبر من الديون المُرهقة بمصدر واحد لها وهو الصين. فوفقًا لدراسة أجراها صندوق النقد الدولي (IMF)، غطت الفترة ما بين 2013 و2016 ، تضاعفت مساهمة الصين في الدين العام للبلدان الفقيرة المُثقلة بالديون من 6.2% إلى 11.6%. فالإقراض الصيني يتوسع أكثر من خلال “مبادرة الحزام والطريق” (BRI). إذ يلاحظ العديد من المراقبين عدم وجود الجدوى الاقتصادية لبعض مشاريع تلك المبادرة، وهو ما يرجع جزئيًا إلى أن الدافع وراء هذه المبادرة هو رغبة الصين في تحفيز اقتصادها، بالإضافة إلى الحصول على الأصول الاستراتيجية، وتحويل وضعها الاقتصادي إلى نفوذ سياسي واستراتيجي في الدول المستفيدة.

وفي مثل هذا السيناريو، فإن الفوائد الاقتصادية للمشاريع الصينية المدفوعة بالديون لسكان الدول المتلقية تعتبر فكرة حديثة. بجانب ذلك، فإن غياب الشفافية في برامج الإقراض الصينية يحجب مخاطره على البلدان المتلقية، التي يعاني الكثير منها بالفعل من أزمات مالية. لكن إخفاء المخاطر لا يلغي عواقبها، فعندما تفشل البلدان النامية التي تعاني من تعثرات مالية تعيقها من سداد القروض لمشاريع بمليارات الدولارات، يمكن أن يؤدي ذلك إلى فقدان الأصول الاستراتيجية، والعقبات الرئيسية التي تعترض التنمية الاقتصادية، وفقدان السيادة.

فعلى سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى أزمة سداد الديون الصينية المرتبطة بقرض استخدم في مشروع ميناء جديد في مدينة “هامبانتوتا” عام 2017، إذ وقعت سريلانكا على عقد إيجار لصالح الصين مدته 99 عامًا، وتستخدمه “بكين” كقاعدة استراتيجية للبحرية الصينية. وفي جيبوتي، ارتفع الدين العام إلى حوالي 80% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، إذ تمتلك الصين نصيب الأسد بتلك الديون، ما يعرض البلاد لخطر كبير بسبب أزمة الديون.

ذلك أن وجود القاعدة العسكرية الأولى والوحيدة للصين في الخارج في جيبوتي، إنما يعدُّ نتيجة حتمية مقصودة وليست مصادفة. ففي أماكن أخرى بإفريقيا، تعاني كلٌّ من: “بوروندي” و”تشاد” و”موزمبيق” و”زامبيا” من أزمة ديون، أو أن تلك الدول تتعرض لخطر كبير، وهو الوضع الذي تتفاقم فيه ممارسات “الإقراض المفترس” في الصين.

وعلى النقيض من ذلك، تعهدت الدول المانحة التقليدية التي تنتمي إلى “نادي باريس”، وهي مجموعة من الدائنين السياديين بما في ذلك الولايات المتحدة و21 دولة أخرى، بدعم علاقة مختلفة مع الدول الفقيرة. إذ التزم أعضاء “نادي باريس” بتوفير حلول مستدامة للسداد بالنسبة للدول المدينة، وتوفير إمكانية تخفيف مناسبة للديون إذا تعهد المدين بإصلاحات لاستقرار واستعادة وضعه الاقتصادي الكلي والمالي.

هنا نشير إلى أن الصين لا تدعم ممارسات الإقراض المستدامة والشفافة المعترف بها عالميًا؛ لأن “نادي باريس” يوفر الشفافية والاستدامة المالية، إذ ستقوم “بكين” بتبادل الديون مقابل الأصول الاستراتيجية للبلد. ذلك أنها تقف خارج الأطر الدولية التي تعمل تحت مظلة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتعزيز الشفافية، والتي تعمل على تحسين عملية صنع السياسات، والحيلولة دون وقوع أزمات الديون، ومكافحة الفساد.

وفي ظل إدارة ترمب، تركز الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، على مبادرات التنمية الرامية لمساعدة البلدان فيما تسميه “رحلة الاعتماد على الذات”. وكما يتضح من استراتيجية إفريقيا للإدارة، فإن “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” ترغب في تقديم المساعدة، إذ تتبنى الدول الشريكة إصلاحات وتتصدى للتحديات اللازمة لها لتحقيق أول اعتماد على الذات، ومن ثَمَّ الازدهار.

وعلى ذلك، فإن استراتيجية الأمن القومي للرئيس دونالد ترمب، تشدد على أن تنمية القطاع الخاص في الاقتصادات الناشئة تعدُّ أفضل بديل للنهج الذي تقوده الدولة.

ونتيجة لذلك، فقد وافق الكونغرس على الاقتراح الذي تقدم به الرئيس لزيادة قدرة الولايات المتحدة على توفير تمويل شفاف ومستدام من خلال مؤسسة تمويل دولية جديدة تابعة للولايات المتحدة، وقد أجرت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية تحولًا ثقافيًا وعمليًا كبيرًا لتوسيع نطاق الشراكة مع القطاع الخاص، وكذلك العمل على تحقيق نتائج طويلة الأمد ومستدامة.

وبالنظر إلى الأدلة التي تؤكد أن الإقراض الصيني يفرض أعباءً غير مستدامةٍ على الدول الضعيفة على مستوى العالم، فإن الوقت قد حان لكي يُصِرَّ قادة العالم على ضمان أن كافة المشاريع تلتزم بأفضل الممارسات المعتمدة دوليًا بشأن الشفافية والاستدامة المالية، والتأكد من أن المُقرِضين يعتمدون معايير عمالية وعملية حوكمة بيئية حديثة، بالإضافة إلى مشروعات مخصصة للتنمية.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مجلة السياسة الخارجية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر