“داعش” في أفغانستان: قراءة فيما بين السطور غير الواضحة

التاريخ والوقت : الخميس, 26 مارس 2020

كبير تانيجا

 

هناك بعض الاختلافات التي يمكن رؤيتها بوضوح بين تصورات التهديد المرتبطة بـ”داعش”، المجموعة المركزية، وولايتها المفترضة في أفغانستان.فقد أدى توقيع اتفاق “السلام” بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في 29 فبراير في الدوحة بقطر، إلى تسريع وتيرة العودة إلى التيار الرئيس في طالبان التي أطيح بها من السلطة في عام 2001 في أعقاب حرب واشنطن ضدها.

ومع ذلك، فإن طالبان التي كانت تقف على أرضية تفاوضية متميزة عام 2002 يبدو لديها فهم قوي للسياق العام على جبهات متعددة مقارنة بالولايات المتحدة وحلفائها الذين يقاتلون الجماعة منذ أكثر من 19 عامًا. وفي خضم “الحرب اللانهائية” الأميركية في أفغانستان، فقد أضاف صعود تنظيم “داعش” في العراق وسوريا بُعدًا جديدًا لـ”الحركات الجهادية العالمية”. وكان لـ”داعش” تاريخ مع أفغانستان، حيث كان يدير الرئيس السابق لتنظيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي معسكرات تدريب في جنوب أفغانستان، وقدم البيعة لقائد تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في عام 2004.

ومنذ التوقيع على اتفاق الدوحة، فمن الواضح بشدة أن الولايات المتحدة تريد خروجًا من أفغانستان، حيث أضحت أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات في العديد من القضايا التي كانت غير قابلة للتفاوض في السابق. وفي الأيام التي أعقبت الاتفاق، قال قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال “فرانك ماكنزي” إنه بخلاف هذا الاتفاق، فإن الولايات المتحدة تقدم أيضًا “دعمًا محدودًا جدًا” لطالبان في مواجهة متمردي تنظيم ولاية خراسان الإسلامية، وهي الولاية المفترضة لـ”داعش” في أفغانستان.

لقد كان الكشف عن الجنرال “ماكنزي” أمرًا مذهلاً، بحسب ما ذكرته إدارة ترمب التي اعتبرته جزءًا من استراتيجيتها للتخفيف من موقف طالبان لقبول جزء من شروطها إلى جانب تبني خطاب أكثر توافقًا مع الخطاب الأميركي. أمَّا الجنرال “أوستن س. ميللر”، قائد العمليات العسكرية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في أفغانستان، فقد أثنى في مارس من العام الماضي على طالبان بشأن موقفها من مواجهة “داعش” والذي يتقارب مع الموقف الأميركي، حيث قال: “يمكننا مواصلة القتال، لكن سيقتل بعضنا بعضًا، أمَّا معًا فسيمكننا القضاء على داعش”. ومن المثير للاهتمام أن النص الذي تمَّ التوقيع عليه أخيرًا بين الولايات المتحدة وطالبان يذكر أنه يجب مواصلة الضغط على ولاية خراسان في أفغانستان، وتنظيم القاعدة، حتى تقترب من موقف طالبان.

ومع ذلك، هناك بعض التناقضات التي يمكن رؤيتها بوضوح بين تصورات التهديد لـ”داعش”، الجماعة المركزية، وولايتها المفترضة في أفغانستان التي تبدو اليوم أكثر قوة وتمويلاً، والتي تضاءلت إقليميًا، بعد وفاة قائدها أبي بكر البغدادي في أكتوبر من العام الماضي. وفي الواقع، يمكن القول إن صعود تنظيم ولاية خراسان التابع لـ”داعش” لم يكن له علاقة تذكر بأيديولوجية “داعش”، كما أنه استفاد من الصراع الداخلي بطالبان. فيقول الباحث “أنطونيو جيوستوزي” إن مثل هذا الاضطراب داخل الجهاديين في أفغانستان وداخل طالبان ليس من غير المألوف لسببين رئيسيين هما: الصراع الداخلي على السلطة، وتقاسم وتوزيع الغنائم (المال والأرض والمقاتلين). وقد كان “المؤسس” المفترض لولاية خراسان، هو زعيم طالبان السابق، الملا عبدالرؤوف، الذي غيّر الكثير بداخل التنظيم في عام 2014 من خلال تواصله مع بعض المقاتلين الباكستانيين والأفغان.

وقد أظهرت الأحداث أن تنظيم ولاية خراسان تطور بسرعة وقام بتنفيذ هجمات كبيرة في كابول، معقل طالبان، في حين لم يكن لهذه الجماعة الجديدة في الواقع أي وجود  يُذكر. وفيما بين 2014 – 2018، كانت كابول هي ثاني أكثر الأماكن استهدافًا لولاية خراسان بعد معقلها الإقليمي في مقاطعة “ننكرهار”، حيث شهدت العاصمة ما مجموعه 52 هجومًا أعلنت ولاية خراسان مسؤوليتها، وكان من بينها 38 هجومًا انتحاريًا، مما أسفر عن مقتل 744 شخصًا وجرح 2092. وتظهر أهمية اكتساب القدرة على مهاجمة كابول عند مقارنتها بالهجمات التي شنها تنظيم ولاية خراسان في “ننكرهار”، ونفذ في نفس الوقت 119 هجومًا في المقاطعة، وهو ما يعدُّ أكثر من ضعف الهجمات التي تعرضت لها كابول، مما أسفر عن مقتل 437 شخصًا، أي ما يقرب من نصف عدد القتلى الذين سقطوا في العاصمة الأفغانية.

وتضيف دراسة حديثة أجراها معهد أفغانستان للدراسات الاستراتيجية (AISS)، بُعدًا إضافيًا على الهيكل الافتراضي لتنظيم ولاية خراسان، إذ إنه يضم خليطًا من أعضاء التنظيمات المختلفة مثل طالبان باكستان،  وشبكة حقاني، وتنظيم “داعش” بباكستان، وأعضاء الحركة الإسلامية لأوزبكستان (IMU) وغيرها من المجموعات والقادة المحليين الأكثر تشرذمًا، والقادة الذين باتوا يسيطرون على معظم المواقع لتنظيم ولاية خراسان في الوقت الراهن. وربَّما يبرز تقرير معهد أفغانستان للدراسات الاستراتيجية بشكل صحيح أن الجوانب الجيوبولويكيتية، وليس الأيديولوجية هي التي توجه تحركات وعمليات تنظيم ولاية خراسان. كما يسلط التقرير الضوء على جانب مهم من تشكيل الجماعة، وهو الخلافات الداخلية بين قادة مجلس شورى طالبان، الذي يعرف بـ”بيشاور شورى” أو”ميران شاه شورى”، وكذلك شبكة حقاني التي اعتبرت أن تنظيم ولاية خراسان هو جماعة جهادية شرعية، في حين أن مجلس شورى كويتا، الذي يمكن القول بأنه الجناح الأقوى، قد اقترب من الجماعة بطريقة يكتنفها الشك والغموض. وعلى ذلك، اتسعت الفجوة وتزايدت الخلافات، بعد أشهر قليلة من فتح طالبان مكتب الدوحة في يونيو 2013 وفتح قنوات اتصال مباشرة مع الولايات المتحدة وطالبان. لذا، سيكون المسار المستقبلي لتنظيم ولاية خراسان أمرًا يصعب التنبؤ به، بخاصة مع إمكانية وجود قيادة أكثر ميلاً من الناحية الجيوسياسية للجماعة المدعومة بقوة قتالية، مقارنة بالناحية الأيديولوجية.

فمن المتوقع أن تعمل باكستان على إبقاء بعض الجماعات تعمل في أفغانستان تحت سيطرتها، وذلك لأسباب جيوسياسية في المقام الأول، وأسباب دينية أيضًا. فهذه المنطقة ستظل نقطة التقاء للعديد من المصالح، سواء كانت لصالح دول أو غيرها، إلا أن إمكانية وجود مثل هذه الجماعات لا تزال قوية في بيئة جنوب آسيا، لا سيَّما تحت راية جهادية قوية مثل تنظيم “داعش”. وهو ما سيثبت في نهاية المطاف أنه مجرد صراع على السلطة الذي يجري داخل أفغانستان نفسها، وأنه إذا لم يكن تنظيم ولاية خراسان اليوم، فسيكون هناك أي كيان آخر تحت اسم آخر غدًا.

لقد جاءت الانتصارات التي حققها تنظيم ولاية خراسان بالتوازي مع ازدهار تنظيم “داعش” في الشرق الأوسط. ومع ذلك، ربَّما يمكن القول أن وضعه اليوم قد تغير بشكل كبير عما كان عليه بين عامي 2014 و2015، حيث كانت باكستان قد بدأت، وفقًا لبعض الحسابات، في دعم الهياكل العليا لتنظيم خراسان من خلال تقديم الأسلحة والمال، مما تسبب في معارضة ضد أولئك الذين انحازوا إلى باكستان والذين يحاولون البقاء مخلصين للتنظيم “داعش” المركزي.

إن الولايات المتحدة التي تحاول دعم طالبان ضد تنظيم ولاية خراسان تسير في إطار سياسة قصيرة النظر، حيث لن يؤدي ذلك إلى إلحاق الضرر بالشعب الأفغاني فقط، بل إنها ستضيف بؤرة خلل أخرى لأمن جنوب آسيا.

كما أن ذلك يعزز لعبة باكستان في المنطقة، حيث قد ينتهي بها الأمر إلى السيطرة على نفوذ داخل تنظيم “داعش”، وقد تعمل على دعم قادة موالين لها ضد الفصيل الآخر. كما أن هذا الوضع سيكون له تأثير ضار على مصالح الهند، مع العلم أن نيودلهي تعتمد على الغطاء الأمني للولايات المتحدة في البلاد لتعزيز أجنداتها الخاصة، وأن هذا الوضع يقترب حاليًا من نهايته. وسواء كانت طالبان تقود تنظيم “داعش” أم لا، فإن باكستان والجماعات الإرهابية التابعة لها هي التي ستخرج فائزة على الأرجح.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مؤسسة المراقب للأبحاث

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر