خطة سلامة.. وإرهاب قطر وتركيا

التاريخ والوقت : الأربعاء, 31 يوليو 2019

إميل أمين

 

وكأن جنرالات الحرب القابعين خلف أبواب المدن الليبية لا سيما طرابلس، يقرأون إرادة المجتمع الدولي بشكل معكوس، ويمضون عكس اتجاه الرياح في كل الأوقات، فهم لا يقيمون لليبيا أو لشعبها وزنا، إن لديهم خططهم الإرهابية الساعين إلى نشرها، علهم بذلك يجدون لهم موقعا أو موضعا على خارطة الشطرنج الإدراكية الإقليمية والعالمية.

لم يكد المبعوث الدولي إلى ليبيا الدكتور غسان سلامة ينهي مؤتمره الصحفي الذي عقده بشأن الأوضاع في ليبيا من مقر الأمم المتحدة، والذي أكد فيه على حتمية وقف إطلاق النار من كافة الأطراف، إلا وكانت القوات الميليشياوية الليبية، في طرابلس وتحت قيادة السراج وحكومة اللاوفاق، تمارس إرهابها الدموي بسرعة فائقة، فيما يمكن اعتباره الجواب السريع على مناشدات سلامة وخطته لليبيا.

المبعوث الأممي، العربي الأصل، القادر على فك شفرات العقلية العربية، سيما أن الرجل عاش بلده لبنان عقدا ونصفا في حرب أهلية طاحنة، لم يجد بعدها المتقاتلون سوى مائدة الطائف للحوار لحل إشكالهم الدموي الذي طال، قدم لكافة الأطراف رؤية تنطلق من هدنة تبدأ مع أيام عيد الأضحى المبارك، عسى أن يتبعها اجتماع دولي جديد من أجل التوصل إلى مؤتمر وطني شامل.

والشاهد أنه على الرغم من أن سلامة قد ناقش خطته مع الجانبين الليبيين المتناحرين، على أمل أن يبزغ على البلاد فجر جديد، يصون وحدة الأراضي الليبية، وسلامة أبنائها ووقف إهراق الدماء، إلا أنه بدأ شبه متيقن من أن “النزاع المسلح في ليبيا، لا يظهر أي علامات على التراجع”.

حكماً هناك قيود تفرضها المهمة على البروفيسور سلامة، حيث يحاول جاهداً أن يضحى على مسافة واحدة من كافة الأطراف المتناحرة، غير أن مفرداته كانت في واقع الحال معبرة عما يجري، وإن لم يفصح شفاهة عما يجول في صدره، غالباً، وفي لحظات قليلة كان لا بد له من الإقرار بواقع الأزمة.

ألقى الدكتور سلامة باللوم الواضح والفاضح على جانب حكومة السراج، تلك التي تتشدق بالوفاق، في حين أنها أبعد ما تكون عن السعي إليه، ومرد لوم وتقريع سلامة، أن طرابلس تصر إصراراً مؤامراتياً على إجراء انتخابات في وسط هذه الأجواء غير الطبيعية، ما يبطل مفعولها ويمنع فائدتها، بل يعمق الأمر الشرخ في الجدار الوحدوي الليبي، بين شرق وغرب.

كاد سلامة أن يشير بأصابع الاتهام إلى الدورين التركي والقطري، إذ أكد على أن ليبيا وأراضيها الشاسعة والواسعة قد أضحت ساحة لتجارب تكنولوجية عسكرية جديدة، عطفاً على إعادة تدوير الأسلحة القديمة التي امتلأت بها مخازن الأسلحة.

كلمات سلامة تقودنا إلى فهم منشأ ومصدر الطائرات المسيرة التركية والقطرية التي وصلت إلى ايادي جماعات الإرهاب الليبي، التي تحركها وتمولها الدوحة وأنقرة، هذا فيما يخص الأسلحة الحديثة، التي يجري اختبارها في وسط جحيم الحرب الأهلية الدائرة هناك، أما القديمة فيكفي المرء قصص السفن المليئة بالعتاد التقليدي والتي يتم ضبطها في موانئ ليبيا، أو الفتك بها في عرض البحر من قبل الدول المجاورة التي تعي ما يجري هناك.

المبعوث الأممي تحدث وبما لا يدع مجالا للشك عن السرقة والنهب اللذين يحدثان أمام أعين العالم كله من جانب طرابلس والسراج، أولئك الذين وضعوا أياديهم على البنك المركزي الليبي، وجيروا عائدات النفط الليبية إلى صالح معسكرهم الانشقاقي، وإهدار أموال الليبيين على المرتزقة من جهة، وعلى تيارات الإسلام السياسي، لا سيما الإخوان ومن لف لفهم من جهة ثانية.

خطة الوسيط الأممي د. سلامة لن تجد لها طريقا للنجاح طالما صم المجتمع الأممي آذانه عن سماع حقيقة القصة التي تحدث هناك، وأغلق أعينه تجاه رؤية الأهداف الاستراتيجية للأتراك والقطريين معا.

أهداف عدة آثمة تجمع الطرفين الموصومين بالإرهاب منذ زمان وزمانين، أهداف تبدأ من عند محاولة إحياء الأمل بعودة عجلة التاريخ إلى الوراء، بمعنى بث الروح في سيطرة الأصوليات الظلامية التابعة للدوحة وقطر على مقدرات المنطقة، بعد أن خسرت الجلد والسقط في الأعوام التي تلت 2013 حين أسقط المصريون الإخوان المسلمين.

ثوران أردوغان القاتل تجاه مصر واضح للجميع منذ عقود طوال، أما شهوات قلب الدوحة الشريرة لجهة مصر، فحدث عنها ولا حرج، وكلاهما يود تصدير الإرهاب الليبي إلى مصر والانتقام من الذين أفشلوا مشروع العثمانية الجديدة، والخلافة الوهمية لأردوغان وشركائه.

الدكتور سلامة أشار صراحة في خطته هذه المرة إلى أن ما يجري على الأراضي الليبية، يجعل من ليبيا موقعا وموضعا لصراعات بالوكالة، فيما الأخطر هو تحول ليبيا إلى حاضنة إرهاب أممية تهدد الجميع.

الدور القطري الموصول بالإرهاب في القارة الإفريقية، لن يجد أفضل من ليبيا مدخلا إلى عمق القارة السمراء، ولهذا يعتبرها فرصته الأخيرة مهما كلفه الأمر من مليارات الشعب القطري، وما كشفت عنه النيويورك تايمز في الأيام القليلة الماضية عن الدور القاتل للقطريين في الصومال يؤكد صدقية استنتاجنا هذا.

الآغا العثمانلي الموتور، بالشراكة مع القيادة القطرية الفاقدة توازنها، يعلمون تمام العلم مقدار الخسائر التي يمكن أن تصيبهم حال تحولت مصر إلى مركز للطاقة العالمية، حيث كافة مسارات الغاز الطبيعي المكتشف في حوض البحر الأبيض المتوسط تصب الآن لدى مصر، ومنها إلى أوربا، ما يعني أن تركيا وقطر ستفقدان الكثير من مربعات النفوذ التقليدي الخاص بامتلاكهما لأسباب القوة المالية، أو آليات نفوذ الطاقة.

لا أحد يستمع إلى سلامة، هذه هي الحقيقة، ولا تبدو هناك إرادة دولية حقيقية لوقف تدفق الأسلحة، والجميع يدرك حالة لعبة الأمم الليبية الآنية، ومآلاتها التي حذر منها، والإشارة كانت واضحة جدا للجانب الأوروبي، الذي ساهم في إشعال المعركة، لا سيما فرنسا، وحين تطلب الأمر رجال إطفاء تعامى الجميع عن النظر إلى ليبيا الضحية.

بالنص يقول سلامة إن منصات إطلاق الصواريخ انتقلت إلى ليبيا بدعم من حكومات أجنبية … ولم يكمل في إفصاحه، غير أن اللبيب بالإشارة يفهم من هي تلك الحكومات، والسؤال إذا كان الجميع يراقب فلماذا يتم السماح بمرورها؟

الدول المؤثرة في المشهد الليبي التي طالبها السيد سلامة بالعمل على وقف النزاع، حاضرة في الحال والاستقبال، ولكن ماذا يمكن لها أن تفعل وخلف الباب أرواح مختطفة لفرص السلام، ونفوس لا تعرف إلا سفك الدماء وإشعال أوار المعارك؟

لن تفلح الهدنة، ولن يجدي مؤتمر البروفيسور سلامة، طالما بقي المجتمع الدولي عاجزا عن كبح جماح قوى الظلام من الدوحة إلى أنقرة… تلك هي المسألة.

 

المصدر: العربية.نت

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر