مركز سمت للدراسات خطة انبعاثات الكربون في أوروبا تهدد بإلحاق المزيد من الضرر بنظام التجارة العالمي | مركز سمت للدراسات

خطة انبعاثات الكربون في أوروبا تهدد بإلحاق المزيد من الضرر بنظام التجارة العالمي

التاريخ والوقت : السبت, 14 أغسطس 2021

أعلن الاتحاد الأوروبي، مؤخرًا، عن خطته “فيت فور 55″، التي تهدف إلى خفض مستويات انبعاثات الكربون بنسبة 55% عن مستويات عام 1990 بحلول نهاية هذا العقد، وتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050.

إن التزام الاتحاد الأوروبي والقوى الصناعية الكبرى الأخرى بأهداف مماثلة لخفض الكربون، سوف يستلزم اضطرابًا بالأنماط الراسخة بالإنتاج العالمي والتجارة الدولية على نطاق لم نشهده منذ الثورة الصناعية.

تعتبر ضريبة حدود الكربون أمرًا محوريًا في خطة الاتحاد الأوروبي، إذ تعتزم أوروبا فرض رسوم جمركية أعلى على واردات المنتجات المصنعة بطرق تنتج انبعاثات أكثر مما يُسمح لمنتجي الاتحاد الأوروبي بإنتاجها لنفس السلع، وسيبدأ المخطط بالتركيز على أربع صناعات بارزة ذات الانبعاثات الكربونية الكثيفة، وهي: الأسمنت، والصلب، والألمنيوم، والأسمدة.

تعمل الولايات المتحدة على تطوير خطتها الخاصة لفرض ضرائب على الواردات ذات الانبعاثات الكربونية الكثيفة كجزء من حزمة تسوية الميزانية المعلقة من أجل تسريع تمريرها عبر الكونجرس، على الرغم من أن تفاصيل تلك الخطة غير واضحة.

هذه من بين عدد من القيود التجارية الأخرى قيد النظر من كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل إجبار الامتثال الدولي على حماية العمال وحقوق الإنسان والأهداف الاجتماعية والسياسية الأخرى، بما في ذلك الأمن القومي.

لقد أثيرت العديد من الأسئلة حول تنفيذ مقياس الاتحاد الأوروبي لتعديل حدود الكربون، فضلاً عن الجوانب العملية لجعل مثل هذه المخططات تعمل دون انتهاك قواعد التجارة الأساسية، ولكن الشاغل الرئيسي هو كيفية مقارنتها بالمبادئ المركزية التي تحكم نظام التجارة العالمي.

يتعرض نظام التجارة العالمي، الذي يدعم الحماية ضد المعاملة التمييزية والإكراه في التجارة الدولية، للهجوم من عدة جهات. كما أن التجارة المُدارة، التي تبنتها إدارة “ترمب” في حربها التجارية ضد الصين وقلّدتها الصين في حربها التجارية ضد الولايات المتحدة واستخدام الإكراه التجاري لأغراض سياسية (ضد أستراليا، وغيرها)، قد أطلقتها أكبر دولتين بالعالم اقتصاديًا.

يُعدُّ عدم التمييز مبدأ أساسيًا من مبادئ نظام التجارة الحرة لمنظمة التجارة العالمية، كما هو منصوص عليه في المادة الأولى من الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات)، وبإمكان تعريفات الكربون التي يفرضها الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى، أن تضع مزيدًا من الضغط على هذا المبدأ وتهدد بإغراقه بالكامل، فمع سلاسل التوريد وسياسات خفض الانبعاثات المختلفة عبر الولايات القضائية المختلفة، سيكون تطبيقها حتمًا معقدًا ومعرضًا لسوء الاستخدام.

قد تبدو جميع التدابير الرامية إلى الحد من انبعاثات الكربون في الغلاف الجوي، أو تحسين حقوق الإنسان في شين جيانغ أو ميانمار أو حماية ظروف العمل في بنغلاديش، أسبابًا اجتماعية دولية معقولة إلى حد كبير، إن لم تكن كذلك بالفعل. فيؤدي استخدام أدوات التجارة لتحقيقها إلى اقتصاد عالمي مقسوم على الأيديولوجية والقيم المتنازع عليها والالتزامات البيئية التي تُحمل تكاليفها على عاتق الآخرين المتنبئين بها.

سيكون هذا العالم – بلا شك – عالمًا أقل كفاءة، إذ يجب على الشركات أن توفق قرارات الاستثمار والإنتاج وفقًا لقيم البلدان التي يرغبون في البيع لها، وسيكون عالمًا يتسم بالكثير من الصراع الاقتصادي.

وكلما زادت الاستثناءات من مبدأ عدم التمييز المضمنة بالنظام التجاري، كان من الأسهل توسيعها في المستقبل، لأن الطريق إلى هذا النوع من التجارة المُدارة محفوف بالمخاطر ويؤدي إلى مزيد من الحمائية الضارة.

تعهد الاتحاد الأوروبي بألا تنتهك آلية ضريبة الكربون الحدودية الجديدة قواعد منظمة التجارة العالمية، ولكن من المرجح أن يكون التنفيذ صعبًا جدًا، فإن طرق تقييم محتوى الكربون في الواردات غير واضحة وستقوم شركات الاتحاد الأوروبي بالضغط من أجل الحصول على أعلى تعريفات ممكنة لحماية أسواقها. إن خطر التمييز الحمائي من خلال التعريفات الجمركية على استيراد الكربون أعلى في الولايات المتحدة، فلا يوجد حتى الآن سعر محلي للكربون.

يقول “كين هايدون”: “تُظهر خطة الاتحاد الأوروبي مخاوف بشأن تسرب الكربون وسباق غير مؤكد إلى حد كبير نحو القاع مع تحول الإنتاج إلى بلدان ذات لوائح انبعاثات أقل صرامة”.

فوفقًا لـ”هايدون”، فإن من الصعب التنبؤ بالنتائج النهائية ومدى تشويه التجارة العالمية، وستعتمد على عاملين رئيسيين هما: مدى تحول المصدرين المتأثرين بعيدًا عن أوروبا إلى الأسواق الأخرى، ومدى دمجهم لتكاليف الكربون في صادراتهم، أو مدى اعتبار الاتحاد الأوروبي أنهم قد فعلوا ذلك.

ما هو واضح هو أن الإجراءات سيكون لها تأثير كبير على المنتجين في آسيا والمحيط الهادئ، الذين – كما يشير “هايدون” – هم أكبر المصدرين للقطاعات الأربعة المستهدفة بمراحل كبيرة، إذ ستُلغي الإعانات تدريجيًا وستُنفذ الحماية الحدودية ضد تجارة الألمنيوم والأسمنت والأسمدة والصلب بين عامي 2025 و2035. ومن المرجح أن القيام بذلك دون تمييز بين البلدان كما هو مطلوب من منظمة التجارة العالمية، سيكون أكثر صعوبة.

إن صعوبة قياس الكربون المنبعث من الواردات الخاضعة للضريبة، لا سيَّما تلك التي تدخل ضمن سلاسل التوريد المعقدة، وتحديد مدى فرض الحكومات الأجنبية بالفعل ضرائب على مثل هذه الانبعاثات، ستجعل من الصراع التجاري أمرًا حتميًا تقريبًا، فستشتكي البلدان والشركات المستهدفة من أنها تُعامل ظُلمًا وستُفرض تعريفات ثأرية، بالإضافة إلى أنه سيكون من الصعب السيطرة على الصراع التجاري نظرًا لخطورة الإدانات المعنية.

نظرًا للاعتداء على نظام التجارة العالمي، فإن السياسة البيئية، مثل خفض دعم الوقود الأحفوري، وزيادة الاستثمار العام في التكنولوجيا البيئية، بدلاً من تدابير السياسة التجارية التي تشوه التجارة، هي الطريقة الأكثر كفاءة والأقل ضررًا على مستوى النظام للتعامل مع انبعاثات الكربون.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدرeastasiaforum

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر