حدود النفوذ الروسي

التاريخ والوقت : السبت, 17 أكتوبر 2020

لوك كوفي

 

لقد مر ما يقرب من 30 عامًا على انهيار الاتحاد السوفييتي، وهو الحدث الذي وصفه الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” ذات مرة بأنه “أعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”.

لكن الرئيس الروسي لم يتخلَّ أبدًا عن فكرة أن لروسيا مكانة خاصة بين الدول التي كانت ذات يوم جزءًا من الاتحاد السوفييتي. فمنذ وصوله إلى السلطة عام 1999، حاول تعظيم نفوذه في الدول الأعضاء السابقة في ذلك الاتحاد.

وللقيام بذلك، اعتمدت موسكو على العلاقات الثنائية الرئيسية وأشكال الرعاية السخية. بالإضافة إلى ذلك، تمَّ إنشاء منظمات متعددة دعمتها روسيا لربط دول الاتحاد السوفييتي سابقًا وتعظيم النفوذ الروسي في المنطقة.

فعلى سبيل المثال، يمكن وصف منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO)، التي تأسست عام 2002، باعتبارها ردًا روسيًا على الناتو. كما يركز الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وهو مشروع آخر تقوده موسكو، على تعميق التعاون الاقتصادي بين بعض البلدان التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفييتي.

وعندما لا تسير الأمور على ما يرام بالنسبة للكرملين، لا يُستبعد استخدام القوة العسكرية مطلقًا. ففي عام 2008، قامت روسيا بغزو جورجيا واستمرت في احتلال 20٪ من ذلك البلد. وفي عام 2014، قامت موسكو بغزو أوكرانيا، وضمت شبه جزيرة القرم بشكل غير قانوني، كما أنها تؤيد الحرب الدائرة في الجزء الشرقي من ذلك البلد. وتحتفظ روسيا بقواتها في منطقة “ترانسنيستريا” الانفصالية في مولدوفا. كما أنها تحتفظ بقاعدة عسكرية كبيرة في أرمينيا.

في الوقت الراهن، تبدو روسيا منهكة وتتأرجح من أزمة إلى أخرى. وخير مثال على ذلك هو القتال الدائر بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم “ناغورنو كاراباخ.” فبعد وقف إطلاق النار في عام 1994 في المنطقة التي تحتلها أرمينيا، لم تتجرأ أذربيجان أبدًا على استعادة المنطقة خوفًا من تدخل روسيا. وفي غضون ذلك، تبنت أرمينيا، التي كانت تتوقع دائمًا من موسكو أن تساعدها، موقفًا استفزازيًا للغاية في السنوات الأخيرة.

وقد قررت أذربيجان، بعد أن استشعرت المراوغة الروسية بشأن هذه المسألة، أن الوقت قد حان للتحرك. وبدأت القيادة في “باكو” بالقتال، وقد صرح “بوتين” أن روسيا لن تأتي لمساعدة أرمينيا في “ناغورنو كاراباخ”، على الرغم من أن كليهما عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

ويثار السؤال حاليًا: هل ستثق أي دولة أخرى باتفاقية دفاعية مع روسيا مرة أخرى؟ علاوة على ذلك، أبدت كازاخستان وقيرغيزستان، الدول السوفييتية السابقة العضوتان في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، تعاطفهما مع موقف أذربيجان في هذه القضية، وهو ما يعدُّ ضربة لمكانة روسيا في آسيا الوسطى.

وبجانب ذلك، يمكن النظر إلى حالة بيلاروسيا. فقد أساء “بوتين” إدارة علاقاته مع ما يجري في هذا البلد بشكل واضح. إذ يبدو مؤيدًا لروسيا، وهو التوجه الذي تشترك فيه إلى حد كبير النخبة الحاكمة والمعارضة السياسية على حد سواء.

فمنذ الانتخابات التي تواجه اعتراضات وشبهات بالتزوير والتي أجراها الرئيس “ألكسندر لوكاشينكو” في أغسطس الماضي، شهدت بيلاروسيا احتجاجات جماهيرية أدت إلى عدم استقرار البلاد. لكن موسكو لم تبذل أي محاولة لحل النزاع الانتخابي. وبدلاً من ذلك، انحاز الكرملين إلى “لوكاشينكو”، الذي يتمسك بالسلطة باستخدام عنف الشرطة والتكتيكات الاستبدادية. وفي الواقع، أعلنت روسيا، مؤخرًا، أن زعيمة المعارضة البارزة “سفياتلانا تسيخانوسكايا”، الموجودة حاليًا في المنفى في ليتوانيا، مجرمة وأصدرت أمرًا باعتقالها.

وبدلاً من دعم مستقبل بيلاروسيا لما بعد “لوكاشينكو”، ربطت موسكو نفسها بالماضي الذي هيمنت عليه. وعلى المدى الطويل، قد يؤدي ذلك إلى خروج بيلاروسيا من المدار التقليدي لروسيا. إذ يمكنها فقط أن تخلق صورة سلبية عن روسيا في عيون معظم السكان.

كما وضعت عواقب المغامرات العسكرية الروسية خارج حدودها عبئًا ثقيلاً على خزينة الدولة، ولا سيَّما ما يتعلق بضم شبه جزيرة القرم. فمنذ عام 2014، أنفقت روسيا ما بين مليار دولار و2.7 مليار دولار سنويًا على دعم المنطقة. لكن ذلك لا يشمل فواتير مشاريع البنية التحتية الضخمة التي تكبدها دافع الضرائب الروسي، مثل جسر “كيرتش” الذي يربط البر الرئيسي لروسيا مع شبه جزيرة القرم، والذي انتهى بتكلفة 4 مليارات دولار تقريبًا.

كما أن رعاية موسكو لإقليمَي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، الواقعتين تحت الاحتلال الروسي في جورجيا، تضع ضغوطًا مالية على خزائن موسكو. وكما هو الحال مع شبه جزيرة القرم، أنفقت روسيا مليارات الدولارات على شكل إعانات لكلتا المنطقتين. ومع كل التحديات الاقتصادية في الداخل، يجب على المواطن الروسي العادي أن يتساءل عما إذا كان كل هذا يستحق ذلك.

وربَّما يكون أحد أسباب عجز “بوتين” عن اتباع سياسة خارجية ناجحة في الاتحاد السوفييتي السابق هو أنه مشتت بسبب العديد من المشاكل في الداخل. ذلك أن انخفاض أسعار النفط والركود الاقتصادي، و”أزمة كوفيد ــ 19″ التي لم تتحسن بعد، والاحتجاجات السياسية في مدن معينة، كل ذلك يجعل صانع القرار في روسيا مشغولاً بدرجة كبيرة.

وبغض النظر عن الأسباب، تظل الحقيقة أن نفوذ روسيا في عالم ما بعد الاتحاد السوفييتي آخذ في التقلص. إذ يبدو أن موسكو غير قادرة على ممارسة أي تأثير ذي مغزى وتفتقر إلى القدرة على إنهاء النزاعات في محيطها. بل عندما تتدخل روسيا فإنها غالبًا ما تقف إلى جانب الفريق الخاسر، كما هو الحال مع بيلاروسيا، أو تزيد الأمور سوءًا، كما هو الحال مع أذربيجان وأرمينيا.

ونادرًا ما تعرضت قوة روسيا وسلطتها في كثير من دول الاتحاد السوفييتي السابق للتشكيك أو التحدي. لكن بعد 30 عامًا، تجد دول الاتحاد السابقة لنفسها أصواتًا خاصة وتسعى لممارسة سيادتها.

بالنسبة لروسيا، فقد تغير الزمن ولم تعد الأساليب القديمة لممارسة النفوذ صالحة في الوقت الراهن. ليبقي السؤال الذي يفرض نفسه حاليًا: هل بالإمكان أن يغير “بوتين” منهجه؟

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: عرب تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر