مركز سمت للدراسات سياسة الرئيس الأميركي جو بايدن الخارجية | مركز سمت للدراسات

حان الوقت للتحلي بالصراحة إزاء عقيدة بايدن

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 23 نوفمبر 2021

آن ماري سلوتر

 

بعد مرور عام على انتخاب الرئيس بايدن، بدأت ملامح سياسته الخارجية تتكشف أمامنا، والتي يدور ملمحها الأساسي حول فكرة أن لديه شيئاً لكل مجموعة.

فيما يخص الواقعيين المهتمين بتوازن القوى، وقف بايدن في مواجهة الصين من خلال العمل بشكل أوثق مع «الرباعية» – الهند وأستراليا واليابان والولايات المتحدة – في الوقت الذي يؤسس محوراً بريطانياً – أسترالياً – أميركياً جديداً من خلال إبرام صفقة غواصات تحت مظلة تحالف «أوكوس»، بغض النظر عن مدى رداءة إدارة هذه الصفقة.

أما الليبراليون الدوليون، فقد قدم لهم بايدن خطوة إعادة التعامل مع المؤسسات العالمية، ذلك أنه عاود الانضمام إلى منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس التي ترعاها الأمم المتحدة للحد من التغيرات المناخية، علاوة على تأكيده من جديد على الالتزام بحلف شمال الأطلسي (الناتو).

وبالمثل، سعى بايدن لإرضاء أولئك الذين يدافعون عن سياسة «ضبط النفس» في استخدام القوة العسكرية الأميركية، من خلال وضع نهاية «الحروب الأبدية» الظاهرة على الأقل.

وفيما يتعلق بنشطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان الملتزمين سياسة خارجية قائمة على القيم، من المقرر أن يستضيف بايدن قمة من أجل الديمقراطية الشهر المقبل. علاوة على ذلك، صعدت الإدارة من خطابها وجهودها بشأن قضايا حقوق الإنسان، متهمة الصين بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية بسبب معاملتها لسكانها الأويغور، وفرضها عقوبات ضد العديد من المسؤولين عن الحرب والأزمة الإنسانية في إثيوبيا.

إلا أنه على أرض الواقع، عندما يحصل كل شخص على شيء ما، لا أحد يحصل على كل شيء. ولهذا السبب، كان من الصعب تحديد المبادئ الأساسية لرؤية بايدن تجاه العالم.

من ناحيته، أعرب ريتشارد هاس، رئيس «مجلس العلاقات الخارجية»، عن اعتقاده بأن بايدن يواصل العديد من سياسات دونالد ترمب القائمة على شعار «أميركا أولاً»، لكن في مظهر مختلف. أما جوشوا شيفرينسون، البروفسور في جامعة بوسطن، وستيفن ويرثيم، الزميل الرفيع في مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي، فيعتقدان أن «عقيدة بايدن» تقوم على «الواقعية البراغماتية»، بمعنى السعي وراء مصالح الولايات المتحدة «في ظل عالم تنافسي»، وتغيير المسار حسب الضرورة لضمان هذه المصالح.

وعند النظر إلى القيم في مجال السياسة الخارجية، يصر عدد متزايد من المراقبين على أن عقيدة بايدن الحقيقية تدور حول الحفاظ على «سيادة الديمقراطية»، وإرسائها في جميع أنحاء العالم. ويرى جوناثان تيبيرمان، رئيس التحرير السابق لدورية «فورين بوليسي»، أن «المنافسة العالمية بين الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية» توفر «مبدأً تنظيمياً» لربط الاستثمار في البنية التحتية والسياسة الصناعية في الداخل، واتباع سياسة خارجية للطبقة الوسطى والعاملة لبناء تحالفات للديمقراطيات في الخارج.

وربما يشعر بايدن بارتياح كامل إزاء وجود أكثر من عقيدة واحدة لديه، وربما يرى في ذلك دليلاً على براعته في التوفيق بين الدوافع المتضاربة والوصول إلى تسويات، تشكل سمته المميزة كسياسي يعي جيداً كيف ينجز الأمور.

وتكمن المشكلة هنا في أن التأرجح ما بين إطار عمل ومجموعة أهداف إلى أخرى دون وجود مجموعة واضحة من المبادئ والأولويات، قد يعجز على نحو هائل عن إنجاز التقدم الذي يحتاجه العالم في القضايا الوجودية. ما الفارق الذي سيحدث فيما إذا كانت الولايات المتحدة «تتفوق على الصين» إذا كانت مدننا تحت الماء، وتوقف تيار الخليج عن تدفئة شمال أوروبا والولايات المتحدة، وكان مئات الملايين من اللاجئين جراء التغييرات المناخية في حالة تحرك باستمرار؟ إذا دمرنا التنوع البيولوجي على هذا الكوكب؟ إذا مات ملايين الأشخاص جراء الأوبئة؟ إذا كان الناس في جميع أنحاء العالم لا يملكون الوسائل للازدهار والاعتناء ببعضهم البعض؟

اليوم، حان الوقت للتحرر من أسلوب تفكير القرن العشرين. قضى بايدن عقدين من السنوات الخمسين التي أمضاها في الحياة العامة خلال الحرب الباردة، وقضى عقداً ثالثاً خلال التسعينات في وقت كانت الولايات المتحدة قوة عظمى أولى دونما منازع. وخلال معظم هذه الفترة، تراجعت أهمية القضايا التي تخص «الناس»، وأصبحت بصورة أساسية محط دعاة حقوق الإنسان وخبراء التنمية، بينما كانت الدبلوماسية والدفاع مجالين حصريين للدول والجهود المرتبطة بالعلاقات الدولية.

وعليه، من الواضح أن الأطر والنماذج التي سادت تلك الحقبة، أياً كان نوعها، غير كافية ببساطة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، والمطلوب اليوم تفكير أكثر جرأة، وتفكير ينأى عن الدول، سواء كانت قوى عظمى أو قوى أقل، أو ديمقراطيات أو أنظمة استبدادية. لقد حان الوقت لوضع الناس في المقام الأول، ولرؤية العالم أولاً على أنه كوكب مكون من ثمانية مليارات شخص، بدلاً عن كونه نظاماً مبنياً بشكل مصطنع من 195 دولة، وقياس جميع إجراءات الدول من حيث تأثيرها على الناس.

وبدلاً عن التنافس مع الصين اليوم في قضية واحدة والتعاون غداً معها في قضية أخرى، يجب على بايدن إعطاء الأولوية للتعاون على صعيد القضايا العالمية والضغط على دول أخرى، بغض النظر عما إذا كانت ديمقراطيات أو أنظمة استبدادية أو أي شيء بينهما، للانضمام لجهود التعاون على هذا الصعيد.

يُعرف هذا النهج بالعالمية السياسية، التي اكتسبت سمعة سيئة بسبب ارتباطها بالعولمة، لكن في حقيقة الأمر تعد العالمية السياسية أقرب إلى المحلية، ذلك أنها تعني البدء بالناس، وأين يعيشون وما يحتاجون إليه، بغض النظر عن المربع الملون على الخريطة الذي ولدوا فيه. بوجه عام، يركز هذا النهج على الناس، وليس على الدولة، سعياً لحل المشكلات على نطاق عالمي. ولا يدعي هذا النهج أن الحكومات غير موجودة أو غير مهمة، ولكنه يرفض فكرة أن التنافس بين الدول مهم كغاية في حد ذاته.

تنظر العالمية السياسية إلى المسؤولين الحكوميين على أنهم مجموعة من الجهات الفاعلة التي يمكنها المساهمة إما في المشكلات العالمية أو الحلول العالمية. ومن أجل إحراز النجاح في حل المشكلات، يجب أن يعمل المسؤولون جنباً إلى جنب مع الشركات العالمية وشبكات المدن والجماعات المدنية والجماعات الدينية والجامعات والعلماء وغيرهم. وفي هذا الإطار، يجري النظر إلى هؤلاء الفاعلين ليس باعتبارهم مجرد «مساعدين» أو محفزين أو مكونات، وإنما باعتبارهم لاعبين أساسيين في السياسة العالمية.

اللافت أنه في بعض الأحيان يبدو أن بايدن يتحرك في هذا الاتجاه. على سبيل المثال، وضع الرئيس الأميركي في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) قائمة طويلة من المشكلات العالمية، من الصحة والتغييرات المناخية إلى غياب المساواة والفساد. من وجهة نظري، كان أعظم إنجازاته في السياسة الخارجية حتى الآن هو تأمين حد أدنى لمعدل ضريبة الشركات العالمية بنسبة 15 في المائة، ما يضمن أن الشركات في جميع أنحاء العالم تدفع على الأقل جزءاً من حصتها العادلة من أجل السلع العامة – من الطرق إلى قوانين الملكية الفكرية – التي تعتمد عليها وتعود بالفائدة على جميع المواطنين.

أيضاً، تتبنى إدارة بايدن نهج «يعتمد على جميع فئات المجتمع في جهودها لمكافحة التغيرات المناخية.
ومع ذلك نجد أن هدف بايدن الآخر – المتمثل في إنزال الهزيمة بالصين، أو على نطاق أوسع اصطفاف الديمقراطيات للتغلب على الأنظمة الاستبدادية – يقف عقبة في الطريق.

إن إغراء الدخول في المنافسة – التي غالباً ما تقف على حافة الصراع – مع قوة عظمى أخرى قوي للغاية، سواء لبايدن أو للمجموعة التي تشكل جوهر فريق السياسة الخارجية. جدير بالذكر هنا أن وزير الخارجية أنتوني بلينكن وجيك سوليفان مستشار الأمن الوطني، يعتبران من العناصر المخضرمة في إدارة أوباما التي شكلت ما أطلق عليه «محور آسيا»، مفهوم صممه وطوره بشكل كبير كورت كامبل، الذي أصبح الآن المسؤول الأول عن الشؤون الآسيوية داخل البيت الأبيض.

في الواقع، من منظور التفكير الجيوسياسي الذي ساد القرن العشرين، يبدو من المنطقي أن تدير إدارة بايدن علاقتها مع الصين باعتبارها علاقة تسعى الولايات المتحدة في إطارها خلف العديد من الأهداف المختلفة: الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية. في بعض القضايا، مثل المناخ أو الصحة، نسعى إلى كسب تعاون الصين. في المقابل نجد أنه في كثير من المجالات الأخرى، مثل التفوق العسكري وحرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي والتجارة العادلة وحقوق الملكية الفكرية والأمن السيبراني وحقوق الإنسان، تتطلب علاقتنا المنافسة والإكراه. وعليه، نواجه على نحو متكرر جدل المفاضلة المتكرر، حيث طالب المسؤولون الأميركيون الصقور تجاه الصين بأن لا يقدم كيري على أي تنازلات من أجل الفوز بتنازلات من الصين فيما يتعلق بالانبعاثات الكربونية، أو لتشجيعها على اتخاذ الإجراءات الأخرى الضرورية للحيلولة دون ارتفاع درجة حرارة الأرض.

من منظور الإنسان أولاً، يجب أن يكون إنقاذ الكوكب من أجل البشرية هدفاً له الأولوية على جميع الأهداف الأخرى. ويجب أن تدخل الولايات المتحدة في تحد علني في مواجهة الصين في إطار منافسة لمعرفة أي دولة يمكنها توفير البيئة الأكثر نظافة وأماناً لشعبها مع زيادة رفاهيتهم في الوقت نفسه. ما هي الدولة التي يمكنها بناء ونشر التقنيات النظيفة بشكل أسرع؟ ما هي الدولة التي يمكن أن تساعد معظم البلدان النامية على ترقية بنيتها التحتية والتخلص من الكربون؟

وينبغي أن يكون من الممكن وضع تدابير مشتركة لتقييم التأثير المناخي لاستثمارات الصين في إطار «مبادرة الحزام والطريق» مقابل «مبادرة بناء عالم» أفضل – مشروع لمجموعة البلدان السبعة الأكثر ثراءً – ومبادرة استثمارات «البوابة العالمية» التابعة للاتحاد الأوروبي والاتفاق على مجموعة من المنظمات غير الحكومية المكلفة تطبيق ونشر هذه المقاييس.

وفيما يتعلق بجائحة فيروس «كوفيد – 19»، إذا كان هدفنا الجماعي عن حق تطعيم وعلاج أكبر عدد ممكن من الأشخاص في جميع أنحاء العالم، فقد حان الوقت لتجاهل المشاحنات الجيوسياسية. في سبتمبر الماضي، جمعت قمة اللقاحات العالمية لإدارة بايدن أكثر عن 100 حكومة و100 جهة فاعلة عالمية إضافية للالتزام بتطعيم 70 في المائة من سكان العالم بحلول عام 2022، وقالت الصين إنها تعمل الآن مع 19 دولة لإنتاج اللقاحات، وتتعاون مع 30 دولة أخرى بشأن توزيع اللقاحات من خلال «مبادرة الحزام والطريق».

من جهته، اقترح الرئيس الصيني شي جينبينغ، مبادرة تعاون عالمية في مجال اللقاحات خلال قمة مجموعة العشرين الشهر الماضي، دون استجابة واضحة من الولايات المتحدة. ويبدو لي أن الصين وشركاءها يبذلون جهوداً، بينما تبذل الولايات المتحدة وشركاؤها جهوداً أخرى مغايرة.

في ظل الظروف العادية، تحدد الإدارات الأهداف وتحرص على قطع طريقها بحذر بين المصالح المتضاربة التي تشكل جوهر السياسة. بيد أننا لا نعيش في أوقات عادية. ومثلما يعي بايدن جيداً ويسعى بالفعل لإنجاز ذلك على الجبهة المحلية، فإنه قد حان الوقت لإقرار تغيير جريء وهائل في المسار. الحقيقة أن الرضا بتطعيم عدد أقل من الأشخاص على مستوى العالم فقط لإظهار التفوق الأميركي أو حتى الديمقراطي، لا يعدو كونه كارثة أخلاقية ستودي بنا جميعاً.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط خدمة نيويورك تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر