تيلرسون.. وزير بلا قضية‬

التاريخ والوقت : الإثنين, 1 يوليو 2019

ممدوح المهيني

 

بينما كان ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأميركي السابق، منهمكاً في تناول عشائه في أحد مطاعم واشنطن، أبلغه مالك المطعم، بأن على طاولة ليست بعيدة منه، يتعشى كوشنر ووزير الخارجية المكسيكي، إذا أراد إلقاء التحية. تيلرسون لم يكن على علم أن نظيره يزور العاصمة، وفي عشاء عمل بدون علمه في وقت مضطرب بين البلدين. اغتاظ تيلرسون وقرر الذهاب إلى الطاولة وإحراج من عليها. يحكي القصة بنفسه: “ألقيت التحية عليهم. تلوّن وجه كوشنر من الخجل. وضعت ابتسامة عريضة، وقلت لوزير خارجية المكسيك، اتصل عليّ عندما تزور واشنطن مرة أخرى!”‬.

واضح أن القصة حدثت في أسوأ مراحل علاقة تيلرسون بترمب، وهي المرحلة الأطول في الـ13 شهراً التي قضاها. شهر عسل قصير وبدأت بعده مرحلة ما قبل الطلاق الكئيبة التي تخللتها انتقادات وإهانات متبادلة بين الرجلين. فقد كان ترمب يرسل وزيره إلى آخر الدنيا محملاً برسائل معينة ويقوم بنقضها بمجرد أن تحط قدماه في المطارات. وأخرج ترمب القضية الفلسطينية الإسرائيلية من دائرة مسؤولية وزارة الخارجية، القضية التي يحلم كل دبلوماسي بحلها، وأوكلها لصهره. ولأول مرة بتنا نرى وزير خارجية أميركا مثل الصعلوك يهيم على وجهه في العالم بلا هدف. ويقال أيضاً إن تيلرسون وصف ترمب في اجتماع بوزارة الدفاع بالأخرق، الأمر الذي نفاه حينها. وفِي مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” لمح بشكل صريح لعنصرية ترمب بعد حادث دهس قام به أحد متطرفي البيض. ‬

‫‫العلاقة مدمرة حينما كان تيلرسون موظفاً في الإدارة، وازدادت سوءاً بعدها، وقال ترمب مؤخراً إن أسوأ قرار اتخذه هو تعيين تيلرسون، وتعمد إهانته، ووصفه بالغبي والكسول في تغريدات قاسية رداً على انتقادات تيلرسون المتكررة. وقصة العشاء لا يمكن أن تحدث بدون علم ترمب، وعلى الأرجح أنه طلب من كوشنر أن يتجاهله، في محاولة واضحة لإحراجه وتطفيشه من منصبه الذي أقيل بدون أن يعرف بتغريدة من ترمب وهو في عز النوم. واشتكى وزير الخارجية من رئيسه الذي يلح عليه بأن يكون مختصراً جداً في قضايا معقدة، ويكون غالباً قد اتخذ قراره مسبقاً قبل حتى أن يستمع لتقرير وزيره التفصيلي. وهذا صعب على شخصية عصامية ناجحة مثل تيلرسون صعد من عائلة متواضعة ليكون رئيس واحدة من أكبر الشركات بالعالم تحت إدارته يعمل أكثر من 80 ألف موظف وبأرباح تتجاوز الـ6 مليارات دولار. المدير التنفيذي الذي يقود بطريقة فردية وفوقية كان الجميع ينفذ أوامره، هو الآن محشور في مكتب مع رئيس لا يستمع له وإذا استمع لا يطبق. ‬

‫وبعد هذا الفشل الذريع والإهانات، وفي وداعه موظفي الخارجية، لمعت عينا تيلرسون بالدموع وارتجف صوته وهو يحذرهم من الأرواح اللئيمة في واشنطن، وهو بالطبع يقصد ترمب.‬

لكن من يتحمل الخطأ؟ ربما الاثنان. من الغريب أن ترمب عين تيلرسون بدون أن يعرفه جيداً قبل الوظيفة. رشحه وزير الدفاع السابق روبرت غيتس كخيار مناسب لترمب الذي يبحث عن شخصيات من خارج المؤسسات في واشنطن. التقاه مرة وعينه وانتهى الأمر.

تيلرسون الذي كان على وشك التقاعد كان متشككاً من صلاحيته لولا نصيحة زوجته الإيجابية بـ”عليك فعلها. أقبل العرض”، التي اتضح أنها نصيحة سيئة هشمت سمعته وشكلت صورته بذاكرة الناس كوزير محطم ومطرود وليس مدير فذ لشركة عملاقة. ومن ضمن ما قيل حينها أن ترمب اختاره بسبب علاقاته القوية مع زعماء شكلها بحكم ترؤسه لشركة ايكسون موبيل العملاقة. بإمكانه استغلال هذه العلاقات الفريدة والخروج بصفقات تخدم مصالح بلاده. هذا أكثر تفسير منطقي لوضع رجل لم يشتغل في السياسة والدبلوماسية في منصب يفوق تأثيره وأهميته عشرات الزعماء حول العالم. واختيار ترمب له يكشف أيضاً أن الرئيس لم يكن يملك حينها عقيدة راسخة للسياسة الخارجية بعيداً عن الشعارات التي يطلقها في الحملات الانتخابية، وإلا كيف يمكن تعيين شخص لا ينسجم معه في المزاج الشخصي ولا حتى القضايا الدولية الكبيرة. ‬

‫‫غلطة ترمب باختياره تظهر مع الوقت مع تكشف شخصية تيلرسون الذي يملك صفات جيدة ليست المهارات الدبلوماسية إحداها. وتروى عنه قصص مثيرة للإعجاب عندما كان مديراً لشركة النفط. ‬تيلرسون كان مفاوضاً حازماً في عالم النفط وصريحاً، حيث يذكر تقرير في مجلة “النيويوركر” أن وزيراً يمنياً كتب له أثناء مفاوضات معه رقم حسابه السويسري على ظهر البزنس كارد وإلى جانبه رقم 5 ملايين دولار ومدها له، طالباً رشوة مالية حتى ينهي الصفقة، ولكن تيلرسون رفض طلبه مباشرة ونهره. وفي عام 2013 تمسك تيلرسون بموقفه المخالف لإدارة أوباما وحكومة المالكي المعترضتين على اكتشاف حقول نفط جديدة في كردستان خشية دفع الإقليم للانفصال. تمسك تيلرسون بموقفه ورضخت إدارة أوباما.

لكن في السياسة شيء آخر. بدا رجلاً بلا قضية ولا رؤية سياسية للعالم، ولم ينسجم مع رؤية الإدارة بل معارضاً لها ومهاجماً في بعض الأحيان. بدل أن يخدم أجندة إدارة ترمب، أضرها، وظهر كعقبة يصعب التخلص منها، يهاجم رئيسه أكثر من الزعماء الآخرين. لا يختلف معه في الأفكار فقط ولكن لا يتردد في التلميح بأنه شخصية دنيئة بلا كوابح أخلاقية. ولهذا شذ عن الجماعة وتم تجاهله عمداً، وعدم اطلاعه على ملفات مهمة حتى يحين الوقت للتخلص منه الذي لم يدم طويلاً. وقصة تجاهله في العشاء جاءت في وقت حسم ترمب قراره في طرده وكان ينتظر فقط أن يرتب بديله.‬ ‬

وعندما نقول إن تيلرسون رجل بلا قضية ويعمل بعقلية تكنوقراط صالحة لمناصب وزارية محلية لا تهتم بالشأن الخارجي (على الأرجح أنه سيكون وزيراً ناجحاً لو سلمت له وزارة الطاقة أو الصحة)، يمكن مقارنته بخلفه مايك بومبيو. الوزير الحالي شخص مسيس يملك رؤية واضحة للعالم، ويدرك المخاطر الكبيرة التي يشكلها النظام الإيراني للمنطقة، وقدم مناقشة سياسية عميقة خلال الأعوام الماضية على أهمية تركيعه أو التخلص منه. في المقابل، تيلرسون يملك نظرة تبسطية ومختلفة حتى عن نظرة فريق الرئيس السابق أوباما المبنية على منطلقات أيديولوجية معينة تنزع لليسار. تيلرسون فاحش الثراء ليس يسارياً ولكن بدا كهلاً نكداً وعنيداً بلا مواقف سياسية واضحة هي من صميم عمل أي وزير خارجية. ‬

‫‫ومن خلال هذا الخليط من انعدام الخبرة وغياب الرؤية السياسية، يمكن أن يفهم حديثه الأخير عن المقاطعة لقطر التي تعامل معها بطريقة سطحية متعجلة كما فعل مع الموضوع الإيراني. وقد أشار لذلك وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، أنور قرقاش، الذي قال إن تيلرسون كان يبحث عن” حل سريع وسطحي لا يراعي المشاغل الحقيقية للدول الأربع حول دعم الدوحة للتطرف والإرهاب والتدخل في الشأن الداخلي”. حول تيلرسون المسألة إلى خصومات شخصية وتجاهل المسألة الأكبر والأخطر وهي أن سلوك الدوحة التخريبي يتسبب بزعزعة المنطقة منذ فترة طويلة. وأثبت مقاطعوها أنهم على حق ونحن نرى معدلات التطرف تنحسر في منطقة لا يمكن أن تتحرر من الإرهاب وتتقدم ودعاة التكفير والتنظيمات المتشددة يحصلون على الدعم المالي السخي من الدوحة. ‬

‫لكن لا يلام تيلرسون المنضبط غير المؤدلج القادم من عالم حقول النفط وأسعار البراميل المتأرجحة، وغير المهتم بالسياسة وصراعاتها وتياراتها الفكرية. هي غلطة ترمب الذي عينه ولكنه صححها سريعاً والجميع الآن سعيد. ‬

 

صحفي سعودي*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر