تصويت أوروبا المنقسم حول التغيير: خمسة دروس من الانتخابات البرلمانية للاتحاد الأوروبي

التاريخ والوقت : السبت, 8 يونيو 2019

بريتا بيترسن

 

اتسمت الانتخابات البرلمانية الأوروبية بكونها معقدة ومختلفة. فهي مختلفة لأن البرلمان الأوروبي ليس هو الهيئة الأساسية لصنع القرار في الاتحاد الأوروبي، كما أنه ليس لديه سيطرة على الميزانية. وعلى الرغم من أسطورة “بروكسل” باعتبارها دولةً خارقةً، فإن جانبًا كبيرًا من السيادة لا تزال الحكومات الوطنية تحتفظ به. ولهذا السبب ينظر الأوروبيون لتلك لانتخابات باعتبارها عملية أكثر سهولة. وفي الوقت نفسه، تتعلق الحملات الانتخابية بموضوعات وطنية، كما أن نتائج الانتخابات غالبًا ما تمثل أحكامًا على أداء الحكومات الوطنية، بدلاً من التركيز على العمل في بروكسل، لكن ذلك الوضع ليس في كل الأحوال، وهو ما يجعل قراءة انتخابات البرلمان الأوروبي أكثر تعقيدًا.

ومع ذلك، يمكننا الوقوف على بعض الدروس المهمة التي تضمنتها الاستفتاء الذي جرى خلال الانتخابات التي أجريت في الفترة من 23 إلى 26 مايو 2019.

الدرس الأول: أوروبا مهمة

فقد أدرك الناخبون أهمية أوروبا، ما أدى إلى توقف 50.5% بعد تنامي الوعي بضرورة إيقاف التوجهات السلبية التي بدأت عام 1994 عندما بلغت المشاركة 56.67%، ثم انخفضت نسبة المشاركة تدريجيًا منذ ذلك الحين إلى أن وصلت إلى أدنى مستوياتها عام 2014 فكانت 42.54%. وحتى في عام 2019، نجد أن الأرقام تختلف بشكل كبير؛ ففي حين ذهب 89% من البلجيكيين إلى صناديق الاقتراع، فإن 23% فقط من السلوفاك شاركوا في التصويت. وتقع نسبة المشاركة في معظم الدول ما بين 40 و60%، حيث تبلغ النسبة أعلى مستوياتها في الدول الأعضاء القدامى بالاتحاد، مثل: الدنمارك 66%، وإسبانيا 64%، وألمانيا 62%. أمَّا في أوروبا الشرقية، فلم تتجاوز النسبة 50% (رومانيا 49%، وبولندا والمجر 43% لكل منهما). وبخلاف ما هو متوقع، فإن المشاركة المرتفعة نسبيًا في بلدان، مثل: فرنسا (51%)، وإيطاليا (56%) حيث لم تتوقف صعود الأحزاب الشعبوية اليمينية فيها.

الدرس الثاني: الأوروبيون يريدون التغيير

وهي الرسالة الأكثر أهمية؛ فالناخبون يريدون التغيير، لكنهم منقسمون عند اتجاهات وحدود هذا التغيير. فكلتا المجموعتين الكبيرتين التقليديتين بالبرلمان الأوروبي تراجعتا، وهما: حزب الشعب الأوروبي في اليمين الوسط الذي حصل على 178 مقعدًا بانخفاض 38 مقعدًا عن حصته السابقة، وكتلة حزب الوسط الاشتراكي والديمقراطي التي حصلت على 147 مقعدًا بتراجع بلغ 38 مقعدًا.

ولقد كان الفائزون هم تحالف الليبراليين والديمقراطيين من أجل أوروبا، بقيادة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” الذي حصل على 101 مقعد بزيادة 32 مقعدًا، وتحالف أحزاب الخضر الأوروبية التي حصلت على 70 مقعدًا بزيادة 20 مقعدًا، وكذلك التحالف الشعبوي اليميني بقيادة “ماثيو سالفيني” (تحالف الشعوب والأمم) الذي حصل على 71 مقعدًا بزيادة 35 مقعدًا. وقد تأثرت هذه المكاسب بقوة بالتطورات الوطنية المختلفة في الدول الأوروبية. ويعود نجاح تحالف “أحزاب الخضر” بشكل أساس إلى المكاسب الضخمة لحزب “الخضر” في ألمانيا. كما اكتسب الليبراليون أساسًا نتيجة لإدراج حركة “ماكرو” (الجمهورية إلى الأمام)، والشعوب اليمينية، وبخاصة حزب الرابطة الشمالي، بقيادة “سالفيني”، وخسرت “ماري لوبان” وحزبها الشعبوي اليميني مقارنة بالأصوات التي حصلت عليها عام 2014.

وبالتالي ستكون هناك حاجة إلى 376 مقعدًا لضمان الأغلبية، لكن هذا لا يبدو في الأفق. وبدلاً من ذلك، سوف يهيمن على البرلمان الأوروبي الجديد ائتلافات جديدة ومتغيرة، ما سيجعل صفقات الباب الخلفي القديمة أكثر صعوبة، وهو ما يعدُّ مؤشرًا جيدًا. ونتيجة لذلك، فمن غير المرجح أن يتأكد فوز المرشح الرئيس لمنصب رئيس المفوضية الأوروبية، “مانفريد ويبر”، و”جان كلود يونكر” في هذا المنصب. فالحزب المسيحي الديمقراطي خسر مع تراجع المستشارة الألمانية بنحو 8%. وبالتالي سيكون لأحزاب الخضر، والجمهورية للأمام والليبراليون كلمتهم في السباق من أجل الحصول على المنصب الأوروبي الأعلى، ويمكن أن يصبحوا أيضًا من كبار المشاركين في التنظيم الأوروبي.

الدرس الثالث: الشعبويون اليمينيون لا يمكن التصدي لهم

يشكل الشعبويون اليمينيون رابع أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي الجديد؛ وذلك بعيد كل البعد عن حلم “ماثيو سالفيني” بأن يصبح أقوى كتلة، على الرغم من أن حزبه “الرابطة الشمالي” قد ساهم بقوة بنسبة 33٪ في تحقيق هذا الهدف. وبالنسبة لعددٍ من الدول الأخرى، فإن نتائج اليمين الشعبوي تمثل حقيبة مختلطة. فقد حققت “مارين لوبان” وحزبها “الجبهة الوطنية” 23.3% بما يتفوق قليلاً على حزب “الجمهورية للأمام” الذي يقوده الرئيس “إيمانويل ماكرون” الذي حصل على 22.4%، فيما يعدُّ هزيمة لـ”ماكرون” بدلاً من أن يكون انتصارًا لـ”مارين لوبان”. وفي ألمانيا، تمَّ إيقاف صعود اليمين حيث حصل على 11% فقط، وفي هولندا حصل على 4.1%، والنسما 3.17%. ومع ذلك يظل اليمين الشعبوي يشكل قوة في البلدان التي يشكلون فيها حكومات بالفعل مثل المجر التي حصلوا فيها على 56%، وبولندا التي حصلوا فيها على 42.4%.

الدرس الرابع: الشرق هو الشرق والغرب هو الغرب

ويعني ذلك أيضًا أن أوروبا الشرقية والغربية منقسمتان أكثر من أي وقت مضى، وهذا بالتأكيد سببٌ يدعو للقلق. ففي حين أن معظم دول أوروبا الغربية صوتت لصالح الرغبة في التغيير، إلا أن الدعم القوي للشعبوية اليمينية في الشرق يدل على أن المجر وبولندا لديهما الآن فكرة مختلفة جوهريًا عن أوروبا مقارنة ببقية دول الاتحاد الأوروبي؛ وهو ما يؤدي إلى إبطاء عملية التكامل الأوروبي في العديد من المجالات ذات الصلة بالمشهد العالمي المتغير مثل التعاون الأمني ​​الأوروبي والسياسة تجاه الصين، وكذلك في القضايا الحاسمة المتعلقة بكيفية التعامل مع اللاجئين ومنطقة اليورو.

الدرس الخامس: رغم خروج بريطانيا لكنها ستظل أوروبية

يظهر فوز حزب “بريكسيت” بقيادة “نايجل فاراج” بنسبة 31.6% ضد بقية كتلة الديمقراطيين الأحرار الذين حصلوا على 20.3%، أنه لا يزال بإمكان أنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حشد الناخبين بشكل أفضل من غيرهم باستثناء إسكتلندا التي شهدت معارضة شديدة لـ”بريكسيت”. وينطوي ذلك على نتيجة تكشف أنه لا يوجد تراجع في عقارب الساعة، لكن الأمر الذي يبدو حقًا مثيرًا للاهتمام هو أن المملكة المتحدة تبقى في التيار الرئيسي الأوروبي عندما يتصل الأمر بالخسارة التي منيت بها دول المركز. فقد حصل حزب المحافظين على نسبة 9.1% وحصل حزب العمال على نسبة 14.1%.

استنتاج

كانت انتخابات البرلمان الأوروبي التي أجريت، أخيرًا، بمثابة دعم للعملية الديمقراطية في أوروبا، ما أعطى الناخبين حكمًا واضحًا ومميزًا تجاه الأحزاب التقليدية بأنهم يريدون مزيدًا من الشفافية والمزيد من المشاركة. فإذا نجح الفائزون في هذه الانتخابات وهم الليبراليون والخضر في الضغط من أجل اتخاذ قرارات وإعلان قدر أكبر من المساءلة، وتعلم الأحزاب التقليدية الدروس الصحيحة من خساراتهم، فإن أوروبا سوف تكون قادرة على التغلب على أزمتها الحالية والخروج منها بقوة. أما إذ لم يكن الأمر كذلك، فإن قوات الطرد المركزي تنمو بشدة. فاليمين الشبعوي سوف يكون بعيدًا عن الهزيمة، ذلك أنه لا يزال لديه القدرة على الفوز بالانتخابات في الدول الكبرى، مثل: فرنسا وإيطاليا والمجر وبولندا، وهي الدول التي لها تأثير كبير حتى إذا كانت خارج منظومة الحكم. فأوروبا أصبحت في وضع أفضل مقارنة بعام 2014، ولكنها لا تبدو في وضع جيد بعد.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: أوراسيا ريفيو

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر