مركز سمت للدراسات ترمب في المملكة.. أسباب استراتيجية لحسم ملفات مصيرية | مركز سمت للدراسات

ترمب في المملكة.. أسباب استراتيجية لحسم ملفات مصيرية

التاريخ والوقت : الجمعة, 19 مايو 2017

 عبدالرحمن كمال

 

يختلف تمامًا عن أي رئيس سابق، ولا نعتقد أننا سنرى شبيهًا لاحقًا، يصعب معرفة ما يفكر فيه، ويندر التكهن بخطوته المقبلة، لكن تبقى هذه الخطوة دائمًا محل الاهتمام والترقب.. إنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

قرَّر ترمب أن تكون أولى جولاته الخارجية، بعد توليه مهام منصبه، للمملكة العربية السعودية، كاسرًا كل القواعد والبروتوكولات الأمريكية الرئاسية كعادته، ليثبت من جديد أننا أمام عقلية لا تربط نفسها بكلاسيكيات السياسة الأمريكية وستنقلب بوضوح على إرث أوباما.

لماذا السعودية؟

رغم صعوبة معرفة خطوات ترمب، إلا أننا سنحاول هنا أن نقرأ ما وراء زيارته للمملكة العربية السعودية، قلب العالم الإسلامي، كأولى محطاته الخارجية، في الوقت الذي يُتَّهم فيه الرئيس الأمريكي بالعداء للمسلمين!

السبب الأكثر وضوحًا الذي لا يختلف عليه كثير من المتابعين والمحللين، هو الدور الاستراتيجي المؤثر الذي لعبته المملكة خلال السنوات الماضية، ما جعلها تتفرد بصدارة المنطقة، وتزيح دولاً من هذه الصدارة، بينما آثرت دول أخرى السير في ركاب المملكة.

وإذا كانت منطقة الشرق الأوسط هي أكثر الأماكن سخونة في العالم، وتزداد أهميتها يومًا بعد الآخر، فمن الطبيعي، بل ومن المنطقي جدًا أن تكون أول زيارة للرئيس الأمريكي الجديد إلى المملكة العربية السعودية، باعتبارها مفتاح الحل في أزمات وصراعات المنطقة.

وإذا كان ترمب سينقلب على إرث أوباما كما هو واضح للجميع، فمن الطبيعي أيضًا أن تعود منطقة الشرق الأوسط إلى بؤرة الاهتمام الأمريكي مرة أخرى، في حين كان أوباما يرغب في التركيز على دول جنوب شرق آسيا ودول الجنوب الإفريقي. وجميعنا نذكر حوار أوباما مع دورية “ذي أتلانتيك” في أبريل 2016، عندما دعا دول الشرق الأوسط إلى التعايش، ملوحًا بأن بلاده “ستخلع” يدها من مشكلات المنطقة.. لكن ترمب لن يلتزم بهذا المبدأ.

مستشار الأمن القومي هربرت ريموند ماكماستر، ساق في تصريح نقلته “CNN” سببًا يؤكد ما قلناه آنفًا، حيث قال ماكماستر إن جولة ترمب، التي تبدأ من السعودية، “لها 3 أهداف رئيسية: أولاً، إعادة التأكيد على دور أمريكا القيادي في العالم. وثانيًا، مواصلة بناء علاقات قوية مع زعماء رئيسيين في العالم. وثالثًا، توصيل رسالة واحدة لأصدقاء أمريكا وأتباع الديانات الثلاث الكبرى في العالم”.

كما نقلت “CNN” عن مصادر مطلعة قولها إن ترمب يأمل خلال جولته الأولى أن يعبر عن ثقته بحلفاء أمريكا التقليديين، إذ ترى إدارة ترمب أن إدارة سلفه باراك أوباما تجاهلتهم، في إشارة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وتجنب زيارة إسرائيل خلال رحلته الأولى للمنطقة عام 2009.

دور محمد بن سلمان

لا يصح أن نحاول تحليل زيارة ترمب للمملكة بمعزل عن الخطوة المهمة التي قام بها لواشنطن، والتي لم ينتج عنها تصحيح العلاقة السعودية الأمريكية ووضعها في المسار الصحيح فقط، بل أضاف لها ثقلاً استراتيجيًا وسياسيا واقتصاديًا غير مسبوق في تاريخ العلاقة.

وكان من نتائج زيارة ولي ولي العهد أن تكون السعودية أول دولة يزورها رئيس أمريكي في بداية فترته الرئاسية، وهو أمر له دلالات هائلة لدى النسيج السياسي الأمريكي والعالمي، فالمملكة انتقلت من دولة منتجة ومصدرة للنفط فحسب، إلى الدولة الأولى في المنطقة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب عسكريًا وفكريًا ورقميًا، كما عمل ولي ولي العهد على تفعيل دور المملكة الإسلامي والعالمي كقائدة للفكر المعتدل.

وإحقاقًا للحق، فإن عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، كان صائبًا جدًا عندما قال إن الزيارة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب إلى المملكة ضمن أول جولة خارجية، تعتبر ثمرة لـ”جهود جبارة” لولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان.

.. وإيران أيضًا

وبالحديث عن إيران، فإن موقف ترمب، المرشح والرئيس، من إيران معروف بشكل واضح، فالرجل جاهر برفض الاتفاق النووي الإيراني الذي عقده سلفه أوباما مع إيران، وانتقد مرارًا وتكرارًا النظام الإيراني، وأعاد فرض العقوبات، ولا يتوانى عن التشكيك، هو أو أفراد إداراته، في النوايا الإيرانية، بل إن كل أفراد إدارة ترمب تكن عداء كبيرًا للنظام الإيراني وتحمله مسؤولية الإرهاب الحاصل في دول المنطقة.

وإذا كانت تلك هي رؤية ترمب وإدارته، فإن الوضع في المملكة لا يختلف كثيرًا، بل إن النظرة السعودية لإيران تأخذ بعدًا أيدولوجيًا واستراتيجيًا تفتقده النظرة الأمريكية في بعض جوانبها، ويمكن اعتبار إيران العدو الاستراتيجي لمنطقة الخليج العربي وفي القلب منه الشقيق الأكبر، المملكة العربية السعودية.

إذًا، فواحدة من أهم الروابط المشتركة بين ترمب والمملكة هي النظرة إلى إيران، التي تتأهب لاختيار رئيس جديد خلال الأيام المقبلة، وهو الحدث الذي لم يحظَ بأي اهتمام عربي بوسائل الإعلام مقارنة بالاستفتاء التركي على سبيل المثال، وهو ما يعني أن المنطقة العربية أخرجت أي تعامل مع إيران لا يقوم على الندية والاستباقية والتحول للفعل لا رد الفعل، وهو ما أكده حوار ولي ولي العهد قبل حوالي أسبوعين.

التصدي لإيران وتدخلاتها ودعمها الإرهاب في المنطقة سيكون أول محاور الحديث بين ترمب وقيادة المملكة، ولن نخطئ إذا ارتأينا أن المواقف والقضايا العالقة بين إيران من جهة، والعالم العربي من جهة أخرى، ستكون أولى القضايا التي سيسعى الملك سلمان وترمب للانتهاء منها ووضع حلول لها، خاصة أن هذه القضايا تشمل ملفات مهمة واستراتيجية، على رأسها الانقلاب الحوثي في اليمن، ودعم الديكتاتور بشار الأسد، والتدخل في شؤون دول الخليج ولا سيما البحرين، والدول العربية كالعراق ولبنان، والاتفاق النووي.

ملفات هامة تنتظر الإنجاز

إذًا، سيسعى ترمب خلال زيارته للمملكة إلى إنهاء بعض القضايا العالقة كما نوهنا، وإذا كانت الحلول المنتظرة لا تبدو واضحة المعالم بشكل كبير، لاسيما مع المزاج المتقلب للرئيس الأمريكي، فإنه من شبه المؤكد أنها ستراعي المصالح السعودية ورؤية المملكة الاستراتيجية لقضايا المنطقة.

اليمن وسوريا ستنالان نصيب الأسد من حوارات الزيارة، بالإضافة إلى إيران التي تتقاطع مع الملفين بشكل واضح، فهل يطلق ترمب من السعودية صفارة النهاية لنظام بشار الأسد الدموي؟ وهل يقرر إرساء الشرعية في اليمن؟ خاصة أن التهديد الحوثي “الإيراني إذا شئنا الدقة” ليس موجهًا ضد المملكة فحسب، بل إلى حركة الملاحة العالمية ومصالح الولايات المتحدة أيضًا.

الحرب على الإرهاب أيضًا سيكون لها اهتمامها في أحاديث ترمب وقيادة المملكة، وهو ما أعلنه ترمب شخصيًا في تصريح له قال فيه:  إن “السعودية تحتضن الموقعين الأكثر قدسية في الإسلام، وهناك سنبدأ تأسيس قواعد جديدة للتعاون والدعم مع حلفائنا المسلمين لمواجهة التطرف والإرهاب والعنف، ولتوفير مستقبل أكثر أملاً وعدلاً للمسلمين الشباب في بلدانهم”.

وأضاف ترمب: “مهمتنا ليست الإملاء على الآخرين كيف يعيشون حياتهم، بل بناء تحالف من الأصدقاء والشركاء الذين يشاركوننا هدف محاربة الإرهاب وتحقيق الأمان والاستقرار في الشرق الأوسط.”

يرغب ترمب في استعادة دور الولايات المتحدة في العالم وتدمير تنظيم داعش الإرهابي والجماعات الإرهابية وصد أنشطة إيران غير المشروعة في المنطقة، وهو نفس الأمر الذي يرغب فيه حلفاء واشنطن في المنطقة، لذلك حدد الرئيس الأمريكي أولوياته وجدول زياراته، وكانت المملكة قلب الشرق الأوسط وحجر الزواية في حل صراعات المنطقة، المحطة الأولى للرئيس الأمريكي.

الأمر لا يقتصر على نجاح دبلوماسي وسياسي واستراتيجي للمملكة، بل يعدو نقلة هامة لوضع المملكة في مصاف الدول المؤثرة في قرارات العالم أجمع، وليس المنطقة فحسب.

 كاتب وصحافي مصري*

@A_RaHMaN_14

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر