بيلاروسيا: حلبة جديدة للخلاف بين روسيا والغرب

التاريخ والوقت : الأحد, 20 سبتمبر 2020

كريستوفر شينج

 

أدت الاحتجاجات ضد فوز الرئيس البيلاروسي “لوكاشينكو” في 9 أغسطس 2020 بسبب مزاعم التزوير، إلى إدخال عنصر آخر مزعزع للاستقرار في علاقات روسيا المتوترة بالفعل مع الاتحاد الأوروبي والغرب. ومع ذلك، فإن مستقبله السياسي ومستقبل بلاده سيعتمدان على الأعمال الروسية أكثر من الأعمال الغربية.

المعارضة المحلية الكبيرة والعفوية بشكل غير متوقع لفوز الرئيس “ألكسندر لوكاشينكو” الانتخابي على مزاعم التزوير في البداية دفعت المراقبين للتكهن بأن أيامه باتت معدودة.

وشكك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في طريقة إجراء الانتخابات، ووصفوها بأنها غير عادلة أو حرة، بينما هنأت روسيا والصين الرئيس “لوكاشينكو” الذي يوجد في السلطة منذ عام 1994. وهدد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على مسؤولي الدولة الذين يحملهم الاتحاد مسؤولية إجراء الانتخابات. لكن الرئيس فلاديمير بوتين حذَّرَ، كما كان متوقعًا، قادة الاتحاد الأوروبي من التدخل الأجنبي والضغط على روسيا البيضاء عبر عددٍ من المكالمات الهاتفية معهم.

مساعي الوجود فيما بعد الاتحاد السوفييتي

أعرب وزير الخارجية “سيرجي لافروف” عن قلقه بشأن دوافع الاتحاد الأوروبي في التشكيك حول نتيجة الانتخابات. ففي مقابلة مع قناة روسيا 24 التلفزيونية الحكومية، نُقل عن لافروف قوله:

“ما يحدث في بيلاروسيا هو صراع المساحات التي خلفها الاتحاد السوفييتي بعد سقوطه، وآخر مثال على ذلك كان الأحداث في أوكرانيا”. وأضاف أن “تصريحات العواصم الغربية تظهر مصالحها المتعلقة بهذه الانتخابات”.

وبينما يُقال إن الرئيس بوتين لا يفضل “لوكاشينكو” بشكل خاص، فإن لدى روسيا أسبابًا مقنعة لعدم إفساد مزاياها السياسية في بيلاروسيا. وعلاوة على ذلك، تدرك روسيا نفسها أن أفعالها ستكون حاسمة في تشكيل مستقبلها السياسي ومستقبل بيلاروسيا.

اهتمام روسيا الشديد ببيلاروسيا

مصلحة روسيا الشديدة مدفوعة بمصالحها في بيلاروسيا، التي كانت جمهورية سوفيتية وهو ما يمكن قراءته من خلال الجوانب التالي:

أولاً، تتمتع كلتاهما بعلاقات وثيقة في إطار معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) والاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU)، حيث تلزم تلك المعاهدة المبرمة في 1999، كلا البلدين بالتكامل. ومع ذلك، فقد تمَّ تأجيل العملية لكل هذه السنوات بسبب تكتيكات “لوكاشينكو” الملتوية.إذ من الواضح أنه كان يهدف إلى انتزاع أكبر عدد ممكن من الامتيازات الاقتصادية من روسيا، مثل دعم الطاقة في المقام الأول. كما كان لديه تخوف من أن يصبح تابعًا لروسيا، ما يعني فقدان مكانته السياسية. لقد سئمت روسيا من تصرفاته، حيث لم يؤدِ اعتقاله الأخير قبل الانتخابات لمرتزقة روس مزعومين إلا إلى فقدانه للشعبية بين النخبة الروسية.

ثانيًا: إن موقف بيلاروسيا الاستراتيجي بين دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يعني أن موسكو ليس لديها خيار سوى دعم الرئيس “لوكاشينكو”. علاوة على ذلك، فإن منظمة معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي يعتبران عنصرين أساسيين في السياسات الأمنية والاقتصادية لروسيا تجاه دول الاتحاد السوفييتي السابق، ولا يمكن الاستغناء عن دور بيلاروسيا فيها.

ثالثًا: لا يمكن لروسيا أن تفقد المستوى العالي الحالي من نفوذها على بيلاروسيا في صراعها الجيوسياسي الحالي مع الغرب بشأن أوكرانيا. فإذا اتبعت بيلاروسيا مسار أوكرانيا أو جورجيا، فإن موقع روسيا الاستراتيجي ومكانتها كقوة عظمى في أوروبا وفي الفضاء السوفييتي السابق سيتعرضان لضربة كبيرة.

الاعتبارات الداخلية

رابعًا: يجب على قادة روسيا التأكد من أن خصومهم المحليين لن ينزعجوا من المعارضة البيلاروسية لـ”لوكاشينكو” أو يأخذوها في حسبانهم. ففي الأسابيع القليلة الماضية، كان على بوتين أن يواجه مظاهرات في “خاباروفسك” ومدن أخرى في منطقة الشرق الأقصى الروسية بسبب قرار موسكو عزل حاكمها الشعبي واتهامه بارتكاب أعمال إجرامية.

وحتى الآن، فقد أكدت المعارضة البيلاروسية وقادتها لروسيا أن حركتهم ليست موجهة ضد موسكو، ولكن فقط ضد “لوكاشينكو”.

هذه البادرة لا تهدئ روسيا فحسب، بل هي أيضًا انعكاس للتقييم الواقعي للمعارضة البيلاروسية بأن موسكو لن تنظر بارتياب إلى أي حركة سياسية معادية لروسيا أو موالية للاتحاد الأوروبي، الغرب لديه فرصة لإزاحة “لوكاشينكو” من السلطة.

خيارات روسيا

الرئيس “لوكاشينكو” مصمم على التمسك بالسلطة. فقد قام باستنفار الجيش ووضعه في حالة تأهب على حدود البلاد مع بولندا وليتوانيا، مدعيًا أن الناتو كان يتدخل في شؤون بلاده. وباستخدام استراتيجية التدخل الأجنبي المزعومة هذه، فإنه يحذر المعارضة من احتمال استخدام الجيش ضدها، إذا لم تتوقف عن الضغط المتزايد عليه من أجل التنحي.

وبالتالي، فإن التكهنات بتدخل عسكري روسي محتمل لا أساس لها في الوقت الحالي. ويبدو أن الجيش البيلاروسي مستعد للعب هذا الدور. فقد شدد وزير الدفاع البيلاروسي “فيكتور خرينين” على المتظاهرين أنه “إذا انتهك السلام والنظام، فسيتعين عليهم التعامل ليس مع الشرطة ولكن مع الجيش .”

ومع ذلك، إذا ترك الجيش “لوكاشينكو” في حال استمرت المظاهرات في التصاعد، وفقد السيطرة على قواته، فقد تفكر روسيا في التدخل العسكري، ولكن ذلك سوف يكون على مضض.

يدرك بوتين أن التدخل العسكري من شأنه أن ينفر الشعب البيلاروسي، ويزيد من سوء علاقة موسكو المتوترة بالفعل مع الغرب. لقد أصبحت حالة التسمم الأخيرة والواضحة التي تعرض لها المعارض السياسي الروسي، “أليكسي نافالني”، الذي أرسل على عجل إلى ألمانيا لتلقي العلاج، تضيف تعقيدًا آخر في علاقة روسيا بالغرب. لقد كان “نافالني” يمثل شوكة في خاصرة المؤسسة الروسية.

وفي نهاية المطاف، صانع القرار في بيلاروسيا في حاجة إلى دعم اقتصادي روسي هائل ومستمر لإدارة البلاد. ذلك أنه لا يمكن النظر للمساعدات الغربية بنفس طريقة النظر إلى الضرر الجسيم الذي أحدثه وباء “كوفيد – 19” على اقتصادات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي هو بالفعل المانح الأكبر لأوكرانيا. وبالتالي، ففي ظل هذه المعطيات، من المشكوك فيه ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيكون قادرًا على استدعاء الإرادة السياسية لتعبئة الموارد الاقتصادية المطلوبة لبيلاروسيا ما بعد “لوكاشينكو”. لذلك يمكن لروسيا أن تلعب “لعبة الانتظار”.

 

إعداد: وحدة المعلومات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مدرسة راجارتنام للدراسات الدولية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر