بعد خسارته لمعاقله.. سيناريوهات “داعش” للبقاء

التاريخ والوقت : الإثنين, 28 أغسطس 2017

 

كثَّفت الدول التي يتوطَّن ببعض مدنها، مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، من محاربته واقتلاع مراكزه الأساسية التي هي عماد عملياته الإرهابية، مثل مدينة الموصل بالعراق، والرقة بسوريا.

ودخل التنظيم المسلح حربًا واسعة ضد الدولة العراقية واللبنانية والنظام السوري وميليشيا حزب الله والحشد الشعبي، وهو في الوقت نفسه يتعرض لقصف جوي مكثف من التحالف الدولي في مدينة الرقة.

وبالفعل، فإن التنظيم فَقدَ إحدى أهم المدن التي كان يسيطر عليها على مدار 3 أعوام، وهي مدينة الموصل بالعراق.

خريطة القتال

العراق

في العراق، أطلق رئيس الوزراء، حيدر العبادي، خطة “تحرير الموصل” منذ 9 أشهر بالتعاون بين الجيش العراقي وميليشيا الحشد الشعبي الشيعية، وهو ما أثمر عن تحرير أهمِّ مدينة لداعش. بينما تستمر المعارك في مدينة تلعفر بمشاركة 40 ألف مقاتل، التي يحقق فيها الجيش تقدمًا كبيرًا، من 3 جهات، هي: الشرق والغرب والجنوب، تحت غطاء من الضربات الجوية والمدفعية.(1)

لبنان

وعلى الحدود اللبنانية السورية، أطلق الجيش اللبناني، مؤخرًا، عملية برية باسم “فجر الجرود”. ونجح الجيش في الوصول إلى “تلة الإشارة”، وهي إحدى النقاط الرئيسية التي سطا عليها التنظيم في جرود عرسال.(2)

ولم ترد حتى الآن، أية إحصائيات حول قتلى التنظيم، ولكن حادثة فرار مقاتلي التنظيم إلى دير الزور، بعد اتفاق أبرمه مع حزب الله، كشف عمَّا يمكن أن يكون عليه الحال على الحدود اللبنانية السورية.(3)

سوريا

ومن جانب آخر، أحرز النظام السوري، تقدمًا على حساب (داعش) في ريف حمص، وأحكم حصاره على جيب خاضع له تقدر مساحته بنحو ألفي كيلو متر مربع. كما سيطر على جبل الضاحك وخربة الطلاع ووادي أبوقلة، وكذلك مدينة السخنة.

فيما سيطر النظام على “البادية”، وأحكم الحصار على (داعش) في مدينة دير الزور التي يسيطر عليها التنظيم، وهي مدينة غنية بالبترول.(4)

هل بفقد الأرض ينتهي تنظيم داعش؟

لكن، إن افترضنا أن المعارك العسكرية التي تقودها الدول الثلاث نجحت في طرد عناصر التنظيم بعيدًا عن أماكن تمركزه – وهي بالفعل أضعفته – فهل تنهي تلك المعارك وجود تنظيم داعش؟!

أعتقد أن الإجابة عن السؤال تقتضي عدة محاور، أولها: الحديث عن سياسة (داعش) في تجنيد أعضائه، فالتنظيم لم يكن يعتمد على فكرة التربية الفكرية لأعضائه، فهو ليس مشابهًا لتنظيم القاعدة الذي يظل فترة من الزمان يتأكد من ولاءات أعضائه الفكرية ليلحقهم بعد ذلك بالتنظيم، لكن (داعش) له شأن مغاير عمَّا كانت عليه القاعدة. فحين بايعت جماعة “بوكو حرام” في نيجيريا، زعيم التنظيم أبا بكر البغدادي، أصدر أبو محمد العدناني، المتحدث باسم تنظيم داعش، بيانًا دعا فيه من أسماهم “جموع المؤمنين” إلى السفر لنيجيريا والانضمام لـ”فرع الخلافة” – على حدِّ قوله -. إذًا، فداعش دائمًا يعمد إلى ما يمكن وصفه بـ”الشعبوية” في مقابل “التنظيمية”، وهو ما ظهرت نتائجه جلية فيما أطلق عليه عمليات “الذئاب المنفردة” التي حضرت بشكل مدوٍّ في القارة الأوروبية، بل إن الأغرب من ذلك ما كشفته حوادث الذئاب المنفردة عن أن بعض منفذي تلك العمليات كان دائم التردد على المقاهي الليلية وشرب الخمر، بل إن بعضهم امتلك مقهى كان يبيع فيه المخدرات، وهو إبراهيم عبدالسلام، أحد منفذي عملية اعتداءات باريس التي خلفت 130 قتيلًا، بل إن أخاه صلاح عبدالسلام المتورط في العملية ذاتها، قُبِض عليه – قبل ذلك – في هولندا لحيازته مخدر القنب الهندي. إذًا، فإن مكمن خطورة (داعش)، هو في استشرائه بين الأفراد، حتى إن منهم المتعايش مع المجتمع الأوروبي بتقاليده وثقافته، وهو ما يمثل عبئًا أمنيًا واستخباراتيًا ضخمًا على الحكومات التي يستهدفها التنظيم.

الأمر الثاني: هو استدعاء الحديث عن تاريخ التنظيمات المسلحة، وتاريخ تأسيس تنظيم داعش نفسه، وقدرته على التأقلم والتطور مع الوقت. فأصل التنظيم، هو الخلية التي أسسها أبو مصعب الزرقاوي في العراق باسم “جماعة التوحيد والجهاد” في عام 2004، ثم بعد ذلك أعلن بيعته لأسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، ليغيِّر اسمها إلى “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين”، ثم تأسيسه لـ”مجلس شورى المجاهدين”. وبعد موت بن لادن، وقع الزرقاوي في خلافات علنية مع أيمن الظواهري، زعيم القاعدة الجديد، وذلك لتنفيذ الزرقاوي عددًا من العمليات المسلحة في العراق دون تنسيق مع القاعدة؛ لذا فقد أعلن الزرقاوي بعد ذلك الانشقاق عن القاعدة. وبعد موت الزرقاوي في عام 2006، تولى زعامة التنظيم المسلح أبو عمر البغدادي الذي غيَّر اسمه إلى “دولة العراق الإسلامية”، وخلفه أبو بكر البغدادي الذي غيَّر اسم التنظيم أيضًا إلى “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ثم “الدولة الإسلامية”.

إذًا، فإن التنظيم قادر على تغيير جلده، وفقًا لمقتضى الحال مع كل قيادة جديدة للتنظيم، بل إن القائد الواحد من الممكن أن يغيِّر استراتيجية التنظيم تغييرًا كاملاً، وهو أمر معروف ومتبع في التنظيمات المسلحة التي تعرف بالمرونة في سبيل تحقيق أهدافها؛ وهو ما يجعل مهمة القضاء على تلك التنظيمات، غاية في الصعوبة طالما توفرت لها البيئة المناسبة للانتشار، وأول صفات تلك البيئة هي الاضطرابات الأمنية. فتنظيم القاعدة نشأت بذرته في السودان، ثم أفغانستان لقتال الاتحاد السوفييتي بدعمٍ أمريكي. وكذلك تنظيم أبو مصعب الزرقاوي، نشأ مع اضطرابات العراق بعد الغزو الأمريكي، وتبعه من رحمه تنظيم داعش، وأخيرًا جبهة نصرة الشام في سوريا مع انطلاق الحرب الأهلية.

ختامًا، إذا نجحت تلك الضربات الأمنية المكثفة على تنظيم داعش في سوريا والعراق، واضطر التنظيم للتراجع مع الخسائر العسكرية وما يلحقها من خسائر اقتصادية تؤثر على رواتب عناصره وتسليحهم، فإن أمام تنظيم داعش سيناريوهين، أولهما: اللجوء المكثف إلى عمليات “الذئاب المنفردة”، وهو ما بدت معالمه خلال العام الحالي، حيث لاحظ العالم تكثيفًا في حجم عمليات الدهس والطعن واتخاذ الرهائن، بل وصلت إلى الاشتباك المسلح والتفجير، كما حدث في اعتداءات باريس الشهيرة، وهو السيناريو الذي يركز عليه التنظيم أخيرًا، لصعوبة تنفيذ عمل عسكري ضخم داخل القارة الأوروبية، ولكي يبقى للتنظيم وجود على الخارطة الدولية، وهو – ربَّما – ما يلجأ إليه فلول التنظيم، إذا ما خسر مواقعه في سوريا والعراق بشكل كامل، إلى أن يعيد ترتيب صفوفه مرة أخرى.

السيناريو الثاني: وهو – ربَّما – إذا ما نجحت الضربات الأمنية في تطهير كلِّ سوريا والعراق من الدواعش، فقد يعمد فلول التنظيم إلى إعادة ترتيب أنفسهم مرة أخرى في تنظيم آخر، وفي مكان آخر أكثر توترًا واضطرابًا، وقد يكون ذلك في الشرق الأوسط، كما فعل أبو مصعب الزرقاوي، ومن بعده أبو عمر البغدادي.

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع:

(1) https://bit.ly/2PlJgBV

(2) https://bit.ly/2C2l5o6

(3) https://bit.ly/2NvphPe

(4) https://bit.ly/2Rz1Esn

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر