مركز سمت للدراسات بذل مليار دولار سعيًا للتغلب على التقدم بالعمر هو آخر ما قد يحتاجه الكوكب | مركز سمت للدراسات

بذل مليار دولار سعيًا للتغلب على التقدم بالعمر هو آخر ما قد يحتاجه الكوكب

التاريخ والوقت : الجمعة, 12 نوفمبر 2021

جون هاريس

مرحبًا بك في عصر (الخالدون): عصر فيه العلماء والحالمون وأكثرهم أهمية المليارديرات يودون التعامل مع العمر وكأنه مرض يمكن الشفاء منه، وأن نهاية الحياة هي شيء يمكن تأخيرها إلى أجل غير مسمى. ووفقًا لإحدى الإحصاءات، فإن إيرادات صناعة مكافحة الشيخوخة العالمية ستزداد من ما يقارب 200 مليار دولار اليوم إلى ما يبلغ 420 مليار بحلول 2030. إحدى العلامات المؤكدة على آفاقها الوردية هي مشاركة شخصيات بارزة في الولايات المتحدة حققت ثروات هائلة من الإنترنت، فإذا كان الكثير منهم يستطيع التهرب من الضرائب فلمَ لا يتهربون من الموت؟

كتبت “زادي سميث” في 2003 “الموت يبدو وكأنه وصمة عار للحياة الأميركية” “فهو عدو الطموح”، في مجالات التكنولوجيا؛ فهذا البغض للفناء عادة ما يختلط بثقافة “القرصنة الحيوية” (الصيام، ومراقبة المؤشرات الحيوية للفرد، وتناول المكملات الغذائية والعقاقير الذكية)، وهو شكل تتجلى به تجاوز الإنسانية الذي يعني وفقًا لتعريف قاموس أكسفورد: “قناعة بأن الجنس البشري يمكن أن يتخطى الحدود الحالية وعلى الأخص باستخدام العلم والتكنولوجيا”.

إجمالي ما استثمر في البحوث المضادة للتقدم بالعمر من قبل الجهات الفاعلة في مجال التكنولوجيا مثل مؤسسي شركة جوجل لاري بايج، وسيرجي برين، وبيتر ثيل، المستثمر الرأسمالي وداعم “ترمب”، يُظهر ما يمكن حدوثه في حالة التقاء تلك الأفكار مع الأموال الطائلة. الأمر نفسه ينطبق على نحو متوقع على تصرفات مؤسس أمازون ورائد الفضاء الطموح “جيف بيزوس” الذي قام بتمويل بنية تسعى لمكافحة تقدم العمر تسمى “يونتي بيوتكنولوجي” عبر مركبته الاستثمارية الشخصية “بيزوس إكسبيديشن”، إذ يُقال الآن إنه متبرع لمشروع كاليفورنيا المؤسس حديثًا والمسمى “ألتوس لابس”. ويبدو أن تلك الأخيرة ستنشئ “معاهد” في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وتقوم بتجنيد العلماء بعرض رواتب كبيرة، وقد صرح أحد المطلعين أن الهدف الأولي هو “فهم إعادة التجديد”، وينصب تركيزها على نوع “تقنية إعادة البرمجة البيولوجية” التي تركز على معالجة الخلايا.

يوجد العديد من الشركات الأخرى – والمسماة بأسماء مثل بيوفيفا (BioViva)، ويوثريوم جينتيكس (Youthereum Genetics)، وتمويل إطالة العمر (Longevity Fund)، وأيج إكس العلاجية (AgeX Therapeutics) – التي تسعى أيضًا بشكل أو بآخر لاحتجاز التقدم بالعمر. وبالنظر في الأبحاث والكتابة الصحفية التي تتناول ما يفعلون يمكن العثور على إحساس غامض بأن بعض هؤلاء الأشخاص المنخرطين سيؤول بهم المجال لإيجاد اكتشاف حول الأمراض المتعلقة بالعمر، ولكن يوجد أيضًا شعور الأفكار الغامضة والغطرسة والأموال التي كان من الأفضل إنفاقها على أمور أفضل.

 تتمتع أبحاث مكافحة التقدم بالعمر الآن بتاريخ طويل، ولكن ما أستطيع قوله هو أنه لم تتمكن أي شركة تعمل في هذا المجال حتى الآن من دفع أي علاج إلى مرحلة التجارب السريرية الحاسمة. في العام 2012 فاز عالم ياباني يدعى “شينيا ياماناكا” بجائزة نوبل لاكتشافه أن غمس الخلايا الوحيدة في أربعة بروتينات قد يتسبب في تجديدها، ولكن استخدام تلك التقنية على الفئران نتج عنه نشوء أورام سرطانية.

علاوة على ذلك، فإنه حتى وإن أثبتت تقنيات مكافحة التقدم بالعمر نجاحها، فما هي العواقب الاجتماعية والثقافية التي ستتبع تشخيص الشيخوخة كمرض؟ إن تمكنا العيش لوقت أطول، فهل يُتوقع منا العمل إلى أجل غير مسمى؟ كيف سيتلاءم الكوكب مع الازدياد الهائل في السكان؟ أعتقد أننا نعرف بالفعل بعضًا من إجابات المسؤولين الأخيرين؛ إذ تتجاوب مع المناقشات الجارية حاليًا في غلاسكو وعلى نمط الحياة الذي يتبعه بعض الأشخاص هناك. كما أوضح زميلي “جورج مونبيوت”، مؤخرًا، فإن الإبقاء على ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية عند 1.5 درجة مئوية يتطلب أن يتحمل كل منا مسؤولية أكثر من طنين من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، في حين أن 1% من أغنياء العالم يسيرون على الطريق لإنتاج أكثر من 70 طنًا للفرد في المتوسط، تخيل أن مثل هؤلاء الأشخاص سيستمرون بالعيش حتى بلوغهم 140 أو 200 أو أنهم سيخلدون إلى الأبد.

كل تلك الأمور تبدو نوعًا ما مشابهة لجهود سياحة الفضاء التي يسعى “جيف بيزوس” و”إيلون ماسك”، وما يبدو أن ما تقوله هذه المشاريع هو قلة الاهتمام النسبي ببعض القضايا الملحة التي تحدث على الكوكب، والتي يبدو أن هذين الرجلين يريدان الهروب منها. في الوقت ذاته، فإن الاستثمارات الكثيرة في محاولات لخداع الموت تخاطر بإهمال جوانب من التقدم بالعمر نواجهها جميعًا الآن، بعض تلك الجوانب تتناول الأمراض والحالات التي عادةً ما توافق التقدم في العمر (للإنصاف فقد ساهم بيزوس في أعمال مختصة بالسرطان والخرف، ولكني سأتجرأ على القول بأن تقديم المزيد من المساعدات سيكون مرحبًا به)، ولكن هناك أسئلة ملحة بنفس القدر تتمحور حول حياة الناس اليومية وإجابات محتملة يمكن بالتأكيد تحقيقها بمساعدة أكثر من هؤلاء من يسمون أنفسهم فاعلي الخير.

بالرغم من آثار الجائحة، فإن الحدود العمرية لسكان الكوكب تتزايد بسرعة، إذ صرحت منظمة الصحة العالمية أنه بحلول عام 2030 سيكون 1.4 مليار شخص – أو واحد من كل ستة – في العالم يبلغ من العمر 60 عامًا أو أكثر. ومن المتوقع أن يتضاعف عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عامًا أو أكثر، ثلاث مرات بين عامي 2020 و2050 إلى 426 مليونًا. تعكس المملكة المتحدة هذه الاتجاهات، ولكن كما يتضح من التحريفات المستمرة لهذا البلد حول الرعاية الاجتماعية، فإننا نميل إلى العيش في حالة جماعية من الإنكار. ضع في اعتبارك أيضًا نوع الحقائق المحزنة التي لا توجد لها حتى الآن قرصنة حيوية، إذ يعيش نصف الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 75 عامًا أو أكثر في المملكة المتحدة بمفردهم، ووفقًا لمؤسسة Age UK الخيرية يقضي نصف مليون شخص فوق سن 60 عامًا أيامهم في عزلة.

قد يكون التفكير في الشباب الأبدي ممارسة فكرية مشتتة. ولكن وفقًا للحقائق العلمية، فإننا نعلم أن العلاقات القوية والمستقرة والاندماج في المجتمعات يؤدي إلى حياة لمدة أطول وأكثر صحة، وأن الوحدة التي عادة ما تحكم قبضتها على الأشخاص في السنين اللاحقة في حياتهم لها أثر عكسي لذلك. تجسد فكرة السكن المشترك حيث يقيم الناس – غالبًا من جميع الأعمار – في مجتمعات مبنية على المساعدة المتبادلة والتواصل الاجتماعي اليومي هذا الإدراك تمامًا، ولذا في أفضل الأحوال سيوجد نوع من قرى التقاعد الحديثة حيث يعيش الأشخاص في مساحتهم الخاصة ويكون لديهم وصول ليس فقط للصحبة، بل أيضًا مجموعة من الخدمات والخيارات الترفيهية التي تعزز من الحياة.

ولكن كيف سنتمكن من إعادة صنع تلك الابتكارات لملايين الأشخاص؟ حتى وإن فعلنا ذلك فما الذي سيعنيه ذلك لأنظمتنا للصحة والرعاية والخدمات الترفيهية وشبكات النقل؟ كونه معاكسًا للصورة التقليدية للتقاعد التي ينتقل فيها الفرد للعيش في الريف أو على الساحل، هل سيكون من الأفضل لكبار السن العيش بالقرب من مراكز المدن؟ وإن كان الأمر كذلك فكيف سينجح ذلك؟ أهم من ذلك، إن كان هنالك تباين حاد بين المخزون المتوفر للمساكن وما يحتاجه السكان من كبار السن، فما الذي سنفعله تجاه ذلك؟

إذا تركنا جانبًا الأسئلة الهائلة حول الترتيبات الضريبية الشخصية والمتعلقة بالشركات، فتخيل ما إذا كانت أكثر المشاريع الرائدة والجاذبة للدعاية لأصحاب المليارات في القرن الحادي والعشرين تتضمن عدم ترك الكوكب أو العيش إلى أجل غير مسمى، بل بالأحرى مشاريع راسخة بإمكانها أن تغير حياة الناس هنا وفي الحاضر؛ فكان بالإمكان استثمار أموالهم في مشاريع الإسكان المشترك ومجتمعات التقاعد ومراكز تعليم الكبار ومشاريع أخرى على غرار الطريقة التي استخدم بها رجل الأعمال الإسكتلندي الأميركي “أندرو كارنيجي” الأموال التي جناها من صناعة الصلب لتمويل بناء 2500 مكتبة حول العالم. لكن لن تكون مثل هذه الأشياء مثيرة للاهتمام مثل الوعد المستبعد لعالم يسكنه البشر الخارقون الذين لا يموتون، باستثناء أنها ستكون أكثر فائدة بكثير.

كما نشر علماء جامعة هارفارد أحدث نتائج دراسة أُجريت على حياة 268 خريجًا جامعيًا قبل أربع سنوات، فقد بدأت الدراسة في عام 1938 ووُسعت في النهاية لتشمل أشخاصًا في وسط مدينة بوسطن. وبالنسبة الى ما قيل عن طول العمر كان مذهلاً، فهو ليس فقط أن “العلاقات الوثيقة، أكثر من المال أو الشهرة، هي التي تجعل الناس سعداء”، ولكن تلك الروابط “هي أفضل تنبؤات لحياة طويلة وسعيدة من الطبقة الاجتماعية أو معدل الذكاء أو حتى الجينات”. ما يتجاهله الساعون للخلود من الرأسماليين المشهورين في الواقع هو أن الطريق المباشر للعيش حياة أفضل وأطول لا يكمن في اختراق خلايانا، ولكن في مساعدة الناس على أن يكونوا أكثر إنسانية.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات 

المصدر: The Guardian

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر