بجعة “كورونا” السوداء تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي

التاريخ والوقت : الأربعاء, 4 مارس 2020

على ما يبدو، لم تتوقف تداعيات وباء كورونا عند مستوى القضايا الصحية، فقد امتدت إلى الاقتصاد، ومع انتشار الوباء خارج حدود الصين يستعد كثير من الشركات لموجة من الخسائر؛ بسبب انخفاض معدلات الطلب وهبوط مستوى الإنتاج في ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم.

والآن، يواجه المديرون التنفيذيون للشركات أسبوعًا صعبًا تتخلله حالة من عدم القدرة على التوقع، فليس هناك يقين واضح حول تعداد البشر المحتمل إصابتهم بالفيروس، وبالتالي كم التأثيرات الاقتصادية التي ستنشأ عن ذلك، بينما يصف دانييل تشيانغ، مدير شركة “علي بابا”، وباء كورونا باعتباره البجعة السوداء التي قد تتسبب في تغيير مسار الاقتصاد العالمي. ومن الجدير بالذكر أن شركة “علي بابا” هي كبرى الشركات الصينية المعلنة. وفي السطور التالية، نستعرض بعض أهم الصناعات التي تتأثر بوباء كورونا:

شركات الطيران

طبقًا لشركة “سيريام”، وهي إحدى الشركات المتخصصة في تحليل البيانات الخاصة بخطوط الطيران، فإن هنالك نحو 85000 رحلة طيران تم إلغاؤها منذ إغلاق مطار “ووهان” في 23 يناير الماضي؛ حيث كانت الغالبية العظمى من رحلات الطيران الملغاة ستتم داخل الصين. وكانت الخطوط الجوية البريطانية قد ألغت رحلاتها اليومية إلى بكين وشنغهاي، بينما علقت شركة “فيرجينيا” رحلاتها الجوية إلى شنغهاي حتى نهاية مارس المقبل؛ مما تسبب في خسارة الخطوط البريطانية نحو 24000 راكب كانوا يخططون للسفر قبل نهاية الشهر الجاري، وهو الرقم الذي سيتضاعف في حالة تمديد فترة المنع حتى نهاية مارس.

ومن بين أهم المؤسسات التي تضررت جراء “كورونا”، كانت شركة “كاثاي باسيفيك” التي تتخذ هونج كونج مقرًّا لها. وعلى ما يبدو أنها حازت على أكبر كم من الخسائر خلال الفترة الماضية؛ حيث ألغت نحو 90% من رحلاتها إلى المدن الكبرى في الصين، كما قامت بتعطيل نحو 30% من سعة شبكات الطيران الخاصة بها؛ وهو الأمر الذي أثَّر على العاملين في الشركة بطبيعة الحال، حيث طالبت “كاثاي” نحو 27000 من موظفيها بمغادرة الشركة دون أن يحصلوا على مستحقات إنهاء الخدمة الخاصة بهم، وذلك على أمل إنقاذ الشركة من الوقوع في هاوية الإفلاس.

ولا يتوقف الأمر على “كاثاي”، فمعظم شركات النقل الجوي الصينية تقف في قلب العاصفة التي فجَّرها وباء كورونا. وطبقًا لشركات تأجير الطائرات، يبحث معظم شركات النقل الجوي عن فرص إعادة التمويل من خلال الحصول على بعض القروض أو ما شابه.

السلع الفاخرة

بينما يظهر أسبوع الموضة بلندن في أبهى صوره، نجد كلًّا من الصحافة والزبائن الصينيين من محبِّي الموضة في غيابٍ تام عن المشهد، وهذا التجاهل بعينه قد يكبِّد صناعة السلع الفاخرة خسائر تبلغ قيمتها نحو 230 مليار يورو؛ بسبب اعتمادها على القوة الشرائية الهائلة للصينيين. ومن الجدير بالذكر أن أكبر حصة من مبيعات الملابس المُنتَجَة من قِبَل مصممين عالميين تذهب إلى الصين، فضلًا عن حقائب اليد، ومع استمرار القيود المعلنة على حركة التجارة العابرة للبحار وتحاشي المشترين الصينيين للتنقلات الكثيرة خوفًا من الإصابة بالفيروس، ستكون النتيجة الطبيعية هي تأثُّر صناعة الأزياء على نحو مزعج؛ لا سيما العلامات التجارية الشهيرة.

وهكذا توالَت الأخبار السيئة التي بدأت بإغلاق “بيربيري” 3 متاجر من بين 64 متجرًا تمتلكها في الصين، كما قررت خفض العمل في الفروع المتبقية؛ نظرًا لتقلُّص الإقبال بنسبة 80%. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث أرجأت الشركة الإعلان عن خطة أرباحها المستقبلية على اعتبار أن الوقت ما زال مبكرًا للغاية للتحدث عن التأثيرات التي ستلحق بالأرباح في المستقبل القريب.

وترى جيلينا سوكولوفا، محللة الأسهم المالية بشركة “مورنينج ستار”، أن التداعيات الاقتصادية قريبة المدى لوباء كورونا سوف تكون أخطر من تلك التي تسبب فيها “سارس” في مارس من عام 2002، وخلال ما يقرب من عشرين عامًا كانت السوق العالمية قد تغيَّرت؛ فقد تعاظمت خلال تلك الفترة حصة الصينيين من إجمالي مشتريات الأزياء المصممة من قِبَل مصممين عالميين؛ أي من 2% إلى نحو 35%، وهو ما يشير إلى حجم الاضطراب الذي قد يتسبب فيه انخفاض طلب المشترين الصينيين.

إغلاق المصانع

طبقًا لشركة “دون آند برادستريت” المتخصصة في بيانات السوق، هنالك نحو 5 ملايين مصنع حول العالم تعتمد على موردين صينيين؛ من بينها شركة “أبل” التي أجَّل موردها الصيني “فوكسكون” إعادة فتح مصنعه في منطقة شينتشين، فضلًا عن الشركات الكبرى المتخصصة في مجال الأغذية؛ مثل “بيبسي كو” و”كرافت هاينز”، حيث قررتا إغلاق مصانعهما في الصين.

ولعل الأمر ليس أفضل حالًا لدى مصنعي السيارات، وهم على ما يبدو يمرون الآن بأصعب أوقاتهم؛ فقبل كل شيء كانت مدينة ووهان التي انطلق منها الوباء مركزًا صناعيًّا رئيسًا للسيارات، وتلك الشركات الكبرى التي تمتلك لها فروعًا في “ووهان” ما زالت لم تقرر إعادة فتح مصانعها بعد منذ تفشِّي وباء كورونا، ونستطيع أن نذكر منها شركتَي “رينو” و”بيجو” الفرنسيتَين، وشركتَي “بي إم دبليو” و”فولكس فاجين” الألمانيتَين، فضلًا عن أكبر مُصنعي السيارات في بريطانيا؛ مثل “جاجوار” و”لاند روفر”، بينما أجَّلت شركة “هوندا” إعادة فتح مصنعها في “ووهان” إلى أسبوع إضافي. ولم يتوقف الأمر عند المدن الصينية؛ فقد قررت شركة “هيونداي” إغلاق مصنعها الكبير بمدينة أوسلان بكوريا الجنوبية؛ بسبب نقص بعض أجزاء السيارات التي كانت تعتمد على استيرادها من الصين.

ويعتمد كثير من الشركات الأوروبية على مكونات السيارات التي تأتيها من الصين، وفي ظل التوترات الحالية قد يتخذ الأمر نحو 6 أشهر لوصول تلك المنتجات إلى أوروبا، وذلك طبقًا لتيم لورانس، مدير التصنيع في شركة “بي إيه كونسالتينج”؛ حيث يرى أن الأمر ليس بالسهولة التي يبدو عليها، لأن إيجاد بديل آخر للشركات الصينية قد يستلزم بعض الوقت. وكانت شركة “جيه سي بي”، وهي إحدى كبرى الشركات الخاصة في المملكة المتحدة، قد قررت وقف خطوط الإنتاج. وطبقًا للشركة، فقد تم إغلاق نحو ربع إجمالي المصانع الصينية التي كانت تعتمد على الاستيراد منها، كما حذَّرت شركة “فيات كرايسلر” من أن إنتاج السيارات في أوروربا قد يتعرَّض إلى مخاطر بالغة خلال أسبوعَين. كما قررت شركة “نيسان” وقف خطوط إنتاجها بالمصانع اليابانية.

البنوك وشركات التأمين والنفط

ربما ستصبح الصورة أكثر وضوحًا هذا الأسبوع عن وضع البنوك في الصين والبلدان المحيطة بها؛ حيث سيتم الإعلان عن التقرير نصف السنوي للبنوك. ويتوقع المحللون في بنك “مورجان ستانلي” تدنِّي الأرباح بشكل كبير؛ نتيجة للهبوط السريع في معدلات نمو الاقتراض، فضلًا عن تقلُّص أرباح الرسوم البنكية. وكان عددٌ من البنوك الكبرى؛ مثل “إتش إس بي سي” و”ستاندارد تشارترد”، قد أقرَّت بعض الخطط البنكية، التي تهدف إلى دعم الشركات الصغيرة؛ منها التنازل عن رسوم الدفع بالبطاقات الائتمانية والاكتفاء بسداد فوائد القروض.

وكان بنك “إتش إس بي سي” قد قرر منح فريق العمل الخاص به في هونج كونج وسنغافورة 14 يومًا من العزل الذاتي، بعد أن قامت الحكومة بوضع أحد موظفي البنك تحت الحجر الصحي، ومن ثَمَّ كان على هؤلاء الموظفين الذين تقتضي وظائفهم التعامل مع الجمهور أن يلزموا منازلهم ويخضعوا للملاحظة طوال هذه المدة. أما بالنسبة إلى شركات التأمين على السفر، فكانت قد بدأت تستعد لسداد كثير من مطالبات عملائها بعد إلغاء رحلاتهم من وإلى الصين؛ لكن الأمر لا ينطبق بالضرورة على جميع المسافرين، حيث لا تتكلف الشركات سداد مستحقات عملائها الذين يقررون السفر دون اتباع النصائح الحكومية بالامتناع عن السفر.

أثَّر التباطؤ الاقتصادي بالسلب على أسواق البضائع؛ ما جعل من الصين المحرك الرئيس للطلب العالمي على السلع، لذا فكان من الطبيعي أن تؤدي الأزمة الحالية إلى انخفاض أسعار السلع؛ كالنحاس، على مدى 4 أشهر، قبل أن تعاود الارتفاع بشكلٍ طفيف. كما انخفضت أسعار تأجير السفن على الجانب الآخر. والأمر نفسه حدث مع أسعار النفط؛ فبالنظر إلى أن معدل النمو في الطلب العالمي على النفط خلال العام الماضي كان نصيب الأسد فيه لدولة مثل الصين، وبالتالي فإن تعرُّض الصين إلى نكبة اقتصادية من شأنه أن يُعَرِّض سوق النفط إلى الاهتزاز؛ حيث انخفض معدل الطلب على النفط خلال الربع الأول من العام الجاري على نحو لم يسبق خلال العقد الماضي كله، وذلك طبقًا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة.

وكانت أسواق النفط تعاني عدم الاستقرار بالفعل، وبمجرد انتشار الفيروس هبط سعر البرميل لخام برنت إلى 53.11 دولار أمريكي، بينما يحاول منتجو النفط حول العالم إعادته مرةً أخرى إلى حد الـ57 دولارًا من خلال قطْع إنتاجها من النفط؛ وهو الأمر الذي لم يحُل دون تواصل انخفاض سعر البرميل الواحد بنسبة 13%. لقد تسبب ضعف الطلب في حالة من التشوش أصابت تجار النفط في شرق الصين؛ حيث تعمدوا تخزين ما لديهم بعيدًا عن أيدي الزبائن، طمعًا في إعادة ضبط الأسعار. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث تم منع السفن من إنزال نحو مليونَي برميل من خام برنت إلى الشواطئ الصينية في تشينجداو، وذلك طبقًا لشركة “ريفينيتيف” المتخصصة في الاستشارات المالية والاستثمارية.

 

المصدر: الجارديان

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر