انهيار العولمة وتفكيك ما بعد الحداثة.. كورونا يغير موازين القوى ويعيد ترتيب العالم

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 28 يوليو 2020

مرﭬت زكريا 

 

تأثر العالم كله بداية من مارس 2020 بوباء لا يمكن التعامل معه بفاعلية، ولا يمكن لأي شخص أن يقدم أي تنبؤات جادة بشأن المدة الزمنية التي من المقرر أن ينقضى خلالها، لذا، لا يمكن فهم التداعيات الاقتصادية لفيروس كوفيد 19 المعروف بكورونا  على أنها مشكلة عادية يمكن للاقتصاد الكلي حلها أو التخفيف من حدتها، ولكن  بدلاً من ذلك، من المتوقع أن يشهد العالم تحولًا جوهريًّا في طبيعة الاقتصاد العالمي.

الجائحة وأزمة الطلب

وفي هذا السياق، أشار الخبير الأمريكى برانكو ميلانوفيتش، الأستاذ في مدرسة لندن للاقتصاد وزميل مركز ستون لشؤون عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية، إلى أن تفشي هذه الجائحة يمثل أحد أزمات العرض والطلب؛ حيث ينخفض العرض على خلفية إغلاق بعض الشركات أو تخفيض أعباء عملها لحماية العمال من الإصابة بـCOVID-19، كما لا يمكن لأسعار الفائدة المنخفضة أن تعوض النقص في العمال العاطلين عن العمل تمامًا، كما لو تم قصف مصنع خلال إحدى الحروب، فإن سعر الفائدة الأقل لن يعوض فقدان الإمدادات في اليوم أو الأسبوع أو الشهر التالي.

وحدثت الطفرة الكبيرة في الفرق بين العرض والطلب على خلفية الحجر الصحى الذى تم فرضه على المواطنين داخل عدد كبير من دول العالم، فضلاً عن اختفاء عدد لا بأس به من السلع نتيجة عدم الإقبال على شرائها وعليه، من المحتمل أن يواجه الاقتصاد العالمي تحولًا كبيرًا، ولاسيما فيما يتعلق بإمكانية التحول إلى الاقتصاد الطبيعي -أي الاكتفاء الذاتي- الأمر الذي من شأنه العمل على انتفاء ظاهرة العولمة؛ فبينما تستلزم العولمة تقسيم العمل بين الاقتصادات المتباينة، فإن العودة إلى الاقتصاد الطبيعي تعني أن الدول سوف تتحرك نحو الاكتفاء الذاتي. ولكن اللافت للانتباه، أن هذه الحركة ليست حتمية، فإذا تمكنت الحكومات الوطنية من السيطرة على الأزمة الحالية أو التغلب عليها في غضون الأشهر الستة أو السنة المقبلة، فمن المرجح أن يعود العالم إلى مسار العولمة.

انهيار العولمة

ولكن إذا استمرت أزمة تفشي هذه الجائحة، من المحتمل أن تنهار العولمة، وكلما طال أمد الأزمة، كلما زادت العوائق أمام التدفق الحر للأشخاص والسلع ورأس المال، وباتت الأمور تبدو غير طبيعية؛ حيث يمكن لذلك أن يعمل على تشكيل مصالح خاصة لبعض الدول وسعى للحفاظ عليها، وقد يؤدي الخوف المستمر من وباء آخر إلى تحفيز الدعوات لتحقيق الاكتفاء الذاتي الوطني، أو بالأحرى، يمكن أن تتوافق المصالح الاقتصادية والمخاوف الصحية المشروعة، حتى المتطلبات التي قد تبدو صغيرة – على سبيل المثال، أن كل شخص يدخل دولة يحتاج إلى تقديم شهادة صحية، بالإضافة إلى جواز سفر وتأشيرة، سيشكل عقبة في طريق العودة إلى الطريقة المعولمة القديمة.

تفكيك العالم

ويشير الكاتب إلى أن عملية التفكك هذه قد تكون، في جوهرها مشابهة لتدهور الاقتصاد العالمي الذي حدث مع تفكك الإمبراطورية الرومانية بين القرنين الرابع والسادس من خلال الاعتماد على استراتجية الاكتفاء الذاتي، وهو الأمر الذى ذكره FW Walbank في كتابه «تراجع الإمبراطورية الرومانية في الغرب»، إنه على مدى الإمبراطوريات المتفككة بأكملها، كان هناك ارتداد تدريجي إلى الحرف صغيرة النطاق، التي تتم من فم إلى فم، ويتم إنتاجها للسوق المحلية ولأغراض محددة في محيط بعينه.

كما يجادل الكاتب بأنه في ظل الأزمة الحالية، يتمتع الأشخاص غير متخصصين بالكامل بميزة نسبية كبيرة؛ فإذا كان بإمكانك إنتاج طعامك الخاص وإذا كنت لا تعتمد على الكهرباء أو المياه المقدمة للجمهور، فأنت لست فقط في مأمن من الاضطرابات التي قد تنشأ في سلاسل الإمداد الغذائي أو توفير الكهرباء والمياه، أنت أيضًا أكثر أمانًا من الإصابة بالعدوى، لأنك لا تعتمد على الطعام الذي يعده شخص آخر قد يكون مصابًا، ولا تحتاج إلى شفاء الأشخاص المصابين، بل قادر على القيام بأى شيء في منزلك، فكلما قلت حاجتك للآخرين، كلما أصبحت أفضل وأكثر أمانًا.

زمن الصدمات المتتالية

والدافع وراء الانتقال إلى الاقتصاد الطبيعي لن يكون نتيجة الضغوط الاقتصادية العادية، ولكن بسبب مخاوف أكثر جوهرية تتمثل في الأمراض الوبائية والخوف من الموت، لذلك، لا يمكن أن تكون التدابير الاقتصادية القياسية مناسبة في طبيعتها فقط، لكن يجب توفير الحماية للأشخاص الذين يفقدون وظائفهم وليس لديهم ما يمكن الاعتماد عليه، والذين يفتقرون في كثير من الأحيان إلى التأمين الصحي؛ فعندما يصبح هؤلاء الأشخاص غير قادرين على دفع فواتيرهم، فإنهم سيخلقون صدمات متتالية، بداية من إخلاء المساكن وحتى الأزمات المصرفية.

ومع ذلك، يؤكد الكاتب على أن الخسائر البشرية للمرض ستكون هي التكلفة الأكثر أهمية، والتي قد تؤدي إلى التفكك المجتمعي، أما أولئك الذين تُركوا بلا أمل أو عاطلين عن العمل وبدون أصول مالية يعتمدون عليها يمكنهم بسهولة الانقلاب على الذين هم في وضع أفضل، فإذا خرج المزيد من الناس من الأزمة الحالية بدون مال، وظائف، ولا الحصول على الرعاية الصحية، وإذا سيطر عليهم الغضب فإن مشاهد مثل هروب السجناء في إيطاليا مؤخرًا أو النهب الذي أعقب إعصار كاترينا في نيو أورلينز في عام 2005 قد تصبح شائعة، والأمر الأكثر أهمية إنه إذا اضطرت الحكومات إلى استخدام القوات شبه العسكرية أو العسكرية لقمع أعمال الشغب أو الهجمات على الممتلكات، وحينها فقط قد تبدأ المجتمعات في التفكك.

في النهاية: يشير الكاتب إلى الهدف الرئيسي (وربما حتى الوحيد) للسياسة الاقتصادية اليوم ينبغي أن يتمثل في منع الانهيار الاجتماعي والاقتصادى؛ حيث يجب على المجتمعات المتقدمة ألا تسمح للاقتصاديين، بأن يخفوا حقيقة أن أهم دور يمكن أن تلعبه السياسة الاقتصادية الآن هو الحفاظ على الروابط الاجتماعية قوية تحت هذا الظرف الاستثنائي.

 

المصدر: المرجع

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر