انقطاع التيار الكهربائي في فنزويلا: لماذا فشل نظام الطاقة؟ وكيف يمكن إصلاحه؟

التاريخ والوقت : الجمعة, 3 مايو 2019

ليزا فيسكيدي، ونيت جراهام

 

عندما انقطعت الكهرباء وحلَّ الظلام في السابع من مارس الماضي، لم يكن الكثير من مواطني فنزويلا مندهشين. فقد أصبح ذلك الأمر معتادًا منذ العقد الماضي، وبخاصة خلال الأشهر الأولى من العام عندما يكون مستوى خزانات المياه منخفضة (بسبب الاعتماد المفرط على الطاقة الكهرومائية). ويُعدُّ انقطاع التيار الكهربائي على نطاقٍ واسعٍ، أمرًا شائعًا على الرغم من موارد الطاقة الهائلة التي تزخر بها البلاد. ومع ذلك، سرعان ما تبين أن الأمر في تلك المرة يختلف عن المرات السابقة؛ لأن آثاره طالت كافة الولايات البالغ عددها 23 ولاية، واستمر لفترة أطول من أي مرة سابقة، إذ وصل إلى أكثر من 5 أيام في معظم أنحاء البلاد؛ ما أدى إلى تفاقم الوضع الإنساني الذي وصل إلى حدٍ كارثيٍ فعلاً؛ فقد مات ما لا يقل عن 26 شخصًا في المستشفيات، إثر توقف أجهزة غسيل الكلى وأجهزة التنفس الصناعي للأطفال. وسارع الأفراد إلى تسريبات أنابيب الصرف لتجميع المياه بسبب فشل مضخات المياه، ونهبوا مئات المتاجر بسبب تعفن الطعام نتيجة لتوقف أنظمة التبريد، وهو ما طال أكثر من 4.4 مليون رطل من اللحوم خلال اليومين الأولين فقط. وانهارت – أيضًا – أنظمة النقل والاتصالات العامة، ما أدى إلى إغلاق معظم المدارس والشركات. وتشير التقديرات الأولية إلى خسائر اقتصادية تتجاوز 875 مليون دولار.

وفي محاولة لتفسير تلك الأزمة استبعد خبراء الطاقة الفنزويليون الرؤية التي تبناها الرئيس “نيكولاس مادورو”، والتي مفادها أن الولايات المتحدة قامت بهجوم إلكتروني على مجمع “غوري” الكهرومائي، الذي يوفر نحو 80٪ من الكهرباء في البلاد. غير أن الخبراء يقولون إن أنظمة تشغيل المصانع غير متصلة بالإنترنت؛ لذا، فإن الدخول الفعلي إليها مستحيل. ويبدو واضحًا الآن أن حرائق الغابات أدت إلى ارتفاع في درجة حرارة أحد خطوط النقل الرئيسية التي تنقل الطاقة غربًا من سد “غوري” إلى معظم سكان فنزويلا، مما تسبب في زيادة حمولتها وإتلافها. ووفقًا لمهندسين، فقد توقف تنظيف الفرشاة الروتينية الموجودة أسفل خطوط الطاقة قبل ثلاث سنوات.

وربَّما كان الافتقار إلى صيانة خطوط النقل هو المحرك المباشر لانقطاع التيار الكهربائي، ذلك أنه يعمل على مدى نحو عقدين في ظل سوء الإدارة الحكومية التي أضعفت قطاع الطاقة في فنزويلا، واستنزفت احتياطياتها من رأس المال البشري والمالي وساهمت في هدمه.

ومع تدني مستوى الأجور التي تغطي بالكاد رحلتهم اليومية بالحافلة إلى العمل، غادر ما يقرب من نصف الموظفين المهرة في شركة “كوربويليك” Corpoelecفي البلاد، وذلك وفقًا لما صرح به الأمين التنفيذي لاتحاد صناعة الكهرباء في فنزويلا.

لقد تمَّ تجميد أسعار الكهرباء منذ عام 2002 في ظل اقتصادٍ يعاني من التضخم الشديد، إذ لا يسدد المستهلكون سوى 20٪ من التكاليف الحقيقية لإنتاج الطاقة، مما يوفر للفنزويليين أدنى أسعار للكهرباء في أميركا اللاتينية. وفي ظل امتلاك فنزويلا أعلى استهلاك للفرد من الكهرباء في المنطقة، نجد أن ذلك أثر بشدة في الإيرادات، مما أدخل البلاد في حلقة مفرغة مع تراجع معدلات الاستثمار، وأصابتها بتدهور مالي؛ فقد تمكَّنت شركة “كوربويليك” من احتكار ذلك القطاع المثقل بالأعباء منذ تأميم جميع شركات الطاقة الخاصة في عام 2007، لتسيطر الشركة على 30٪ من تكاليف التشغيل في عام 2010.

وفي هذا السياق أدى الفشل في الاستثمار في صيانة الشبكات وتحصيل المتأخرات إلى مزيد من تراجع الإيرادات، فارتفعت خسائر النقل والتوزيع الناجمة في الغالب عن السرقة إلى نحو 35٪ في عام 2014، بما يعادل ضعف متوسط ​​أميركا اللاتينية ونحو ستة أضعاف متوسط ​​”منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” OECD.

ولمواجهة تلك الإشكالية سعت “كاراكاس” إلى تنويع مصادر الطاقة الكهرومائية وزيادة التوليد من مصادر أخرى بعد أن أدى الجفاف الشديد في عام 2010 إلى انقطاع التيار الكهربائي المستمر وتقييد مخططات العمل في أنحاء البلاد من أجل توفير الطاقة، لكن هذا الجهد – أيضًا – قوبِلَ بالفشل إلى حدٍّ بعيدٍ؛ فالبلاد تفتقر إلى شبكة خطوط أنابيب مناسبة لنقل الغاز الطبيعي إلى محطات توليد الطاقة، مما يجبرها على الإفراط في استخدام الديزل في محطات الطاقة الحرارية، بما يمكنها من التشغيل بالنفط أو الغاز الطبيعي، وهو ما أدى في النهاية إلى إتلافها. ونتيجة لذلك، يتم إغلاق العديد من محطات التدفئة في البلاد بسبب نقص الصيانة. ووفقًا لتقرير داخلي لوزارة الكهرباء، كان توليد الطاقة يعمل بنسبة الثلث تقريبًا في أكتوبر 2018، وفي هذا الإطار أثرت العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على واردات الوقود منذ يناير، إذ أضافت واشنطن قيودًا إضافية على وصول فنزويلا إلى واردات الديزل.

وفي الوقت نفسه، تمَّ الاستيلاء على جزء من الأموال المتبقية لشركة “كوربويليك” Corpoelecمن قبل شبكات الفساد. والأمثلة كثيرة على ذلك؛ ففي عملية سريعة لبناء محطات توليد الطاقة الحرارية في عام 2010، دفعت شركتا PDVSAو”كوربويليك” ملايين الدولارات في عقود بدون عطاءات اعتمادًا على العلاقات السياسية، وذلك كما أوردت صحيفة “وول ستريت جورنال” في تقرير لها خلص إلى أن حوالي 50٪ من الإنفاق على مشاريع الطاقة الحرارية والكهربائية والرياح في الفترة التي بين 2003 و2013 تجاوزت تكاليف عدة مشاريع مماثلة في أماكن أخرى، مثل سد “توكوما”، الذي بلغت تكلفته حوالي 3 مليارات دولار في عام 2005، وقد تكلف بالفعل أكثر من 10 مليارات دولار، في حين لم ينتج عنه كهرباء، إلى أن توقف العمل فيه منذ عام 2015.

وبالنظر إلى المشاكل العميقة التي تواجه قطاع الطاقة في فنزويلا، فإن مثل هذه الانقطاعات ستستمر حتمًا. ففي الواقع، شهد معظم أنحاء البلاد انقطاعًا للكهرباء في 25 مارس، وفي 31 مارس أعلن الرئيس “مادورو” عن مهلة 30 يومًا لتقنين الكهرباء. وهو ما يتطلب إصلاحًا قصير الأجل في المستقبل، لكنه يتطلب – أيضًا – إعادة هيكلة لقطاع الطاقة برمَّته. ومن ثَمَّ، يجب أن تبدأ هذه العملية بإجراء تقييمٍ شاملٍ للبنية التحتية لقطاع الطاقة في فنزويلا، إذ لم يتم نشر إحصائيات حول نظام الطاقة الوطني لمدة ثماني سنوات. وعلى المدى القصير، ولضمان وصول الكهرباء بشكل جيد، فإن فنزويلا في حاجة لاستيراد الوقود لاحتياجات توليد الطاقة الكهرومائية، الذي قد يتخذ شكل وحدة تخزين عائمة، بالإضافة إلى إعادة تخزين الغاز من أجل توفير الغاز الطبيعي، وكذلك مولدات الطاقة. أمَّا على المدى الطويل، فينبغي أن تعود البلاد إلى نموذج ما قبل “تشافيستا”، إذ كانت عمليتا التوليد والتوزيع تداران بشكل خاص من قبل الشركات الإقليمية. وتبرز الحاجة إلى إعادة تقييم عمل مشغل نظام الكهرباء الوطني المستقل، بالإضافة إلى هيئة تنظيم الكهرباء من خلال التنسيق والإشراف على المولدات الخاصة، ودعم صناعة طاقة بطريقة لا مركزية ومتنوعة وفعالة مع توفير رأس المال المناسب لأغراض الاستثمار. وفي المحصلة النهائية ينبغي النظر في قدرة المستهلكين الفقراء على الدفع، ذلك أن إعانات الوقود والكهرباء المبالغ فيها بفنزويلا تخلق أعباء لا يمكن أن تتحملها الموازنة العامة، ولا يمكن أن تستمر على المدى الطويل.

ويطالب المتظاهرون في “كاراكاس” وفي كافة أنحاء البلاد باستعادة أبسط الخدمات المعيشية مثل المياه النظيفة والغذاء والنقل والكهرباء؛ إذ أدى تدمير نظام الكهرباء في فنزويلا إلى توقف النشاط الاقتصادي في بعض الأحيان، ومن ثَمَّ توقف إنتاج الصلب والنفط للشركات العائلية الصغيرة. وتواصل المنظمات غير الحكومية العمل من أجل تخفيف المعاناة الناجمة عن انهيار فنزويلا. ومع ذلك، فإن أنظمة التقنين الإضافية، التي أعلن عنها “مادورو” في 31 مارس الماضي، لن تؤدي إلا إلى تفاقم الانكماش الاقتصادي في البلاد؛ لأنها غير مصحوبة باعتراف فعلي بالافتقار المنتظم للقدرات المتاحة، وأنها تخلو من أية اقتراحات لحل هذه المشكلة.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: معهد إلكانوا الملكي Real Instituto Elcano

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر