مركز سمت للدراسات انخفاض الأسعار في الاقتصادات التي تتبع الأنظمة الاقتصادية الحرة | مركز سمت للدراسات

انخفاض الأسعار في الاقتصادات التي تتبع الأنظمة الاقتصادية الحرة

التاريخ والوقت : الخميس, 11 نوفمبر 2021

كريس كيلتون

عندما يقوم رجال السياسة والمنابر الإعلامية بمناقشة مشكلة التضخم الاقتصادي، فإنهم دائمًا ما يستخدمون مفهوم مؤشر أسعار المستهلك كمقياس لهم. إذ يُعتبر مؤشر أسعار المستهلك هو أحد المؤشرات السعرية الموجودة على رأس بعض المؤشرات الأخرى للمخزون النقدي الذي يكمن وراء التغيرات التي تحدث في الأسعار الإجمالية. على وجه التحديد، لا يقوم مؤشر أسعار المستهلك بقياس معدل التضخم الاقتصادي في حد ذاته، بل يقيس تداعيات التوسع النقدي على المنتجات الاستهلاكية. ويُعدُّ مؤشر أسعار المستهلكين في الاقتصاد الكلي، أحد المؤشرات الرئيسية للصحة الاقتصادية، وهو المقياس الذي يستخدمه رجال الاقتصاد لحساب الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. فبطبيعة الحال تمثل دقة مؤشر أسعار المستهلكين كمقياس للتداعيات الناجمة عن التوسع الائتماني أمرًا في غاية الأهمية، إلا أنه يُعد كإجراء مثير للجدل لدى المستثمرين. ووفقًا لموقع “إنفستوبيديا”، يعتبر مؤشر أسعار المستهلك هو “بديل لمشكلة التضخم”، كما يُنظر إليه من قبل المستثمرين بأنه “مقياس هام يمكن استخدامه لتقدير إجمالي العائد المطلوب للمستثمر لتحقيق أهدافه المالية، على أساس اسمي.

ولكن إذا كان الغرض الرئيسي هو قياس تأثير التوسع النقدي، فلماذا يتم استخدام المتغيرات البديلة لقياس هذه الظاهرة؟ تظهر أهمية وفائدة البدائل عندما لا يتوفر لدينا بيانات دقيقة عن المتغير المراد قياسه، مما لا يترك لنا خيارًا آخر سوى إيجاد بديل منقوص (نقوم بافتراضه) نميل إلى اتباعه بغرض قياس المتغير الذي لا يمكننا قياسه. ولكن نمتلك العديد من المؤشرات القياسية الدقيقة لقياس المخزون النقدي تعود إلى أكثر من قرن. كما نعلم، هناك بعض العوامل الأخرى التي تؤثر في الأسعار في الاقتصاد، لذلك لا يمكن لمؤشرات الأسعار أن تعبر بدقة عن تداعيات التوسع النقدي؛ إذ يقال دائمًا بأنها “إحصاءات تقريبية”، ولكن لماذا نعتبرها إحصاءات تقريبية ونحن نمتلك مؤشرات قياسية دقيقة لقياسه؟

لوضع هذا في المنظور الصحيح، فإن متوسط المعدل السنوي للتغير في المخزون النقدي (M1) منذ عام 1971 هو 10.7 في المئة، في حين أن المعدل السنوي للتغير في مؤشر أسعار المستهلك هو 3.9 في المئة فقط. وعندما نقوم بتضمين مؤشرات أسعار أخرى، نرى تباينات مماثلة، مثل الفروق الهائلة بين مؤشر أسعار المنتجين ومؤشر أسعار المستهلك، والتي جرت مناقشتها في مكان آخر. وقد تؤدي الفجوة الواسعة في هذه التدابير إلى تقييد فكرنا بشأن مدى فائدة “تقريب” مؤشر أسعار المستهلك لعواقب التضخم، وتثير تساؤلات حول كيف يمكننا أن نفسر لماذا أدت الزيادة السنوية بنسبة 11 في المئة في المعروض النقدي على مدى خمسة عقود إلى ارتفاع بنسبة 4 في المئة فقط في أسعار المستهلك.

المنطق المعياري لمؤشرات الأسعار

عند شرح مقاييس التضخم لطلاب، سيؤكد أستاذ الاقتصاد النموذجي أننا نقيس سلة السلع – متوسط أسعار عدة مئات من العناصر في فئة معينة – في محاولة لاستخلاص “التضخم الأساسي” في الاقتصاد.

يبدو أن المنطق صحيح ظاهريًا. وستؤثر عوامل معينة في أسعار عناصر معينة في السلة، ولكن الشيء الوحيد الذي يؤثر في سعر جميع العناصر في السلة هو المخزون النقدي. وهذا على الأقل هو الافتراض الموحَّد. وبالنظر إلى هذا الافتراض، قد يتأخر التغيير في مؤشر أسعار المستهلك إلى حد ما عن التغيرات في المخزون النقدي حيث تستغرق الأسعار وقتًا لتعديلها، ولكن يجب أن تتبع الإجراءات عن كثب إلى حد ما على مدى فترات طويلة.

فلماذا يعتبر مؤشر أسعار المستهلك منخفضًا جدًا؟

تراكم رأس المال ومستويات الأسعار الإجمالية

على مرِّ التاريخ وجدنا العديد من الابتكارات في التكنولوجيا والأعمال التي خفضت سعر سلال كاملة من البضائع. وتقدم تكنولوجيات النقل المثال الأسهل، من حواجز رسوم وقنوات وسكك حديدية ومركبات تعمل بالبخار في القرن التاسع عشر إلى عربات نصف مقطورة وحاويات الشحن في القرن العشرين. وبحسب وجهة نظر معينة، كانت تكلفة نقل البضائع عام 1817 من مدينة بوفالو إلى مدينة نيويورك 19.12 سنتًا للطن/ ميل، وبحلول عام 1850، انخفضت التكلفة إلى 1.68 سنتًا لكل طن/ ميل. ونظرًا لأنه يجب نقل السلع الاستهلاكية (والمكونات المستخدمة في صنعها) من المصنع إلى المخزن إلى بائع التجزئة، فإن أي انخفاض في تكاليف النقل ينتج منه تأثير مضاعف في الأسعار عبر الاقتصاد كله.

التغييرات الأخرى في التكنولوجيا وتنظيم الأعمال التجارية لها تأثير مماثل على مستوى الاقتصاد (على مستويات الأسعار). كما أدت الابتكارات التنظيمية في مجال الشحن، مثل خطوط الحزم ونموذج التوزيع المحوري والفروع، إلى خفض تكاليف نقل البضائع. كما تعمل تكنولوجيا الاتصالات، مثل التلغراف والإنترنت، على تقليل تكاليف المعاملات من خلال تسهيل نقل المعلومات وتخصيص الموارد بكفاءة.

وتؤدي ابتكارات لغرض الإنتاج، من خلال تقليل تكلفة تصنيع سلع ذات ترتيب أعلى، بالمثل إلى خفض أسعار السلع عبر الاقتصاد. كما عرف الرومان القدماء كيفية إنتاج الحديد الصلب، لكن طريقة) بِسِمِر) لإنتاج الصلب بكميات كبيرة سمحت لـ”أندرو كارنيجي” بتخفيض سعره بشكل كبير لدرجة أن منتجات الصلب انتقلت من الكماليات إلى الأدوات المنزلية العادية (ناهيك عن استخدام الصلب في السكك الحديدية والجسور والآلات، مما أدى إلى خفض تكلفة إنتاج ونقل حتى البضائع غير الصلبة). كما هو الحال مع النقل، ساعدت الابتكارات التنظيمية في طرق الإنتاج، مثل الأجزاء القابلة للتبديل وعملية خط التجميع، في جعل الإنتاج الضخم ممكنًا لجميع أنواع السلع الاستهلاكية.

ولكن بطبيعة الحال، فإن تراكم رأس المال ضروري لزيادة المكاسب من هذه الابتكارات عبر الاقتصاد. ومن خلال تأخير الاستهلاك وضخ المدخرات في خطوط الإنتاج الموسعة، ينشئ المستثمرون حلقة تغذية مرتدة تضمن مكاسب مستمرة من التقنيات الجديدة والاستراتيجيات التنظيمية. وربَّما تكون قد تصورت نموذج المحور والتحدث عن نقل أكثر كفاءة من حيث التكلفة للسفر الجوي، على سبيل المثال. ولكن كانت المساعي الريادية لـ”فريدريك سميث” و”سام والتون” هي التي كيَّفت هذه الفكرة مع نقل السلع. ولم يتمكنوا من تحقيق مكاسب اقتصادية تدريجية بل مستمرة إلا من خلال إعادة استثمار الأرباح ببطء في أعمالهم (وإجبار منافسيهم على فعل الشيء نفسه).

لا يمكن لمؤشرات الأسعار قياس عواقب التضخم النقدي لأن الضغوط الخافضة على الأسعار التي تمارسها هذه الابتكارات عبر الاقتصاد تعمل بشكل مستقل عن الضغوط المتزايدة على الأسعار الناتجة من التوسع الائتماني. وبعبارة أخرى، فإن عواقب التوسع النقدي أعمق بكثير مما يوحي به ارتفاع أسعار المستهلك. وعندما يكون مؤشر أسعار المستهلك منخفضًا، فإننا ندفع فقط للسلع الاستهلاكية أكثر قليلاً مما كنا ندفعه في العام السابق، لكن بدون تضخم نقدي سندفع أقل جدًا.

هذا في الواقع هو بالضبط ما حدث خلال معظم القرن التاسع عشر، إلى أن فرض ميثاق الاحتياطي الفيدرالي سياسة نقدية من شأنها أن تعمل على استقرار الأسعار، وهي طريقة تبدو إيجابية لوصف سياسة دعم الأسعار التي ستنخفض لولا ذلك مع توسع البنية التحتية الرأسمالية وزيادة الإنتاجية. وبشكل تقريبي، شهدنا زيادة سنوية بنسبة 4 في المئة في مؤشر أسعار المستهلك منذ عام 1971، كان ينبغي أن نشهد انخفاضًا بنسبة 7 في المئة سنويًا في الأسعار (بدون، تجدر الإشارة إلى الانخفاض المقابل في معدلات الأجور الذي يصاحب فقط التقليص الناتج عن الانكماش النقدي)..

علمنا “فردريك باستيا” ألا ننظر فقط إلى ما نراه، ولكن أيضًا ما هو غير مرئي عند تحليل عواقب السياسة. فمؤشر أسعار المستهلك هو مجرد نتيجة ملحوظة للتوسع النقدي في الأسعار، لكنه يعمل على إخفاء العواقب غير المرئية أكثر: مثل المكاسب الضائعة في مستويات المعيشة التي كان ينبغي أن تأتي من الانخفاض التدريجي في الأسعار الناتج عن الابتكار وتراكم رأس المال.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات 

المصدر: mises

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر