مركز سمت للدراسات انتخابات الرئاسة الكينية 2022.. السياق والنتائج | مركز سمت للدراسات

انتخابات الرئاسة الكينية 2022.. السياق والنتائج

التاريخ والوقت : الأحد, 18 سبتمبر 2022

شيماء البكش

 

شهدت كينيا في التاسع من أغسطس الماضي، التصويت على اختيار الرئيس الخامس للبلاد منذ الاستقلال، وذلك بالتزامن مع عقد انتخابات الجمعية الوطنية وكذلك انتخاب المقاطعات؛ لكن اكتسبت الانتخابات الرئاسية زخمًا نظرًا للسياق التاريخي المحيط بالعملية الانتخابية، وكذلك انعكاسات تلك الانتخابات على الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد.

سياق الانتخابات الكينية

تُعد هذه الانتخابات هي السابعة منذ اتجاه البلاد نحو الديمقراطية التعددية وإنهاء سيطرة الحزب الواحد عام 1992، وكذلك الثالثة بعد تعديل دستور 2010، الذي حاول معالجة المشكلات السياسية والعنف الذي شهدته انتخابات 2007؛ حيث حافظت البلاد على دورية انعقاد الانتخابات منذ التحول نحو التعددية الحزبية، مما جعل كينيا نموذجًا انتخابيًا أكثر إيجابية عن غيره من النماذج الإفريقية المحيطة التي تشهد إما خرقًا أو تراجعًا للمعايير الديمقراطية.

إقامة التحالفات الانتخابية المتغيرة هي السمة الحاكمة للمشهد الانتخابي الكيني، خاصة بعد مرحلة التعددية الحزبية في مطلع التسعينيات، حيث مهدت التعددية الحزبية إلى استمرار السيطرة العرقية في شكل التحالفات الحزبية المدفوعة بسيطرة قبائل بعينها بدلًا من سيطرة الحزب الواحد.

ومثّلت التحالفات السياسية في هذه الدورة الانتخابية، العامل الأكثر إثارة للجدل، بعد الخلاف الذي ضرب العلاقة بين الرئيس السابق “أوهورو كينياتا” ونائبه “وليام روتو”؛ بعدما اتجه الأول لدعم مرشح المعارضة “رايلا أودينجا” بعد الاتفاق الشهير بينهما عام 2018 “اتفاق المصافحة”.

على هذه الخلفية، يقود المرشح الحالي “وليام روتو” نائب الرئيس كينياتا والمنتمي للكالينجن الانتخابات بعد انشقاق الحزب الحاكم “حزب اليوبيل” وتصاعد الخلاف بين “كينياتا” و”روتو”، حيث يتنافس “وليام روتو” ممثلًا لحزبه الجديد “الحزب الديمقراطي المتحد” تحت مظلة ائتلاف “كينيا أولًا” في مواجهة “رايلا أودينجا” الممثل لتحالف “الحركة الديمقراطية البرتقالية”.

وفيما يتعلق بالمشاركة السياسية، أشارت التقديرات إلى انخفاض نسبة المشاركة إلى ما يصل إلى نحو 60% هذه الدورة الانتخابية، مقارنة بالنسب السابقة التي وصلت إلى 80% في انتخابات عام 2017. ورغم كون تلك النسبة ليست مؤشرًا حقيقيًا على طبيعة التفاعلات والسياق الانتخابي وما يجري بعيدًا عن صناديق الاقتراع، إلا أنه على أقل تقدير تعد مؤشرًا كاشفًا للسياق العام وحالة الرضاء العام للناخبين المتأثرين بالظروف الاقتصادية والأوضاع السياسية التي تشهدها البلاد خاصة الخلفيات السياسية للمرشحين.

ويُعد الإنفاق المبالَغ فيه على الحملات الانتخابية وإجراءات سيرها، أحد العوامل المثيرة لنقمة الناخبين، الذين يعانون من ضائقة في المعيشة وأحوال اقتصادية صعبة، بينما يرون المسئولين ينفقون مئات الملايين من الدولارات على عملية مفقود الثقة بها من الأساس، حيث تصل التكلفة الانتخابية إلى حوالي 370 مليون دولار في بعض التقديرات.

ويعد استحواذ الشباب كذلك على النسبة الأكبر من الناخبين، التي تصل إلى حوالي 40% أحد العوامل المؤدية لتراجع نسبة المشاركة، حيث بات الشباب ساخطًا على السياسات العرقية المسيطرة على المشاركة والحياة السياسية في البلاد، كذلك تعكس التحالفات الانتخابية المتغيرة، سعي الساسة لتحقيق مصالحهم على حساب أصوات الناخبين. كما أن عدم الوفاء بالوعود الانتخابية، المتعلقة بالتشغيل والوظائف وقضايا البطالة والشباب، يعد عاملًا قويًا في فقدان الشباب الرغبة في المشاركة.

قضايا الأجندة الانتخابية

رغم أن السياق الانتخابي والعملية السياسية نفسها تعد من القضايا المثيرة للجدل والاهتمام في الانتخابات الكينية، إلا أن القضايا الاقتصادية ومستقبل الوضع السياسي للبلاد، اكتسب أهمية في سياق العملية الانتخابية:

القضايا الاقتصادية

اتخذت القضايا الاقتصادية ضمن السياق الانتخابي بُعدًا أيديولوجيًا وطبقيًا، في إطار الانقسام العرقي الحاكم. حيث وظّف المرشحون القضايا الاقتصادية كموضوع انتخابي محل اختلاف؛ حيث قدّم روتو نفسه كمعبر عن الطبقات الكادحة، في مواجهة أبناء الرؤساء السابقين الذين ورثوا السلطة والثراء، مما يعد حافزًا إضافيًا للشباب والقطاعات الساخطة على سيطرة العرقية على الخيارات السياسية.

استطاع روتو بذلك يكسب تعاطف الناخبين، رغم لعب أودينجا على حالة التهميش العرقي لعرقيته “لو” مقابل سيطرة الكيكويو والكالينجن، إلا أنه يبدو أن المزاج العام للناخبين بات متأثرًا بالقضايا الطبقية والأيديولوجية عن حديث العرقية. وبذلك قفز روتو على إرث كينياتا واتهامات الفساد التي تلاحقه في فترة عمله كنائب الرئيس، حيث وعد بتعزيز قطاع التصنيع والتوسع في الحماية الاجتماعية، كما أنه قدم نفسه نصيرًا للطبقة الواقعة أسفل الهرم الاجتماعي، كما وعد أيضًا بتوفير التعويضات والرعاية الصحية الشاملة وإعادة توزيع الأراضي.

وبذلك حاول روتو توظيف أوراق أودينجا، المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، من أجل كسب التعاطف المجتمعي، في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتصاعد مخاوف انعدام الأمن الغذائي وارتفاع معدلات البطالة وكذلك تكاليف المعيشة، علاوة على ارتفاع مستوى الدين العام في البلاد من حوالي 16 مليار دولار في عام 2013 إلى حوالي 71 مليار دولار في أواخر عام 2021، في عهد كينياتا، وارتفاع معدلات البطالة التي وصلت إلى حوالي 40%. وبغض النظر عن الوعود والأوضاع الاقتصادية، فإن بروز الاقتصاد بشكل جليّ في الأجندة الانتخابية، ويعكس التقاطع بين الخط العرقي وغيره من القضايا الأيديولوجية، في ظلّ تصاعد شريحة الشباب بشكل كبير.

التحالفات الخارجية 

تثير الانتخابات الكينية الاهتمام المرتبط بانعكاسات توجهات الرئيس المستقبلي على طبيعة التحالفات والسياسة الخارجية لكينيا في محيطها الإقليمي وكذلك التحالفات الدولية. وتأتي هذه الأهمية من توظيف المرشحين لشبكة العلاقات الخارجية في السباق الانتخابي، حيث كشفت اتجاهات وميول كل مرشح عن طبيعة الأجندة الاقتصادية وشبكة العلاقات الخارجية المرجح إقامتها. وتعد كينيا نموذجًا للاستقرار والتجارة في منطقة شرق إفريقيا، كما أنها شريك إقليمي في مكافحة الإرهاب، مما يجعلها دولة محورية للسياسات الغربية في المنطقة، رغم حجم التقارب والتجارة مع الصين؛ حيث برزت الأخيرة بشكل جليّ في الأجندة الانتخابية لكلا المرشحين، خاصة مع أزمة الديون الحادة التي تحكم العلاقة بين البلدين، وانعكاس ذلك على الأوضاع الاقتصادية وفرص العمل للمواطنين، في ظل السيطرة الصينية على المشاريع والبنية التحتية؛ لم تنتج هذه المشاريع وظائف ذات أجور جيدة للشباب.

هذا فضلًا عن ترسيخ كينيا لنموذج انتخابي متقدم نسبيًا عن الأنظمة الإقليمية المحيطة التي تشهد قمعًا وتراجعًا في الديمقراطية، خاصة في غرب إفريقيا التي اتجهت نحو الديمقراطية وعقد الانتخابات الدورية منذ التسعينيات تزامنًا مع التوجه نحو التعددية الحزبية أيضًا في كينيا. لذا تظل كينيا محافظة على التقاليد الديمقراطية رغم ما يعتري العملية السياسية من انحرافات عن المعايير الراسخة؛ وتؤكد النماذج الأخرى في شرق إفريقيا على ذلك، حيث شهدت كل من تنزانيا وبوروندي انتخابات في 2020، وكذلك أوغندا في عام 2021، وكانت الأجواء العامة هي استمرار السيطرة التقليدية للحزب الحاكم وتعرض تلك البلاد للانتقاد من منظمات حقوق الإنسان.

فوز وليام روتو

صاحب إعلان رئيس مفوضية الانتخابات عن فوز وليام روتو بنسبة تصل إلى 55.5 %، بمؤشرات توتر ورفض للنتيجة من قبل أنصار رايلا أودينجا، مما أثار مخاوف من العنف الانتخابي، خاصة مع حالة الانقسام بين مفوضي اللجنة الانتخابية، وانتقاد بعضهم عملية فرز الأصوات.

 لكن تراجعت هذه المؤشرات مع مرور تأكيد النتائج بسلام من قبل اللجنة الانتخابية، ورفض المحكمة للطعون المقدمة من المرشح المعارض أودينجا؛ خاصة مع ما أبداه القضاء الكيني من تقدم نسبي ملموس في الحياة السياسية في البلاد؛ فقد ألغى القضاء الانتخابات عام 2017، بعد شبهات الفساد التي طالت العملية الانتخابية والشكوى التي تقدم بها أودينجا حينها ضد كينياتا. كما حصل حكم قضائي يقضي بعدم دستورية “اتفاق المصالحة” بين كينياتا وأودينجا عام 2018، فضلًا عن اعتراض القضاء على محاولات التعديلات الدستورية التي حاول كينياتا تمريرها. وقد استطاع روتو تأمين فوز انتخابي بعد أن استطاع تأمين أصوات “الكيكويو” العرقية التي ينتمي إليها كينياتا، حيث اتخذ نائبًا له من الكيكويو، كما أنه وظّف العامل الاقتصادي وتوجيه الانتقادات لسياسات كينياتا الاقتصادية، خاصة سياسة الاقتراض والدين العام لصالح الصين، فضلًا عن الوعود الاقتصادية.

وقد استطاع روتو تأمين حوالي 25% من الأصوات في 39 مقاطعة، من بينهم حوالي 15 مقاطعة من بين أكثر 24 مقاطعة تساهم في ترجيح الفائز وفقًا للدستور، كما اجتاح بجانب نائبه 17 مقاطعة: عشر مقاطعات في منطقة جبل كينيا، 7 في منطقة الوادي المتصدع، ساهمت بحوالي ثلثي الأصوات التي حصل عليها روتو لتحقيق الفوز، هذا فضلًا عن تحقيق روتو فوزًا في مناطق السيطرة التقليدية في الساحل وغرب كينيا. ويأتي هذا الفوز مقرونًا بالسياق الانتخابي الذي استطاع فيه روتو توظيف المظالم الطبقية والقضايا الاقتصادية، لتجاوز الانتماءات القبلية.

وبعيدًا عن المعارك الانتخابية التي خاضها روتو، ينتظره حمل ثقيل في ظلّ أوضاع اقتصادية صعبة تعيشها البلاد، حيث يتعين عليه معالجة المشكلات المتعلقة بالدين العام، وعدم المساواة الاجتماعية، وارتفاع معدل التضخم الذي وصل إلى 8.3%، فضلًا عن مواجهة تحديات الأمن الغذائي والجفاف التي تعاني منها كينيا والمنطقة. ويأتي هذا في سياق البرنامج الانتخابي الذي دفع به روتو في إطار تحالف “كينيا أولًا”، حيث وعد بتنمية اقتصادية من القاعدة إلى القمة، بما يضع الكثير من القضايا العاجلة على أجندة كينيا الجديد.

في الأخير، يبدو أن روتو استفاد من السخط الشعبي من سيطرة العرقية على الحياة السياسية، حيث نجح في تسليط الضوء على قضايا مثل التوريث وسيطرة عائلات وقبائل سياسية بعينها على الحياة السياسية، رغم انتمائه لعرقية الكالينجن التي ساهمت في تشكيل التحالفات السياسية مع الكيكويو، إلا أنه نجح في الانقلاب على ذلك الوضع من خلال تصوير تحالف كينياتا ورايلا أنه امتداد لأبناء السلالات الحاكمة، بينما هو تعبير عن الطبقات الكادحة في مواجهة أبناء النخبة، في حين أن تحالف أودينجا مع كينياتا جعله يحمل التركة الثقيلة لحكم كينياتا.

 

المصدر: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر