انتحار شباب الإخوان في تركيا.. إيمان مفقود وفساد يظهر للوجود

التاريخ والوقت : الأربعاء, 6 نوفمبر 2019

تعيش جماعة الإخوان المسلمين حالة تحول، يمكن وصفها بأنها علامات الأفول، حيث تعاني جراءها مخاض تغيرات كبرى وجوهرية خرجت بها من حالة الصمود والبقاء على مدار عقود متتالية، وهي الحالة التي اعتاد كثير من الباحثين والمراقبين ترويجها والحديث عنها، بل ولا يزال بعض باحثي الإسلام السياسي يعيدون إنتاج نفس الصورة التي كان عليها الإخوان قبل عقدين أو يزيد.

لقد خرجت الجماعة من حالة “الثبات” التي تسيطر على الخيال الإخواني فتحيله إلى صورة طوباوية عن الجماعة “الصامدة” “النقية” “الثابتة” رغم تعاقب المحن عليها عبر ثلاثة أرباع القرن أو يزيد! إنها حالة “تحول” تجعلنا حين التدقيق نوقن بأننا أمام حركة إخوان أخرى غير التي كنا نعرفها قبل عقدين أو ثلاثة، حتى ولو تواطأ على الإبقاء على الصورة القديمة الأنصار والخصوم.

ومن أهم ما يميز الجماعة الجديدة، انفراط عقد الشباب من حولها، فهم الكنز الاستراتيجي الذي اعتمدت عليه الجماعة عقودًا، واستندت في ذلك إلى أساليب عديدة، كانت كلها تدور حول محورين، هما: الإيمان والأمل، إيمان بحتمية دور الجماعة في النهوض بالأمة، وأمل في اللحظة التي يحين فيها تحقيق الحلم.

غير أن الضربة التي تلقتها الجماعة في مصر، على وجه الخصوص، (كونها معقل الإخوان ومنشأ الفكرة) بعد الرفض الشعبي لحكمهم في 2013، ثم الإطاحة بهم واستئصال شأفتهم بعد ذلك، أجهزت – من ضمن ما أجهزت – على محوري الجماعة اللذين أبقياها على مدار عقود عبر جذب آلاف الشباب، وقود أي تنظيم سياسي.. هذان المحوران هما الإيمان والأمل.

لقد أفل الإيمان والأمل من نفوس عناصر الجماعة، وفي القلب منهم شباب الإخوان، وهو ما بدأ في صور عدة، انطلاقًا من التخلي عن الجماعة والمجاهرة بالخروج منها، مرورًا بانتهاج أفكار مغايرة، بل ومعادية تمامًا لما تمثله الجماعة، كالعلمانية والإلحاد، وأخيرًا، الإقدام على الانتحار بعد أن فقد الشباب عنصري الإيمان والأمل، وهما ما يتم ترويجهما دائمًا على أنهما من أهم أسباب وجود الجماعة، وبالتالي وجود هؤلاء الشباب شخصيًا، وفقًا لأسلوب التنشئة في الإخوان.

انتحار الشباب.. تفاصيل كاشفة

كان إقدام شباب الإخوان في تركيا على الانتحار بمثابة ضربة قاصمة للجماعة وإعلامها ومشروعها، بل لا نبالغ إذا قلنا إنه مثّل ضربة قاصمة للنظام التركي الحاضن الأكبر للإخوان وأهم داعميه ماديًا وسياسيًا (إضافة إلى قطر).

تفاصيل تلك الصدمة كشفها شاب مصري يعيش في مدينة إسطنبول التركية، عندما تحدث عن انتحار 3 من عناصر جماعة الإخوان الفارين إلى هناك بسبب تخلي الجماعة عن دعمهم ماليًا، ما أدى إلى سوء أوضاعهم، وتعرضهم للتشرد والجوع.

ونشر الشاب المصري “عمر مجدي”، تدوينة على صفحته في الـ”فيسبوك”، يؤكد فيها انتحار 3 من شباب الإخوان الصيف الماضي، مضيفًا أن شابًا رابعًا حاول الانتحار قبل أيام ولكن تمَّ نقله إلى المستشفى وإنقاذه.

وتساءل الشاب في تدوينته عن سبب إقدام الجماعة على إنفاق 50 ألف دولار على مخيم في أغسطس الماضي لإحياء ذكرى فض اعتصام رابعة العدوية، فيما تتخلى عن الإنفاق عن عناصرها الفارين الذين هربوا من مصر بعد إدانتهم في قضايا عنف، بسبب مشاركتهم في تظاهرات وعمليات عنف وتخريب لحساب الجماعة.

وكشف الشاب في تدوينة أخرى أن عدد المقيمين في إسطنبول من المصريين يبلغ 20 ألفًا، ويعاني أغلبهم أوضاعًا سيئة مادية ومعيشية مما يعرضهم لأذى نفسي وقبولهم لإهانات واحتقارات وحياة لا إنسانية مقابل البقاء في تركيا وعدم تسليمهم لمصر.

دوافع الانتحار.. أبعد من المال

لا جدال في أن إقدام عدد كبير من شباب الإخوان الهاربين في تركيا على الانتحار، قد يعود إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها نتيجة عدم وجود موارد مالية وعدت قيادات الإخوان بتوفيرها لهم من خلال صناديق الدعم التي تقوم قيادات الجماعة بتوفيرها من التبرعات التي تجمعها من المراكز والجمعيات الخيرية التابعة لها في دول مختلفة تحت أسماء وهمية.

غير أن ارتفاع معدل الانتحار بين شباب الجماعة لا يرجع إلى أسباب اقتصادية في المقام الأول، بل هناك أسباب نفسية نتيجة حالة اليأس التي وصل إليها الشباب جراء الصدمة التي اكتشفوها في قيادات الجماعة الإرهابية التي استخدمتهم كدروع بشرية يحتمون بها لتحصيل مكاسب سياسية، وعندما فشلوا في ذلك تاجروا بالشباب لتحصيل منافع مالية قام قادة الجماعة الإرهابية بوضعها في حسابات بنكية خاصة بهم.

كما أن قادة الجماعة لم ينفقوا من هذه الأموال على رعاية الشباب الذين خدعوهم بمعاداة وطنهم والإقامة في تركيا، حيث تأكد الشباب من ممارسة قياداتهم الكذب عليهم بأنهم سيجدون مناخًا جيدًا في تركيا يمكنهم فيه بدء حياة جيدة، ولكن الشباب اصطدموا بعنصرية تركية من القيادة والشعب تمارس منهج قادة الجماعة في المتاجرة بقضيتهم لتحقيق مكاسب سياسية على المستوى القاري أو الشرق أوسطي.

تلك الأسباب مجتمعة أدت إلى دخول شباب الجماعة في حالة يأس متأزم أسهمت في فقدانهم الرغبة في الحياة بعدما تبينوا ضياع زهرة شبابهم وراء سراب وخداع تسبب في معاداتهم لوطنهم، وأفقدت الشباب الإيمان، سواء كان إيمانهم بالجماعة وما تمثله من أيديولوجيا ومشروع، أو الإيمان بالله، ما دفعهم إلى الإجهاز على حياتهم والانتحار هربًا من انهيار الثوابت التي تربوا عليها.

فهناك حالة من الشعور بالاغتراب للشباب المنضم إلى جماعة الإخوان بتركيا بعد انكشاف الحقائق عن زيف ادعاءات الجماعة، وهو ما يدفعهم نحو الانتحار عندما لا يجدون قوت يومهم، بينما تنفق قيادات الجماعة الإرهابية عشرات الآلاف من الدولارات لإحياء ذكرى تأسيس الجماعة وغيرها من المناسبات التاريخية في أذهان تلك القيادات، متجاهلين العناية بشأن الشباب الذين أقدموا على التضحية بأنفسهم ومستقبلهم إيمانًا بذلك الوهم الذي خدعهم به قيادات الجماعة الإرهابية.

نزاهة الإخوان.. صنم يتكسر

على مر السنوات، كانت جماعة الإخوان دومًا تتفاخر بـ”نزاهتها وطهارة يدها”، وأن الأنظمة الحاكمة تتهمها بالإرهاب وتجد ما يسوغ هذا الاتهام، لكن لم يحدث أن اتهمت تلك الأنظمة قيادات الجماعة بالفساد المالي والسرقة.

لكن، لم يظن قيادات الإخوان في أسوأ كوابيسهم أن ينكسر صنم النزاهة وطهارة اليد على يد شبابهم وأولادهم الذين تربوا في جنبات الجماعة وحواضنها ونشؤوا على أفكارها ومذهبها.

إن وقائع الانتحار بين شباب الإخوان تؤكد التصريحات التي أدلى بها الإخواني الهارب “أمير بسام”، في يوليو الماضي، بأن قيادات من جماعة “الإخوان” أنفقت أموالاً باهظة على عائلاتهم من بينها ما كشف عنه بأن نجل القيادي الإخواني “محمود حسين” قام بشراء سيارة فارهة بمبلغ 100 ألف دولار في الوقت الذي يعاني فيه شباب الجماعة الشح المالي.

هذا الأمر نتج عنه الدخول في صدامات بين قيادات الجماعة وعدد من الشباب بتركيا في الوقت الذي تخصص فيه الجماعة عناصرها في الخارج لجمع تبرعات مالية تحت شعارات دعم الشباب، إلا أن هذه التسريبات تؤكد تخلي القيادات عن الشباب وأن المصلحة الشخصية هي الغالبة عليهم.

 هناك تهديدات من شباب الجماعة بنشر الكثير عن وقائع الفساد والاختلاسات داخل جماعة الإخوان، وهو ما يمثل دليلاً قاطعًا على الكثير من أوجه التلاعب المالي والإداري بداخلها، إذ سبق أن أكد شباب الجماعة أن لديهم الكثير من التسريبات والتسجيلات حول اختلاسات واعترافات من قادتها بأن الأموال التي بحوزتهم تنفق لأغراض شخصية وليس لصالح الجماعة، من بينها ما تردد حول وجود ما يفوق الـ130 مليون دولار تمَّ إنفاقها دون معرفة أوجه ومصادر الإنفاق.

كما سبق أن بث شباب الجماعة تسجيلاً صوتيًا منسوبًا للقيادي بالجماعة والهارب لتركيا “أمير بسام” كشف فيه استيلاء القيادات على أموال الجماعة، وأموال التبرعات، وقيامهم بشراء عقارات وشقق سكنية فخمة بأسمائهم وأسماء أبنائهم، سواء في تركيا أو في غيرها.

وهدد شباب الجماعة بنشر تسجيلات أخرى تكشف فساد ومخالفات قادة الجماعة، خاصة بعد ردود الأفعال الواسعة التي توالت، عقب نشر تسجيل “أمير بسام”.

وأكد شباب الجماعة أن قادتهم يعيشون في تركيا حياة مرفهة ويتقاضون آلاف الدولارات نظير إشرافهم على مشروعات التنظيم، تاركين عناصر الجماعة يعيشون أوضاعًا مأساوية غير آدمية، ويتقاضون رواتب متدنية لا تسد رمقهم.

وكشفوا أن قادة الجماعة يقطنون في أفخم وأرقى مناطق إسطنبول، وهي “أغا أوغلو” و”كايا شهير”، و”بشاك شهير”، ويعيشون بفيلات وشقق فاخرة داخل تجمعات سكنية مغلقة بهذه المناطق، تتوافر بها حراسة دائمة، ويتعرض الزائرون لها لتفتيش دقيق، بل يمنع زيارة أي فرد لها دون إذن أو ترتيب مسبق.

إن هذه الخلافات بين قيادات الجماعة والشباب تعكس حجم المعاناة التي يعاني منها شباب الجماعة بالخارج، وأن الكثير منهم يريد التخلص من الانتماء الفكري لهذه العقيدة المشوشة، خاصة مع تصاعد حدة الاستخفاف والاستهانة بهم وبظروفهم من قادتها، وعلى رأسهم القيادي بالجماعة “إبراهيم منير” الذي خرج في أغسطس الماضي ليقول بأن الجماعة لم تجبر أحدًا على الانضمام إليها، في إشارة إلى نهج التخلي المتبع من قادة الجماعة عن شبابها.

أسباب ونتائج

– أهم أسباب انتحار الشباب:

* تخلي الجماعة عن دعمهم ماليًا، ما أدى إلى سوء أوضاعهم، وتعرضهم للتشرد والجوع.

* تعرض الشباب لأذى نفسي وإهانات وحياة لا إنسانية في تركيا.

* اليأس جراء الصدمة في قيادات الجماعة.

* عنصرية الأتراك ومتاجرة النظام بقضيتهم لتحقيق مكاسب سياسية.

* فقدانهم الرغبة في الحياة بعدما تبينوا ضياع شبابهم وراء سراب وخداع.

* فقدان الإيمان (بالجماعة ومشروعها) دفعهم إلى الانتحار هربًا من انهيار الثوابت.

أهم نتائج الظاهرة:

* فضح الفساد المالي لقيادات الإخوان وتحطم صنم النزاهة وطهارة اليد.

* تلقت الجماعة ضربة قاصمة بعد انكشاف التلاعب المالي والإداري داخلها.

* انكشاف فضيحة إنفاق 130 مليون دولار دون معرفة أوجه ومصادر الإنفاق.

* تصاعد حدة الاستخفاف والاستهانة بالشباب وبظروفهم من قادة الجماعة.

* الدخول في صدامات بين قيادات الجماعة والشباب بتركيا، ما يعمق انقسام الجماعة.

* الخلافات بين القيادات والشباب تعكس حجم المعاناة التي يعانيها شباب الإخوان بالخارج.

* غالبية شباب الإخوان يريدون التخلص من الانتماء الفكري للجماعة.

 

وحدة الدراسات الاجتماعية*

المراجع

– مفاجأة.. انتحار 3 من شباب الإخوان في إسطنبول بسبب رفض قادة الجماعة دعمهم – اليوم السابع – http://bit.ly/36A1o3V

– لسوء أوضاعهم وتخلي الجماعة عنهم.. انتحار 3 من الإخوان بتركيا – العربية. نت – https://ara.tv/462s3

– مرصد الإفتاء: انتحار عدد من شباب “الإخوان الإرهابية” في تركيا بسبب الظروف الاقتصادية – بوابة الأهرام –http://bit.ly/2WQmCpJ

– لماذا ارتفع معدل انتحار شباب الإخوان بتركيا؟ – العربية. نت – https://ara.tv/bxvrq

– أحمد سمير يكشف السبب الحقيقي وراء انتحار شباب الإخوان في تركيا – الفجر – http://bit.ly/2JTqGAd

– مرصد مصري يُحمّل “الإخوان” مسؤولية إقدام بعض شبابه على “الانتحار” – الشرق الأوسط – http://bit.ly/2JRS01E

– اتهام القيادات بالإنفاق السفيه وراء تزايد انتحار شباب الإخوان في تركيا – الرئيس نيوز- http://bit.ly/2qmZxPq

– جماعات الإسلام السياسي.. في زمن الأفول – سكاي نيوز عربية – http://bit.ly/2NgVtsX

– بماذا تخبرنا “نهاية الأيديولوجيا” عن أفول نجم الإسلاموية؟ – حفريات – http://bit.ly/2NhgrYw

– تحولات الإخوان المسلمين.. تفكك الأيديولوجية ونهاية التنظيم – حسام تمام – http://bit.ly/2WL7Dxf

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر