النموذج الصيني تحت الضغط

التاريخ والوقت : السبت, 14 مارس 2020

هارش. في. بانت

 

ما بدأ في مدينة ووهان الصينية أصبح الآن وباءً عالميًا، إذ ترى منظمة الصحة العالمية أنه ربَّما يكون من السابق لأوانه القول إننا في مرحلة تفشي الوباء، ولكن ينبغي أن تكون البلدان “في مرحلة الاستعداد”. فلا يزال عدد الضحايا في تصاعد بالصين، إذ تجاوز 77 ألف حالة مصابة على أقل التقديرات.

وقد تمَّ تأكيد أكثر من 1200 حالة في 30 دولة أخرى مع بروز إيران وإيطاليا كنقاط ساخنة خلال الأيام الأخيرة. ولا تزال العديد من سفن الشحن والنقل البحرية تنقطع بها السبل في البحر وتصاب الموانئ بحالات قلق من الركاب الذين يجلبون فيروس “كورونا”. ويتأثر السفر والصحة والاقتصاد حول العالم مع كل يوم يمر؛ وهو ما يفرض حالة من الضغط على الحزب الشيوعي الصيني بشكل واضح.إذ يقوم الحزب حاليًا باتخاذة العديد من الإجراءات “الحاسمة” للتصدي لتفشي هذا الفيروس القاتل، فقد قام الرئيس الصيني “شي جين بينغ” نفسه بفحص درجة حرارته في أحد المستشفيات في وقت سابق من هذا الشهر.

وبعد أن حاول تضليل الرأي العام واعتماد منهج رئيس الوزراء السابق “لي كه تشيانغ”، اضطر “شي” إلى العدول عن موقفه في الأيام الأخيرة. فقد بات هذا الوباء يمثل أخطر التهديدات التي تواجه الصينيين؛ إذ تجاوز عدد الوفيات الحالات التي شهدها العالم عامي 2002 و2003 حينما انتشر الفيروس الوبائي الرئوي الحاد الذي عُرف وقتها باسم “السارس”، فواجهت الصين غضبًا عالميًا للتستر على الحالات التي أصيبت فعلاً.

وليس من المستغرب أن تضطر الحكومة الصينية إلى الرد بطريقة غير مسبوقة بإغلاق مدن كاملة في مقاطعة “هوبي”، وإيقاف كافة خطوط النقل في جميع أنحاء البلاد، وإغلاق مناطق الجذب السياحي، وكذلك دفع مئات الملايين من الشعب الصيني للبقاء في منازلهم. فالمدن الكبرى مثل بكين وكونمينغ وجوانجتشو أغلقت فيها الشركات التي تواجه العبء الأكبر. وقد تمَّ وضع حوالي 56 مليون شخص من الصينيين في الحجر الصحي.

ولكن هذه الخطوات الصارمة جاءت متأخرة إلى حد ما بحيث يجعل النموذج الصيني في مأزق مرة أخرى. فحكومة بلدية ووهان قامت في بداية الأمر بحجب المعلومات، لكنها فشلت في السيطرة على انتشار الفيروس بشكلٍ فعالٍ، ما أدى إلى حدوث حالة طوارئ في الصحة على مستوى العالم. ونتيجة لذلك، فإن هناك غضبًا واسع النطاق ضد الحكومة الصينية على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما تأكد مع وفاة “لي وين ليانغ” عالم البصريات وطب العيون الذي كان يعقد حلقات ودروسًا للتوعية بهذا المرض ومواجهته.

أمَّا على مستوى الحزب الشيوعي، فقد تعرض عد من المسؤولين فيه للإصابة بالفيروس نفسه، ما أدى إلى وفاة عدد منهم وإثارة ردود فعلٍ قوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي في واحدة من أقوى موجات التوبيخ التي تعرضت لها الحكومة الصينية في الآونة الأخيرة. فقد تعرضت مصداقية الرئيس “تشي” وحزبه الحاكم لصدمة عنيفة؛ ذلك أن غطرسة المسؤولين الحكوميين الذين وضعوا مصالحهم الشخصية وولاءهم للحزب وقيادته فوق مسؤولياتهم الإدارية تجاه الشعب، ما أحدث تأثيرًا سلبيًا في الوقت الراهن. فلدى الرئيس “تشي” مبرراته للقلق الذي يعبر عنه، وخاصة مع التباطؤ الاقتصادي الذي سيتفاقم بسبب هذا الوباء. ومن المتوقع أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي الصيني انخفاضًا بنسبة تتراوح بين 1٪ و2٪ هذا العام. ويأتي هذا في وقت تتأثر فيه الرحلات البحرية من وإلى الصين، وتواجه هونغ كونغ أزمة احتجاجات، ونتائج الانتخابات المثيرة في تايوان التي صاحبها المزيد من ردود الفعل الأميركية المتشددة ضد بكين. فقد انخفض العجز في تجارة السلع الأميركية مع الصين بقيمة 74 مليار دولار في عام 2019 ما يشير إلى أن تكتيك رجل أميركا القوي دونالد ترمب ضد الصين أصبح يؤتي بعض ثماره.

يُشار إلى قدرة الصين على اتخاذ قرارات سريعة ومثيرة وتنفيذها على أنها “سمة استبدادية”، إذ تسعى لاتخاذ إجراءات احترازية قصوى لمواجهة تفشي فيروس “كورونا”. وقد استخدم الحزب الشيوعي الصيني الحاكم تكتيكًا معياريًا لتشتيت اللوم على المستوى المحلي وحشد الموارد للإيحاء بالاستجابة الجادة. فبعد أن تجاوز عدد القتلى في الصين 1000، تحرك الحزب بسرعة للإطاحة بعدد من كبار المسؤولين في “هوبي”، مركز اندلاع الفيروس. وبعد وفاة “لي وين ليانغ” وانتشار الغضب الشعبي بشكل كبير على الإنترنت، تمَّ إرسال أعلى وفد من هيئة مكافحة الفساد في الصين إلى “هوبي” للتحقيق في الطريقة التي تعاملت بها الشرطة مع “لي”.

ولتعزيز شرعية الحزب الشيوعي، من المهم أن ينظر المسؤولون إلى إقناع الجميع بأن الحزب قدم استجابة فعالة لمواجهة كارثة فيروس “كورونا”. ومن المرجح أن يستمر بقاء النظام الحاكم بشكل راسخ إذا اقتنع الجميع بأنه قادر على توفير الأمن والاستقرار، وهو ما يحاول أن يحققه الحزب الشيوعي في الصين. ثم إن سوء الإدارة الواضح لأزمة كارثة فيروس “كورونا” يؤكد مدى هشاشة هذا النظام، وضعف إمكانية قيام اللجان الرقابية بالحفاظ على نموذج الحوكمة الفعالة. فقد جعلت هذه الأزمة العالم يدرك أن ما يسمى بـ”النموذج الصيني” هو ليس كل ما تمَّ صنعه بالصين فحسب.

ففي نهاية المطاف سيتم السيطرة على تفشي المرض. وبالتأكيد سيُعتبر ذلك انتصارًا كبيرًا للنظام الصيني والرئيس “شى جين بينغ”. لكن ما يبدو أكثر وضوحًا أن التكلفة التي يتحملها المواطنون الصينيون ستكون من أجل الحفاظ على بقاء الحزب الشيوعي الصيني الذي تزداد سيطرته على السلطة يومًا بعد آخر.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مؤسسة المراقب للأبحاث

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر