المناورة التركية: تأثير السياسة الخارجية العدوانية

التاريخ والوقت : الأربعاء, 29 يناير 2020

مصطفى باتمان

 

تسعى تركيا إلى الطاقة وبسط نفوذها بشكل عدواني، فقد يكون التدخل في ليبيا أكثر اضطرابًا وخطورة من تحركاتها في سوريا. فالنزاعات في الشرق الأوسط تجذب عددًا من التدخلات، إذ يمكن ذلك أن يحول المنطقة إلى برميل بارود، كما يضيف التدخل التركي في النزاع الليبي بعدًا عدوانيًا جديدًا. فقد وافق البرلمان التركي على مشروع قانون لنشر قوات تركية في ليبيا بزعم تقديم المشورة لقوات حكومة الوفاق الوطني ضد قوات الجنرال خليفة حفتر، المدعوم من روسيا ومصر والإمارات العربية المتحدة. وقد نددت العديد من الدول القرار التركي ووصفوه بأنه استفزازي ومزعزع للاستقرار في المنطقة. إذ يقف وراء هذه المناورات العسكرية والدبلوماسية صراع من أجل الطاقة والنفوذ السياسية.

وقد أعلن “فاهارتن ألتون”، مدير الاتصالات بالخارجية التركية، عن الهدف من ذلك عبر حسابه على موقع “تويتر” قائلاً: “ستعمل تركيا على الدفاع عن القانون الدولي وتحقيق الأمن والحفاظ على السلام في ليبيا وشرق المتوسط. وسوف نمنع أي جهد لاستغلال الصراع في المنطقة. وفي الوقت نفسه، نحن مستعدون أيضًا للتعاون على إرساء الاستقرار”. وقد تشكلت حكومة الوفاق بموجب قرار صادر عن الأمم المتحدة في عام 2015، ودعمتها كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، يقع النفط في قلب هذا الصراع، إذ تنتهج الحكومة التركية سياسة خارجية عدوانية ضد تحالف قبرص ومصر وإسرائيل واليونان في شرق البحر المتوسط. وقد انطلقت تلك السياسة التركية كرد فعلٍ على اتفاقية تمَّ توقيعها بشأن ترسيم الحدود البحرية ​​مع ليبيا، وجاءت أيضًا ردًا على تشكيل قبرص لتحالف يهدف إلى تطوير قطاع الطاقة في شرق البحر المتوسط. وقد وصفت السلطات التركية اتفاقها بأنه وسيلة لمنع محاولة التحالف لتطويق تركيا. وقد استنكرت اليونان وإسرائيل وقبرص الاتفاقية التركية الليبية باعتبارها استفزازية، مما يوحي بأنها تقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة. ووقعت تلك الدول على تدشين مشروع لمد خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من شرق البحر المتوسط​​ إلى أوروبا. وجاءت الخطوة الدبلوماسية التركية الأخيرة كرد فعلٍ على استبعادها من مشروعات استكشاف الغاز في البحر المتوسط. وقد أصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أنه لا يمكن المضي في أي مشروع دون موافقة تركيا بعد اتفاقها مع ليبيا.

لقد دعمت كافة الأحزاب السياسية التركية الممثلة بالبرلمان سياسة أردوغان في سوريا، باستثناء الحزب الشعوب الديمقراطي. ومع ذلك، لا تزال مكاسب تركيا غير واضحة. فإضافة إلى ذلك، نجد أن التدخل قد كلف تركيا فقْدَ نحو مئة وثمانين شخصًا فيما يعرف بعملية “درع الفرات”، وعملية “غصن الزيتون”، وعملية “نبع السلام”.

وقد زاد الإنفاق الدفاعي، بما يصل إلى 12.9% من إجمالي الميزانية العامة لتركيا، في حين ارتفع معدل البطالة إلى 14%، وتجاوز التضخم حاجز 11% في ديسمبر الماضي.

وكان للتوجه القومي عواقب سلبية على اللاجئين السوريين في تركيا، وكذلك على حكومة أردوغان نفسها. فالقوميون الأتراك يعتبرون السياسات الخاصة باللاجئين هي السبب في مشاكل البلاد الاقتصادية، إذ أعلن أردوغان خطة لإرسال اللاجئين إلى المنطقة الآمنة في سوريا. ولم يرَ العديد من الأتراك أن خطة التسوية تلك قابلة للاستمرار، ولم تكن العديد من الأحزاب السياسية في تركيا (حريصة على المخاطرة مرة أخرى)، إذ استتبع ذلك إدانة دولية للحكومة التركية بسبب ممارساتها في سوريا.

وقد رفض حزب الشعب الجمهوري وحزب الخير والحزب الشعوب الديمقراطي، مشروع قانون نشر القوات التركية في ليبيا. وفي هذا السياق وصفت المعارضة تلك المغامرة الجديدة في ليبيا بأنها سياسة عثمانية جديدة. كما عارض حزب المستقبل، بقيادة رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، وهو مهندس السياسة التركية في سوريا، قرار إرسال قوات إلى ليبيا.

وتدعم أحزاب المعارضة الدبلوماسية والحوار، إذ يمتلك حزب الشعب الجمهوري، المعارض الرئيسي في البرلمان التركي، رؤية مشابهة لوجهة نظر حلف الناتو، فيرى أن دعم جانب واحد أثناء النزاعات الداخلية لا يمكن أن يعزز الاستقرار.

ويشير حزب الشعوب الديمقراطي أيضًا إلى أن سياسات الحكومة العدوانية خلال الحرب في سوريا، وكذلك ما يسمى بالربيع العربي، إنما جاءت بدعمٍ من قادة مرتبطين بجماعة “الإخوان المسلمين”، وهي السياسة التي أدت إلى عزل تركيا وتدمير علاقاتها الجيدة مع سوريا ومصر ولبنان وإيران.

وفي هذا يشكك المراقبون في إمكانية إقامة تحالفات جديدة في ليبيا. ففي حين تسعى تركيا وإيران وروسيا للتوصل إلى اتفاق بشأن سوريا، أثار الدعم الروسي للنظام في إدلب أزمة أخرى بالنسبة للاجئين. فخلال الأشهر القليلة المقبلة، قد يتوجه مئات الآلاف من الأشخاص إلى الحدود التركية، في الوقت الذي لم توضح تركيا كيف ستتعامل مع هذا التحدي.

في هذا الإطار ربَّما تضع أزمة إدلب وتدخل تركيا في ليبيا، أنقرة وروسيا في طرفين متقابلين مرة أخرى. فقد بدأ وقف إطلاق النار في ليبيا بوساطة روسيا وتركيا في 12 يناير. وإذا لم يتحقق السلام من خلال المؤتمرات الدولية، فإن تركيا مقبلة على تدمير علاقتها مع روسيا بما يؤدي إلى عزلة تامة لتركيا في المنطقة.

هنا تستهدف المناورة التركية تحقيق أمرين: أولاً، إنها ترغب في إبقاء حكومة الوفاق الوطني في السلطة في ليبيا لتأمين الحصول على مزايا شرق البحر المتوسط ​​وزيادة الأنشطة الاقتصادية في شمال إفريقيا عن طريق استخدام وجودها في ليبيا كمدخل لذلك. فمن خلال إرسال قوات تابعة لها إلى ليبيا، تمكنت تركيا من المشاركة في المؤتمرات الدولية التي تحدد مصير البلاد. وفي حين تستخدم تركيا قوتها العسكرية لتحقيق مزايا دبلوماسية، لكنها تبدو في خطر واضح بفقدانها الاحترام في الساحة الدولية. وقد كانت من بين نتائج مؤتمر برلين الدعوة لإنهاء جميع الحركات العسكرية من قبل أطراف النزاع في ليبيا أو تقديم الدعم المباشر لها. إذ ربَّما تواجه البلدان التي لا تلتزم بحظر الأسلحة عقوبات قد تكون أداة مفيدة لأردوغان في الساحة المحلية.

إلا أن الهدف الأهم لحكومة أردوغان يكمن في استعادة شعبيته في الداخل. وقد ساهمت المشاكل الاقتصادية، وتزايد التوجهات العلمانية بين الأجيال الشابة والممارسات السلطوية لأردوغان، في خسارة الحكومة في الانتخابات البلدية الأخيرة في 2019، وخاصة في إسطنبول.

إضافة إلى ذلك، فإن حزب العدالة والتنمية يبدو حاليًا في أزمة، إذ يقوم زعماء الأحزاب السابقة بإنشاء أحزاب سياسية جديدة، مثل حزب المستقبل الذي يقوده أحمد داود أوغلو، وآخر تحت قيادة علي باباجان، وزير الاقتصاد السابق؛ ما قد يجعل أردوغان يشعر بأن خياره الوحيد هو الاعتماد على تهديدات الدول الأخرى، وتوظيف ورقة القومية لاستعادة شعبيته.

أمَّا على الساحة الدولية، فإنه يعمل على إيجاد حلول جديدة لتطوير الدبلوماسية والحوار في جميع أنحاء الشرق الأوسط وتثبيط التدخلات التي يقوم بها. أخيرًا، إن فرض عقوبات على تركيا قد يزيد من التوجهات القومية فقط، إذ ينطوي ذلك على دعاوى للمجد التاريخي تحت الحكم العثماني الذي يضفي الشرعية على الحكم المناهض للديمقراطية والليبرالية.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: Yale Global Online

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر