مركز سمت للدراسات المشروعات الصينية في آسيا الوسطى: كيف تعمل رأسمالية المحاسيب على إضعاف العدالة | مركز سمت للدراسات

المشروعات الصينية في آسيا الوسطى: كيف تعمل رأسمالية المحاسيب على إضعاف العدالة

التاريخ والوقت : الأحد, 18 أبريل 2021

جول بيرنا أوزكان

 

اكتسَبَ النُفوذ الاقتصادي الصيني في آسيا الوسطى طابعًا جديدًا بعد وصول الرئيس “شي جين بينغ” إلى السلطة، حيث يوجد حضور صيني مُتزايد في جميع الأنشطة الاقتصادية تقريبًا، ويتراوح الحضور بين الشركات الكبيرة متعددة الجنسيات والشركات الصغيرة، وفي منطقة ذات دول ومؤسسات ضعيفة يشق هؤلاء اللاعبون طريقهم ويضعون قواعدهم الخاصة، وفي سبيل تسهيل عملياتها تتبع الشركات الصينية العديد من الاستراتيجيات مثل شراء الدعم السياسي، وتعطيل المحاكم الوطنية، والإضرار بالبيئة دون تداعيات، وتقصير المقاولين المحليين، فالعديد من الحالات التي لاحظتها خلال رحلتي البحثية إلى المنطقة في أبريل 2019 تُظهِر حوكمةً جديدةً ناشئةً مع قواعد مُتغيرة.

وفي حين أن الفساد ليس جديدًا فكثيرًا ما تواطئت الشركات مع المسؤولين للالتفاف على القانون، مثلًا تقوم “مبادرة الحزام والطريق” الصينية بنشر “رأسمالية المحاسيب” في جميع أنحاء آسيا الوسطى، ويستوعب هذا النظام مصالح النخب السياسية في المنطقة في مختلف المخططات ذات المنفعة المتبادلة، وبالتالي فإن كِلا الجانبين يقف حاجزًا ضد الشفافية كما تعمل كافة أنواع الشركات الصينية في المنطقة، وعلى عكس الأسواق الأكثر تقدمًا فإنها تخضع للحد الأدنى من التنظيم ولا تشعر غالبًا بأي التزام تجاه المعايير المحلية.

يمكننا النظر إلى ثلاث حالات توضح جوانب مختلفة من الممارسات التجارية الصينية: محطة التدفئة المركزية في بيشكيك، والكارثة البيئية في حقل النفط القرب أكتاو، والنزاعات حول التعاقد من الباطن في بيشكيك وأوش.

لقد كانت اقتصادات آسيا الوسطى تنجرف نحو جارتها الكبيرة منذ استقلالها، حيث ارتفعت تجارة الصين مع المنطقة من 1.8 مليار دولار أميركي في عام 2000 إلى أكثر من 50 مليار دولار أميركي في عام 2018، وبينما تمثل المنطقة (0.8%) من الواردات الصينية و(0.9%) من الصادرات الصينية، وقد ارتفعت حصة وارداتها وصادراتها من الصين إلى(37%- 22%) على التوالي في عام 2020‪ ولا تعكس هذه الأرقام بشكل كامل تباينًا كبيرًا بين دول المنطقة، فعلى سبيل المثال فإن كازاخستان لديها النسبة الأكبر، كما أن العلاقات التجارية تحركها حاجة الصين إلى الموارد الطبيعية، لكن التبادل التجاري لا يعكس بالكامل ملكية الصين المتزايدة لموارد التعدين والمعادن والطاقة في المنطقة، وتمتلك الشركات الصينية حاليًا ربع الإنتاج من النفط في كازاخستان، كما أنها تمثل أكثر من نصف صادرات الغاز في تركمانستان، وتمتد هذه المصالح إلى ما هو أبعد من النفط والغاز في مناطق تجارة الجملة، واستخدام الأراضي الزراعية، ونقل المصانع القديمة من الصين للمنطقة، ويعتبر بنك الصين للاستيراد والتصدير “Eximbank ” أكبر دائن منفرد لطاجيكستان وقيرغيزستان ويمتلك على التوالي (49- 36%) من ديونهما الحكومية.

لقد كانت إحدى المبادرات المبكرة “لمبادرة الحزام والطريق” بمثابة تحديث لمحطة الطاقة القديمة في بيشكيك، والتي بدأت في عام 2014 بتمويل من خلال اتفاقية قرض مدتها 20 عامًا بين بنك التصدير والاستيراد الصيني وحكومة قيرغيزستان، وقد فازت شركة “تبيان” للأجهزة الكهربية Tebian Electric Apparatus Stock Co. Ltd. (TBEA)” ومقرها في شينجيانغ، بعقد قيمته 386 مليون دولار لكن العمل تقدم ببطء كما أنه تم اختلاس أموال، فقد ضغط رئيس الوزراء القرغيزي السابق” سابار إيزاكوف” نيابة عن شركة “تبيان” حيث اتُهم كل من “إيزاكوف” ورئيس بلدية بيشكيك” كوبانيشبيك كولماتوف” بالاستفادة المالية من المشروع وتم سَجنهُ لاحقًا بتهم تتعلق بالفساد، ورغم كونها شركة خاصة إلا أن موقع “تبيان” يفتخر بأنه “يمارس بنشاط الاستراتيجية الوطنية لمبادرة الحزام والطريق”.

إن محطة توليد الكهرباء في بيشكيك، وغيرها من المؤشرات الدالة على الإسراف في استخدام القروض، تُعَرِّض الاقتصادات الضعيفة للخطر، كما يخشى الكثيرون في قيرغيزستان فإنها تستنزف الموارد وتضخم الفساد، وعندما يكون السياسيون من المدينين الفاسدين فإنهم يتنازلون عن المزيد من الحقوق لدائنيهم أو أنهم يبيعون بسعر رخيص.

وفي حالة أخرى، تم منح شركة “تبيان” ترخيصًا لتشغيل منجم ذهب دون أي إشراف وطني في طاجيكستان مقابل بناء محطة طاقة مجانًا.

علاوة على ذلك عندما يتعلق الأمر بتسوية النزاعات والتحكيم، فإن الشركات الصينية تُحيل الأمور إلى المحاكم الدُولية أو تستخدم الأعمال الانتقامية والتهديدات في حين ينقسم اللاعبون المحليون غالبًا إلى مجموعات ذات مصالح مختلفة، كما تستهلكهم النزاعات السياسية المحتدمة، وهو ما يفسح المجال أمام القليل من الفرص لمتابعة المصلحة العامة.

وفقًا لما تمت ملاحظته في بكين، يرى الممثلون الصينيون آسيا الوسطى باعتبارها “غرب متوحش” يجب ترويضه، إن ما أخبرني به استاذ ومستشار سياسي في بكين يلخص هذا الرأي السائد على نطاق واسع حيث قال: “نحن بحاجة إلى أن نكون أعلى صوتًا وأن نُظهر أنيابنا، فنحن لا نريد أن تتحول آسيا الوسطى إلى أرض لقطاع الطرق”.

لا تتحمل الشركات الصينية أي مساءلة عندما يتعلق الأمر بالأضرار البيئية، فبالكاد تم الإبلاغ عن حريق في “حقل كالامكاس النفطي” بالقرب من أكتاو في عام 2019، ولا تزال أسبابه غامضة، كما أنه لم يقدم أي من المالكين الرئيسيين لشركة الطاقة الكازاخستانية الحكومية “كازمونيجاس KazMunayGas” وشركة “سي إن بي سي CNPC” الصينية، أي تفسيرات أو تعليق على الضرر الناجم عن الحريق وانسكاب النفط، لقد قابلت مجموعة من المهندسين والأكاديميين في جامعة “ياسينوف Yessenov” في أتيراو، بعد أسابيع فقط من الحادث وكانوا غاضبين من وصول الشركات الصينية غير المقيد واستمرار الضرر البيئي، كما قال أحد السكان المحليين وقد نشأ في أكتاو: “إننا نشرب المياه المصنعة، ونتناول الطعام المستورد”.

إن المشكلة تكمن في غياب المساءلة، ذلك أن هناك العديد من الأمثلة على ضعف الحماية القانونية للمصالح الكازاخية ضد الشركات الصينية، فقد نشأ نزاع بين الحكومة المحلية ومورِّد صيني حول مناقصةٍ لتغيير الإناءة في المدينة قبل قمة دول بحر قزوين في عام 2018. ولم تقم الشركة بتسليم العقد في الوقت المحدد، ونتيجة لذلك أخطرت الحكومة الشركة بإنهاء العقد قبل شهر واحد من القمة، فقام الجانب الصيني برفع دعوى قضائية وحصل على تعويضات رغم أن إنهاء العقد كان قانونيًا، وقد قال للمدعي العام الذي تعامل مع القضايا المتعلقة بشركات صينية: “في المحاكم الكازخية، فإن الصينيين يضعون هذا الموضوع في المقدمة، حيث يعرف رجال الأعمال الصينيون جيدًا مستوى الفساد وشهية المسئولين، كما يدركون أن ذلك الوضع مهين للغاية “.

لقد تلقت قيرغيزستان بالفعل 700 مليون دولار على شكل قروض من بنك الصين للاستيراد والتصدير لتمويل استكمال الطريق السريع الذي تقوم ببنائه “شركة الصين للطرق والكباري China Road and Bridge” ومقرها بكين، حيث تم تحديد تاريخ الانتهاء في عام 2021.

ويتم تنفيذ معظم المشاريع الكبيرة من قبل المهندسين والعمال الصينيين، وبمجرد اكتمال المشروع ستصبح صيانة الطرق تمثل مشكلة، وتكافح العديد من الشركات الصغيرة في قيرغيزستان للبقاء على قيد الحياة، كما أن القروض الصينية لبناء الطرق لا تعزز القدرة التقنية المحلية ولا تسمح بنمو الأعمال للمقاولين من الباطن، وتستخدم الصين قدرتها التصنيعية المحلية الزائدةووهو ما يعد أكثر فاعلية من الناحية الإدارية والمالية، ومع ذلك هناك أيضًا حقائق جزئية للأعمال الصغيرة.

على سبيل المثال، فاز أحد المقاولين الذين يعملون من الباطن في قيرغيزستان بمناقصة لبناء جزء من الطريق في بيشكيك نيابة عن شركة صينية منذ عدة سنوات، وفي غضون ستة أشهر أفلس هذا المقاول حيث لم يحصل على نصيبه من المال ولتنفيذ العطاء حصل على قرض مصرفي، ولم يتمكن سوى من إنهاء جزء من العمل في حين ادعت الشركة الصينية أنها دفعت المبلغ لشريكه في العمل لكنه نفى ذلك بشدة، لقد كان المقاول يخشى من المستقبل حيث قال: “يجب على السياسة الصينية أن تمنح أكبر قدر ممكن من الائتمان، ثم تطلب من حكومة قيرغيزستان تسديدها بنسبة مئوية عالية” ويُلاحَظ أن هذه المشاعر منتشرة على نطاق واسع، كما تزايدت الاحتجاجات ضد الصين في قيرغيزستان، تمامًا كما هو الحال في كازاخستان المجاورة، حيث تم تسجيل 106 احتجاج متعلق بالصين في كلا البلدين منذ عام 2018.

وتقوم الصين بتصدير نموذجها الخاص من” رأسمالية الماحسيب” والاستبدادية للدول النامية كما يظهر في الحالات المذكورة سابقًا، كما ان هناك العديد من الآثار بعيدة المدى تظهر في شكل مديونية اقتصادية كلية متزايدة، وانهيار إضافي للدولة تحت سيطرة النخب الفاسدة والمرنة، وتفكك للبيروقراطية الضعيفة ونظام العدالة، وإحباط بين أوساط المجتمع، وعليه فإن إن تزايد الظلم في توزيع الموارد، والافتقار للمساءلة، وعدم المساواة الاجتماعية يزيد من الاستياء والاحتجاج، وبالتالي فإن ما يجعل التعامل التجاري مع الصين معقدًا هو أن جميع الشركات تعمل كذراع لمصالح الدولة.

مع ذلك، يبدو أن الصين تسعى لتعزيز نفوذها بشكل أكبر عبر التدخل المباشر في سياسة الخلافة عندما تصبح الأنظمة غير مستقرة، كما لاحظ “تيمور عمروف” فقد أصبحت الروابط بين التمويل والشركات الصينية وسيلة متزايدة الأهمية للإثراء الذاتي بالنسبة للعديد من العائلات والجماعات الحاكمة في المنطقة، كما تستخدم ذلك لتعزيز النفوذ الإقليمي للصين.

ففي أكتوبر 2020‪ حل “صدر جاباروف” الذي كان مدعوماً من قبل العديد من القوى التجاريين المرتبطين بالصين محل الرئيس السابق “سورونباي جينبيكوف” في قيرغيزستان عبر ثورة شعبية، إن ذلك لا يعد تقدما للديمقراطية بل هو مجرد تعديل وزاري، حيث تُظهر الهجمات الأخيرة على الشركات الصينية في ميانمار بالتوازي مع الاحتجاجات التي تُدين الدعم الصيني الضمني للنظام العسكري أن المخاطر كبيرة للغاية.

أخيرًا، إن مثل هذه الأحداث سيكشف المزيد عما يَكمُن وراء قِناع “التعايش السلمي”.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مركز أبحاث السياسة الخارجية Foreign Policy Research Institute

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر