مركز سمت للدراسات المسار الانتقالي في تشاد: المصاعب والفرص والآفاق | مركز سمت للدراسات

المسار الانتقالي في تشاد: المصاعب والفرص والآفاق

التاريخ والوقت : الجمعة, 30 أبريل 2021

كان مركز الامارات للسياسات قد توقَّع في ورقة سابقة دخول تشاد في مصاعب الانتقال السياسي بعد إعلان تسلُّم المجلس العسكري الانتقالي السلطة إثر مقتل الرئيس السابق إدريس ديبي في 18 أبريل 2021. وهذه الورقة تهدف إلى الوقوف عند محددات وسياقات المرحلة الانتقالية في تشاد مع رصد مصاعبها، واستكناه آفاقها المستقبلية.

مستجدات الوضع السياسي التشادي

بعد مراسيم تشييع الرئيس إدريس ديبي يوم الجمعة 23 أبريل 2021 بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعدد من الرؤساء الأفارقة، برزت الخطوط العامة للمرحلة الانتقالية، كما تجلَّت للعيان المصاعب والإشكالات التي تكتنفها. ومن أبرز هذه الاتجاهات والخطوط العامة:

تسلُّم القيادات العسكرية القريبة من الرئيس الراحل مسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية، وهي في الغالب من محيطه الأسري والعشائري والقيادات التي صَحبته منذ مرحلة التمرد العسكري وسنوات الحكم الأولى. وأبرز هذه القيادات التي يتشكل منها المجلس العسكري:

نجله محمد ادريس ديبي الذي تولَّى رئاسة المجلس، وبالتالي رئاسة الدولة والقيادة العليا للجيش.

الطاهر اردا، مدير المخابرات العسكرية والقائد السابق لأركان الجيش، وينحدر من قبيلة ديبي الزغاوة وقد صحبه منذ سنوات التمرد العسكري ضد الرئيس الأسبق حسين هبري، كما أن أخاه حامد متزوج من إحدى بنات الرئيس ديبي.

أحمد يوسف محمد اتنو، ابن أخ الرئيس ديبي، وهو المدير العام للشرطة، وأخوه ابكار من كبار القادة العسكريين النافذين في الجيش.

أبو بكر عبد الكريم داوود، قائد أركان الجيش، وينحدر من قبيلة الزغاوة، وعمل سابقاً قائداً للدرك وقائداً لقوات المشاة، والتحق بإدريس ديبي خلال فترة التمرد العسكري قبل الوصول للسلطة.

سليمان أبو بكر أدوم، وزير الأمن العمومي، ومن القيادات العسكرية الميدانية المقربة من الرئيس الراحل.

محمد إسماعيل شعيبو، المدير السابق للوكالة الوطنية للأمن وللاستخبارات العسكرية وهو الوزير الحالي للإدارة الإقليمية، وينحدر من قبيلة الزغاوة، وله علاقات قوية داخل الجهاز الاستخباراتي السوداني.

بشارة عيسى جاد الله، كان قائد الأركان الخاصة للرئيس ديبي، ووزير سابق للدفاع، وهو من أقارب نائب رئيس المجلس العسكري السوداني الجنرال محمد ديقلو (حميدتي).

تعيين البير باهيمي باداكيه رئيساً للحكومة، وهو شخصية سياسية مدنية، تنقَّل في السابق ما بين الوظائف الوزارية بما فيها رئاسة الحكومة قبل إلغائها عام 2018 وصفوف المعارضة، وترشَّح للانتخابات الرئاسية الأخيرة وحصل فيها على المركز الثاني بنسبة 10.32 بالمائة، وقد عَهد إليه المجلس العسكري بتشكيل حكومة وفاق وطني تضم مختلف أطياف الحقل السياسي التشادي.

بروز نمط من الإجماع الإقليمي الواسع في المحيط الإفريقي على دعم عملية الانتقال السياسي عن طريق المجلس العسكري الحاكم مع قبول فرنسي وأوروبي وتردُّد أمريكي.

فرص المسار الانتقالي ومصاعِبُه

خلال مراسيم تشييع الرئيس الراحل إدريس ديبي تبلورت مبادرة للوساطة ما بين الفرقاء السياسيين من خلال تكليف دول مجموعة الساحل وفرنسا الرئيسين الموريتاني محمد ولد الشيخ والنيجري محمد بازوم بترتيب حوار جامع بين المجلس العسكري وأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والحركات المسلحة، وصولاً إلى صيغة توافقية للحل السياسي تفضي إلى تنظيم انتخابات رئاسية شفافة ونزيهة في مدة يتم تحديدها بالتشاور بين مختلف الأطراف.

وهكذا عقد الرئيسان المكلفان بالوساطة سلسلة اجتماعات مع المجلس العسكري الانتقالي، ومع 30 شخصية سياسية معارضة، وأعلن الرئيس فرنسي ماكرون أن بلاده تطالب بمشاركة القوى السياسية في ترتيبات المرحلة الانتقالية للحيلولة دون انزلاق تشاد نحو العنف والفوضى. ومع أن المجلس العسكري الانتقالي تبنَّى رسمياً الحل السياسي التوافقي، إلا أن العديد من المصاعب بدأت تظهر بوضوح منذ الأيام الأولى، ومنها:

بروز خلافات واسعة في المحيط العائلي المباشر للرئيس ديبي، تسرب منها رفض زكريا نجل الرئيس الراحل خلافة أخيه لوالده، بحجة أنه يفتقر للخبرة السياسية المناسبة. كما تسربت معلومات عن تذمُّر زوجة الرئيس الأخيرة هندا التي كانت تدير مكتبه في السابق وأخوها هو مرافقه العسكري وقد حضر مصرعه، كما أن ثلاثة من إخوتها تبوأوا مراكز وزارية. ومع أن القيادات العسكرية الأساسية المنحدرة من مجموعة الزغاوة التفَّت حول رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد ديبي، إلا أن العديد من المؤشرات تدل على أن بعض أوساط وزعامات الزغاوة غير متحمسة للترتيبات الانتقالية الأخيرة.

بروز اعتراضات من داخل المؤسسة العسكرية على المجلس الانتقالي الحاكم عبَّر عنها بالخصوص الجنرال إدريس عبد الرحمن ديكو، وهو من القيادات النافذة في الجيش وكان في السابق المدير المساعد للديوان العسكري للرئيس يدبي، وقد تكلم باسم مجموعة من الضباط الرافضين للترتيبات الانتقالية الحالية.

رَفْض المكونات الحزبية والنقابية والمدنية في المعارضة تعيين رئيس الحكومة الجديد الذي لا تراه جديراً بتشكيل حكومة توافقية، كما طالبت بالتصعيد ضد المجلس العسكري الحاكم بما تجلَّى في المظاهرات الاحتجاجية الأخيرة التي ذهب ضحيتها عدد من القتلى.

رَفْض المجلس العسكري الحوار مع حركات المعارضة المسلحة في الخارج برغم إعلان هذه الحركات استعدادها وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات سلمية مع المجلس العسكري الانتقالي.

آفاق العملية الانتقالية

يبدو أن خيار الوساطة الساحلية (دول مجموعة الساحل) التي يقودها الرئيسان الموريتاني والنيجري تواجه مصاعب حقيقية بعد رفض رئيس المجلس العسكري محمد ديبي التفاوض مع الحركات المسلحة والتفاهم مع القوى السياسية والمدنية على أجندة الانتقال السياسي. ولذا فإن السيناريو الأبرز هو تصاعُد الاحتقان السياسي على عدة صُعُد:

الخلاف العائلي داخل أسرة ديبي ومجموعته القبلية الواسعة؛

تذمُّر القيادات العسكرية المقصية من إدارة المرحلة الانتقالية؛

تزايُد الحركة الاحتجاجية الداخلية؛

تزايُد هجمات الحركات المسلحة في الخارج، وهي جبهة التناوب والتوافق واتحاد قوى المقاومة واتحاد قوى الديمقراطية والتنمية ومجلس القيادة العسكرية لخلاص الجمهورية.

وفي حال انبثاق هذا السيناريو ستضطر المفوضية الإفريقية وتكتُّل دول الساحل وفرنسا إلى التدخل من أجل ممارسة ضغوط مباشرة على المجلس العسكري، بغية ترتيب حل توافقي جماعي على غرار التجربتين السودانية والمالية.

ويظل سيناريو خروج الأوضاع السياسية عن السيطرة والتحكُّم قائماً في حال عجز المجلس العسكري عن ضبط الترتيبات السياسية الانتقالية مع تصاعد نشاط الحركات المعارضة المسلحة في تناغم مع السخط الشعبي الداخلي.

أما السيناريو الثالث فهو نجاح الحركات المسلحة في قلب نظام الحكم ودخول البلاد عنوةً على غرار تجارب انتقال السلطة في السابق. ومع أن هذا السيناريو لا يزال مستبعداً، إلا أنه قد يتعزَّز في المستقبل في حال توطَّد التنسيق ما بين القوى المتمردة النشطة على الحدود الليبية، ويُعتقد أنها مدعومة من روسيا ومن بعض القوى المسلحة الليبية، ولها تأييد واسع في أوساط التوبو والقرعان وبعض فروع مجموعة الزغاوة.

خلاصة واستنتاجات

خلال مراسيم تشييع الرئيس الراحل إدريس ديبي تبلورت مبادرة للوساطة من خلال تكليف دول مجموعة الساحل وفرنسا الرئيسين الموريتاني والنيجري بترتيب حوار جامع بين المجلس العسكري وأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والحركات المسلحة. ومع أن المجلس العسكري تبنَّى رسمياً الحل السياسي التوافقي، إلا أن العديد من المصاعب بدأت تظهر بوضوح منذ الأيام الأولى، ومنها بروز خلافات واسعة في المحيط العائلي المباشر للرئيس ديبي، وبروز اعتراضات من داخل المؤسسة العسكرية على المجلس الانتقالي الحاكم، ورَفْض المكونات الحزبية والنقابية والمدنية في المعارضة تعيين رئيس الحكومة الجديد ومطالبتها بالتصعيد ضد المجلس العسكري، ورَفْض المجلس العسكري الحوار مع حركات المعارضة المسلحة في الخارج.

يبدو أن وساطة دول مجموعة الساحل التي يقودها الرئيسان الموريتاني والنيجري تُواجِه مصاعب حقيقية بعد رفض رئيس المجلس العسكري التفاوض مع الحركات المسلحة والتفاهم مع القوى السياسية والمدنية على أجندة الانتقال السياسي. ولذا، فإن السيناريو الأبرز هو تصاعُد الاحتقان السياسي على عدة صُعُد، بما فيها الخلاف العائلي داخل أسرة ديبي ومجموعته القبلية الواسعة، وتذمُّر القيادات العسكرية المقصية من إدارة المرحلة الانتقالية، وتزايُد الحركة الاحتجاجية الداخلية، وتزايُد هجمات الحركات المسلحة في الخارج. وفي حال تصاعُد هذا السيناريو ستضطر المفوضية الإفريقية وتكتُّل دول الساحل وفرنسا للتدخُّل من أجل ممارسة ضغوط مباشرة على المجلس العسكري، بهدف ترتيب حل توافقي جماعي على غرار التجربتين السودانية والمالية.

وبينما يظل سيناريو خروج الأوضاع السياسية عن السيطرة والتحكُّم قائماً، في حال عجز المجلس العسكري عن ضبط الترتيبات السياسية الانتقالية مع تصاعُد نشاط الحركات المعارضة المسلحة في تناغُم مع السخط الشعبي الداخلي، فهناك سيناريو آخَر يتمثَّل في نجاح الحركات المسلحة في قلب نظام الحكم ودخول البلاد عنوةً على غرار تجارب انتقال السلطة في السابق. ومع أن هذا السيناريو لا يزال مستبعداً، إلا أنه قد يتعزَّز مستقبلاً.

 

المصدر: مركز الإمارات للسياسات

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر