المرأة السعودية نصف الوطن 2020

التاريخ والوقت : السبت, 3 أغسطس 2019

نورة عبدالرحمن آل الشيخ

 

“أنا أخو نورة” كان يقولها الملك عبدالعزيز – رحمه الله – عندما ينتخي وعند مواقف اتخاذ القرار والشجاعة، كان محبًا لإخوته كثيرًا – رحمه الله – بالأخص الأميرة نورة لقربها منه، وقد أصبحت مضرب المثل في التاريخ السعودي.

مكانة المرأة في التاريخ السعودي كانت كأي دولة جديدة في العالم تعيش حياتها بالطريقة الطبيعية في ذلك الزمان، ومن المفترض أن تتطور مكانتها مثل دول العالم، إلا أن ما حدث في السعودية كان مختلفًا بعد الظهور المفاجئ لزمن الصحوة التي ألغت وجودها وأهميتها في تكوين مجتمع. دعوني لا أسترسل في هذه الحقبة الزمنية من 30 عامًا، فقد كانت لها أسبابها السياسية والمعقدة ولا رغبة لي بالعودة إلى الوراء، ما أريد حقًا أن أسترسل به هو أني وكامرأة في الثلاثينيات من عمري شهدت زمانًا، أنا ومن هم في جيلي، على أحداث لن يشهدها أي مجتمع في التاريخ البشري من قبل.

نحن جيل محظوظ جدًا لحصولنا على فرصة مشاهدة التغيير، وكوننا شهودًا على حقبة زمنية تاريخية ستدرس في المدارس، ومادة غنية للدراسات والمقالات والأبحاث حول العالم، ومادة دسمة للكتابة حول أحداث حقبة 2020 للمملكة العربية السعودية، وما قام به أمير الشباب ولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز في تحقيق أحلام وطموحات مجتمع فتي.

سرعة التغييرات التي حدثت منذ 2016 حتى 2019 مهولة ولا تصدق، 4 سنوات كانت كفيلة باجتثاث واقتلاع كل ما كان يجعل السعودية هدفًا لأعدائها، وما كان يجعلها مهددة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا بأن تكون من مصافي دول العالم الثالث؛ كانت الشجاعة، والحزم والسرعة شعارًا لهذا التجدد. كلها تحركات غير متوقعة ومُفاجئة للسعوديين ولغير السعوديين، خصوصًا لنا نحن النساء.

موضوع المرأة بالذات في المجتمع السعودي، كان موضوعًا حساسًا للغاية يتسبب بكثير من المشكلات واختلاف وجهات النظر؛ موضوع عملها، وقيادتها للسيارة، وسفرها، واستقلاليتها، وحريتها وحقوقها كمواطنة، بل حتى اسمها الكامل وصورتها الشخصية كانت موضوعًا للجدل لدى عوائل عدة. لم تكن المرأة السعودية تتميز بشخصية قيادية قادرة على مواجهة تلك التحديات بسبب الظروف الاجتماعية والسياسية التي منعتها ووضعت تحديات عدة أمامها، لكن المفاجأة التي حدثت من 2016 وبعد إنشاء قطاعات جديدة وفتح مجال العمل لها وتشجيع القطاعات على توظيف وتدريب المرأة وإظهارها بالصورة الحسنة للمجتمعات الدولية والسعي لاستقلالها واستعادتها حقوقها بالتدريج، كانت أشبه بالسراب الذي أصبح حقيقة.

لقد أُعطيت خلال الأربع السنوات الماضية حقوقها كفرد فعال في المجتمع بأحقية اتخاذ قرارات حياتها الشخصية، والتعليمية والمهنية، والقدرة على الاستقلالية دون الحاجة إلى رجل أو ولي ليوافق على مجرى وتطورات حياتها، وما كنا نتأمله ويدور في مجالسنا من أحاديث هو قبول المجتمع لهذه التغييرات، وقد كنت أشبه ما يحدث بنظرية التعلم الاجتماعي الذي استرسل بها “غابرييل تارد” الذي سيجعل المجتمع مع الوقت ليس فقط متقبلاً، بل مستنسخًا لسلوكيات المجتمع. فالمجتمعات تنسخ سلوك أفرادها واحدًا تلو الواحد لتصبح كالقبيلة تتميز بصفة واحدة، كما يحدث الآن في مجتمعنا، وهي الرغبة والطموح للتغيير والبناء والعمل والإنجاز واحترام المرأة وحقوقها، كلها من رؤية الأمير لوطن أفضل، فقد خلق فينا الشغف والحماس للتغيير من تقاليد وعادات ليست من ديننا ولا من أجدادنا.

تاريخ 1 أغسطس 2019 هو يوم تاريخي ثانٍ بعد قيادة المرأة للسيارة، وهو السماح لها باستخراج الجواز وحرية السفر. نسبة قد لا تعاني من موضوع حرية السفر والتنقل بسبب طبيعة العلاقة الأسرية السوية التي تجمع بين الأب وابنته والأخ وأخته، ولكن توجد أيضًا نسبة وقعت تحت مظلة الظلم من المحاكم في حال غياب الأب أو كون ولي الأمر أصغر سنًا، أو حتى التعنت ظلمًا في حق البنات وترك الأبناء في حرية تامة من السفر والدراسة لكونه ذكرًا.

تُعنى المجتمعات المتحضرة بالعلاقات الأسرية أولاً، فهي أساس المجتمع السوي الذي يتم تخريج أعداد هائلة من الأفراد منه ليصبحوا أفراد مجتمع فاعلين. ولعل المجتمع الآن يتعلم كيف يبني بيته من الداخل على أسس من المحبة واحترام الحقوق والمساحات الشخصية ليكون جزءًا من مجتمع حضاري يتوافق مع رؤية وطن طموح في مجتمع حيوي.

كبرت سقف طموحاتنا كنساء سعوديات عندما تمدد الإيمان بنا، لم نعد فقط نسعى للنجاح والتفوق على الصعيد الشخصي في حياتنا فقط، بل لنا الرغبة بإظهار هذا الدعم الذي تلقيناه من وطننا إلى العالم أجمع، ونخبر العالم أننا لا نشعر بالعار والخزي من وطننا، فنحن فخورون بماضينا، وفخورون أكثر بقدرتنا على التغيير، وأننا شهود على زمن لن تشهده دول عدة، فهذا الجيل يتميز بالمرونة، والذكاء الاجتماعي، والفطنة، والشجاعة وسرعة التنفيذ، ولم تعد عناوين المرأة السعودية في الصحافة والإعلام الآن شيئًا مميزًا، فقد أصبحت جزءًا كبيرًا، بل النصف الآخر من الوطن، ولم يعد هناك الحاجة الماسة لترويج أي فكرة عدائية أو إيجابية عن طريق المرأة السعودية.

لقد خضت مغامرة الأسبوعين الماضيين في وضع تحدٍّ أسميناه “تحدي جبل فوجي”، وهو الصعود إلى أعلى قمة في اليابان وأحد أشهر القمم في العالم، وقد رافقني في هذا التحدي فريقي لصعود الجبال، وكنا 7 بنات سعوديات، ومن المحزن أن خلال رحلتي تلقيت العديد من الرسائل من البنات المتابعات لتحدي هذا الجبل عبر “تويتر” و”سناب تشات”، وأكثر الرسائل التي آلمتني شكاوى الفتيات من عدم قدرتهن على خوض المغامرات بسبب التعنت الأسري فيما يختص بحريتهن وسفرهن وظهورهن، أيضًا بعض التعليقات التي لا تحترم الأدب والذوق العام التي تقول لي إن مكان المرأة هو المطبخ، وتعليقات لا ترتقي إلى أن تمثل فكر الرجل السعودي، ولكن أكثر منظر يتشبث في ذاكرتي من هذه الرحلة عند صعودنا أعلى نقطة ورفع العلم السعودي، كان هناك بعض اليابانيين الذين استأذنوا بتصويري مع العلم، وقد تلقينا بعض الأسئلة من مثل “علم أي دولة هذه؟”، “أنتن سيدات وتصعدن الجبال وحدكن؟”، “لم نشاهد سعوديات من قبل يصعدن جبلاً”. لقد كان فخري بصورتي مع العلم شيئًا لا يمكن وصفه، وقد علقت سابقًا أني أرغب بمسح الصورة النمطية عن المرأة السعودية؛ لذلك قررت نشر صورتي بالعلم فوق الجبل، وألا أكتفي بمشاركة الصورة مع الأهل والأصدقاء.

جلُّ ما كنت أفكر فيه بعد عودتي من اليابان، هو رغبتي بتغيير نمط الحياة أو الصورة النمطية لكثير من الفتيات اللاتي لم يجدن نمط حياة طبيعية بسبب ظروفهن الاجتماعية والتحديات التي تحيط بهن كونهن نساء. لكن عندما نُمنح طريقًا ممهدًا لنكون مجتمعًا نسائيًا سويًا كسائر المجتمعات الدولية، لها الحق في ممارسة الرياضة والسفر والحق في اتخاذ قرارتها والمشاركة دوليًا دون استحياء أو خجل من جنس أو اسم، ستكون كثير من الفتيات الموهوبات ممثلات مشرفات للوطن، والموضوع المهم من هذا كله أن يفخر الرجال بتفوق نسائهم وتطورات مجتمعهم النسائي في حياتهم بعد هذا التغيير.

 

مديرة تسويق وتواصل مؤسسي، عضو فريق نسائي لرياضة الهايكنق*

‪@NoraAlashaikh

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر