المحادثات الأميركية مع كوريا الشمالية: هل يمكن أن تتقدم بعيدًا عن “المعاملة بالمثل”؟

التاريخ والوقت : الأحد, 15 سبتمبر 2019

 

سانديب كومار ميشرا

لقد بات واضحًا أنه ما لم تُقَدِّم الولايات المتحدة نوعًا من الضمان الأمني ​​بالإضافة إلى تخفيف العقوبات عن كوريا الشمالية، فلن يكون هناك أي تقدم نحو الأمام في المحادثات الخاصة بنزع السلاح النووي بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. وعلى الرغم من قنوات الاتصال المفتوحة بين الزعيم الكوري الشمالي “كيم جونغ أون” والرئيس الأميركي دونالد ترمب، وعرض بيونغ يانغ الأخير لاستئناف المحادثات، فإن كوريا الشمالية استمرت في إجراء اختباراتها الصاروخية. فقد تمَّ إجراء ثمانية اختبارات صاروخية منذ يوليو 2019، وكان آخرها في 10 سبتمبر. كما أن هناك ثلاثة مؤشرات مهمة يتضمنها سلوك كوريا الشمالية، الأولى أنها مستعدة لمواصلة محادثات نزع السلاح النووي مع الولايات المتحدة. وثانيًا، أنها لن تفكر في التخلي عن الخيار النووي حتى يتم اتخاذ إجراءات متبادلة واضحة وملموسة من جانب الولايات المتحدة. أمَّا الثالثة، فإن كوريا الشمالية تسعى لإبرام صفقة مع الولايات المتحدة في أقرب وقت ممكن.

أمَّا بالنسبة للمؤشر الأول، الذي يتضمن اهتمام كوريا الشمالية بالمحادثات، فقد بدا واضحًا في موقفها الأخير؛ حيث وافق “كيم” على مقابلة الرئيس الأميركي في المنطقة المنزوعة من السلاح خلال فترة قصيرة جدًا في الثلاثين من يونيو 2019، كما تجنب انتقاده شخصيًا، وقد اقتصرت الاختبارات الصاروخية الأخيرة على الصواريخ قصيرة المدى. وفي نفس الوقت، يميل “كيم” للمضي قدمًا في المحادثات ما لم تكن هناك إجراءات واضحة من الولايات المتحدة في شكل تخفيف العقوبات وضمان أمني واضح أيضًا. وهو ما يستند إلى تجنب كوريا الشمالية الحوار على المستوى الرسمي مع الولايات المتحدة بذرائع مختلفة، وفي مقدمتها إجراء اختبارات الصواريخ قصيرة المدى.

وتعتقد كوريا الشمالية أن مطالبها لا يمكن الوفاء بها إلا من خلال التعامل المباشر مع ترمب، وأن أي مسؤول أميركي آخر، بما في ذلك “مايك بومبيو” والممثل الخاص لكوريا الشمالية “ستيفن بيجون”، ليس لديه القدرة على تسهيلها. وحتى الآن، لم يكن ترمب راغبًا في التمسك بشرط كوريا الشمالية المتعلقة بالمعاملة بالمثل، حيث يصر على إجراء حوار رسمي بشأن تفاصيل عملية نزع السلاح النووي.

كانت المرة الأولى التي أثارت فيها كوريا الشمالية مسألة المعاملة بالمثل بشكل واضح خلال القمة الثانية بين الزعيمين في “هانوي”، وهو المطلب الذي تمَّ إجهاضه بشكل مفاجئ. إذ يقال إن الولايات المتحدة اقترحت تنازلاً جزئيًا عن العقوبات، ولكنها طالبت كوريا الشمالية بتفكيك منشآتها النووية. وفي المقابل أوضحت كوريا الشمالية أنه بالنظر إلى المستوى المحدود من الثقة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، فإن مسألة اتباع نهج قائم على التدرج سيكون أكثر ملاءمة في التعامل مع هذه النقطة.

وعلى الرغم من أن كوريا الشمالية شعرت بخيبة أمل واضحة نتيجة عدم مشاركتها في قمة “هانوي”، فإنها حرصت على إبقاء الباب مفتوحًا أمام أية إشارات إلى تغيير رأي الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فقد برزت تكهنات بأن يتغير هذا النهج بعد أن عبَّر ترمب عن اهتمامه بلقاء “كيم” بعد قمة مجموعة العشرين. ومع ذلك، لم ينتج عن هذا الاجتماع الثالث أية نتيجة مفيدة أو جديدة. فعلى الرغم من خيبات الأمل هذه، وافقت كوريا الشمالية على بدء حوار على المستوى الرسمي مع الولايات المتحدة. ومع أنها لم تعد مستعدة للقيام بذلك، فمن الواضح أن الزعيم الكوري الشمالي كان في حالة انتظار بناءً على توقعاته بشأن سياسة الولايات المتحدة للتكيف والمرونة التي لم تظهر بعد. وهو ما قوبل بحالة غضب من جانب كوريا الشمالية، حيث لا تزال حالة الجمود قائمة ومستمرة.

ويبدو أن حالة الانتظار من جانب كلا الطرفين قد تأخذ المشهد إلى مكان آخر، لكن تلك الحالة قد أدت بدلاً من ذلك إلى الوصول لطريق مسدود. فالظروف الحالية ليست مثيرة للقلق بالنسبة للولايات المتحدة؛ لأن كوريا الشمالية تتوقف عن إجراء التجارب النووية في بعض الأحيان، كما تمت معالجة قضية رفات الجنود الأميركيين الذين فقدوا أرواحهم خلال الحرب الكورية. ومع ذلك فإن كوريا الشمالية تريد التوصل إلى اتفاق قبل نهاية العام. وهو ما ينشأ عن اعتقاد كوريا الشمالية بأن كسب تنازلات من ترمب، إذا عملت بشكل صحيح، سيكون أسهل من أي رئيس آخر، في حال تغيير ترمب.

كما أنه من الممكن أيضًا أن يكون ترمب قد أدرك مدى إلحاح القضية المستمدة من تواتر اختبارات الصواريخ المتزايدة، واحتمال حدوث تدهور سريع في هذه القضية، وأنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في نهاية المطاف، فقد تقرر كوريا الشمالية إجراء تجربة صاروخية أو نووية بعيدة المدى على سبيل التصعيد، وهو ما يعني الوصول في نهاية المطاف إلى أضرار تصيب موقف ترمب الانتخابي؛ إذ يُقال إن مستشار الأمن القومي “جون بولتون”، الذي كان الأكثر تشددًا في إدارة ترمب، قد تمت إزاحته (في نفس اليوم الذي أجرت فيه كوريا الشمالية آخر تجربة صاروخية)، وللسبب نفسه.

وفي الأيام المقبلة، يمكن أن تخفف الولايات المتحدة من موقفها في التعامل مع كوريا الشمالية، كما قد تتبنى مبدأ “المعاملة بالمثل” لكن بشكل أكثر مرونة. ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن تضارب سياسات ترمب قد يؤدي إلى الانفتاح على كافة الاحتمالات، كما أنه من السذاجة أن نفترض إمكانية أن يصبح أكثر دقة ورؤية في النهج المتبع من جانب الرئيس الأميركي بعد رحيل “بولتون” بشكل مفاجئ.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مركز دراسات السلام والصراع

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر