مركز سمت للدراسات الماركسية.. التحليل النفسي والواقع | مركز سمت للدراسات

الماركسية.. التحليل النفسي والواقع

التاريخ والوقت : الإثنين, 19 سبتمبر 2016

إيريك فروم

لقد كتبت العديد من الأعمال خلال الثلاثة والخمسين عامًا الماضية، وحاولت – في جوانب مختلفة – أن أشرح فيها أنه لا وجود لنقاط تتداخل بها الماركسية والتحليل النفسي فقط‪ ، ولكن هناك ترابطًا جوهريًا أيضًا بين الاثنين، مما يعني أنني لا أعتقد فقط بإمكانية هذه التوليفة، ولكن أعتقد أنها أيضًا ضرورة وجودية. كلٌّ من فرويد وماركس يشتركان في أنهما لم يُعنيا كثيرًا بالظواهر السطحية ولا القوى المحركة التي تعمل باتجاهات معينة وبدرجات متفاوتة لاستحضار الظواهر المتغيرة والمؤقتة.

والتحليل النفسي هو الأنموذج العلمي الوحيد في علم النفس، والماركسية هي الأنموذج العلمي الوحيد في علم الاجتماع. وإن هذين النظامين أتاحا لنا فهمًا أكبر للقوى المحركة والخفية وراء الظواهر وإمكانية التنبؤ بما قد يحدث للفرد في مجتمع معين، وفي ظل ظروف معينة عندما تستحضر القوى المؤثرة الظواهر التي تبدو نقيض ما هي عليه في الواقع.

وفي مجال علم النفس الفردي وكذلك في علم الاجتماع، يُفاجأ التفكير غير الديناميكي عندما يُؤثر بعمق، ومن ثم تقع التحولات الوجودية. في حين أن التفكير الديناميكي الذي يميز القوى اللامرئية على السطح، يكون قادرًا على التنبؤ بالتحولات المُحتملة. وهذا لا يعني أن فرويد أو ماركس كانا حتمية مطلقة. وأعتقد من منظور فلسفي بأن موقفهما يتداخل جزئيًا مع سبينوزا الذي قال “إن المرء لن يكون حُرًا إذا كان محدودًا بقوى مؤثرة وراء ظهره تحسم مصيره”. هذا الفكر لدى سبينوزا هو المكون الرئيسي للأخلاق، وهو نفسه لدى ماركس لُب الوعي الطبقي والعمل الثوري. أما لدى فرويد فهو يؤدي دورًا رئيسيًا في الإدراك الواعي لصراعات اللاوعي الذي اعتمد عليه علاجه.

وقد يكون من المثير للاهتمام، ملاحظة أن روزا لوكسمبورغ استخدمت مفهوم العقل الباطن من ناحية القوى التاريخية العمياء، وليس كاستخدام فرويد لقوى اللاوعي السيكولوجية.

إن نظريات فرويد و ماركس لديها عنصر مشترك في افتراض أن الفرد مدفوع بالقوى، لذلك فإدراك ووعي هذه النقطة يؤدي إلى التحرر، على الرغم من كون هذا التحرر لا يكون إلا ضمن الحدود التي حددها المجتمع والطبيعة البشرية.

وأود أن أضيف أنه قد تم تطوير منهج فرويد تحت تأثير المادية الميكانيكية – الفلسفة التي تجاوزها ماركس بالفعل – في القرن التاسع عشر، ونتيجة لذلك اعتبر فرويد الفرد بمثابة (ميكانيزم) معزول تقوده الاحتياجات الفسيولوجية فقط. وإذا كنّا نريد ضبط التحليل النفسي ليتلاءم مع احتياجات البحوث الاجتماعية، فنحن نحتاج إلى كسر هذا الإطار الضيق لكل من المادية الميكانيكية واعتناق فرويد إلى إطار الفلسفة الإنسانية للتاريخ.

وبعدها لن يكون التركيز الأساسي على ما يدفع الفرد – الذي يختلف تطوره بنسبة قليلة عن الحيوان – ولكن عن علاقة الفرد بالعالم.

وهنا يصبح الفرق الأهم بين فرويد وماركس جليًا، فالفرد بالنسبة لفرويد – كما ذكرنا – كائن معزول يحتاج إلى غيره من البشر لتلبية بعض الاحتياجات الفسيولوجية فقط، وهذا يعني أن مفهوم فرويد للفرد هو صورة برجوازية تشارك في عملية التسليع. أما ماركس، فقد صمم مفهومًا مختلفًا للفرد بوصفه كائنًا كليًا محتاجًا للعالم، ويكمن شغفه في قدرته الممكنة لتحقيق أهدافه. وأعتقد أنه عندما يتم تعديل التحليل النفسي في اتجاهه الموصوف، يمكن أن يكون مفيدًا لتفسير الظواهر المختلفة التي لم تضع الفلسفة الماركسية تحليلًا لها حتى الآن. هذه هي أشكال التطور الحر للطاقة البشرية من أجل أهداف واحتياجات بنية اجتماعية معينة.

وأنا أرى أن الطابع الاجتماعي، هو عنصر أساسي للظرف الاجتماعي، وفي نفس الوقت رابط بين البنية الاقتصادية للمجتمع ومفاهيمه.

وإن الطاقة البشرية هي قوة منتجة مثل جميع القوى الطبيعية، غير أنها طاقة لا تعمل كقوة طبيعية نقية، ولكنها دائمًا ما تكون ضمن شكل اجتماعي معين وبنية أسميها – بالمعنى الديناميكي – الطابع الاجتماعي.

وفي اعتقاد أبعد من ذلك، يمكن للمرء أن يفسر بطريقة تحليلية نفسية – وبقدر كبير من التفصيل – كيف يمكن أن تتكشف طريقة تحديد الوعي الاجتماعي، وكيف تحدد الفئات الاجتماعية وعي الإنسان، وكيف يعمل الفلتر الاجتماعي، ولماذا تمتد بعض العناصر إلى الوعي، على حين يحظُر على أخرى.

وهذا يعني أنه لا وجود للوعي الاجتماعي فقط، ولكن أيضًا هناك اللاوعي الاجتماعي الذي يغطي كل ما هو مخالف لبنية مجتمع محدد.

فالمجتمع يكون غير راضٍ ببساطة حينما لا يفعل الفرد ما لا يفترض أن يفعله. إنه يطالب  بأن لا يفكر الفرد بما لا يفترض التفكير به؛ لأن الفكر هو المفتاح الأساسي للقيام بخطوة ما. وبالتالي يحتاج التحليل النفسي إلى مراجعة من قبل المفاهيم الماركسية، وتحتاج الماركسية أيضًا إلى إضافة المفاهيم السيكولوجية؛ لأنه خلاف ذلك، يمكن للفرد مناقشة الإنسان – الذي يمثل الموضوع الرئيسي للفكر الماركسي – فقط بمصطلحات فلسفية مجردة.

مشكلة الاغتراب

الاغتراب هو مثال جيد يبين ضرورة ارتباط علم النفس الديناميكي (علم النفس الإنساني) والتفكير الماركسي، إذ إن أنبياء العهد القديم قد واجهوا مشكلة الاغتراب في سياق الوثنية. وهنا يؤكد هذا المفهوم أن هذه الأصنام مجرد أشياء من صنع الإنسان، وإذا عبدها فإنه سيخسر ويصبح هو نفسه شيئًا.

في اعتقادي، أن الإنتاج الصناعي يؤكد هذا الاغتراب أكثر، مُذ خلق الإنسان مثل هذه المنظمات والمنتجات العملاقة الذي يشعر بالضعف والعجز حين مواجهتها، وبدلًا عن خضوعه لها، فهو يحاول فرض السيطرة عليها.

ولا يوجد رمز أكثر وضوحًا وأكثر لفتًا للاغتراب من الأسلحة النووية، ليس فقط لأنها مصنوعة بأيدي الإنسان ذاته، ولكنها أيضًا نتيجة لفكر الإنسان العبقري. وبالرغم من ذلك، فإن هذه الأسلحة تُمثل أخطر تهديد لوجود الجنس البشري نفسه. وهذا هو بالضبط ما كان يقصده ماركس عندما قال “إن الأمور والظروف ضد الفرد وأكبر منه”، أو كما قال الفيلسوف الأمريكي رالف والدو إمرسون مرة  “إن الأمور على صهوة الفرس وتقود البشرية بأكملها”، بيد أن الآليات السيكولوجية تؤدي دورًا هنا.

وإذا كنّا نريد حقًا أن نفهم ما هو الاغتراب، فلن نتفحص هذا المصطلح بطريقة فلسفية مجردة فقط، ولكن علينا أن نرى ما يحدث للإنسان المغترب بطريقة تجريبية وسيكولوجية.. بأي طريقة يشعر بالضعف والعجز، ما الذي يخشى دوامه، وأي نوع من الأمان يجده في عبادة القوى التي كلما أصبحت أكثر قوة شعر بأنه أشد عجزًا.

ويمكن للمرء بالطبع أن يصف كل هذا في مصطلحات فلسفية، ومع ذلك، فأنا أخشى أن تكون هناك حدود لهذا. وإذا لم نكن قادرين على وصف الاغتراب سيكولوجيًا ولم نجرب ما يعنيه، فإنه يصبح في حد ذاته مفهومًا مغتربًا.

التحليل النفسي والفن

يرتبط التحليل النفسي بشكل وثيق جدًا بظواهر الفن، ولكن بماذا يُعنى؟

يهدف التحليل النفسي إلى إدراك ما هو حقيقي حقًا، وما يعتبره الحس السليم مضللًا وغير حقيقي. إن معظم ما يكوِّنه اللاوعي هو حقيقي تمامًا. أما معظم ما يشكل محتوى الوعي لدينا، فهو مجرد وهم.

على سبيل المثال، عندما يركز التحليل على الأحلام، فإنه يتعامل مع وعي الحلم الذي هو كل ما تم حظره على الوعي اليقظ، لأنه ببساطة لم يستطع المرور من الفلتر الاجتماعي.

ويكون الفرد في النوم عبقريًا وغير عقلاني أكثر مما هو عليه عندما يستيقظ. فعلى سبيل المثال، يمكننا أن نرى كثيرًا من الأشخاص مبدعين بشكل ملحوظ في أحلامهم؛ إذ إنهم يحلمون بأعمال درامية صغيرة، كبيرة وغالبًا ما تكون بديعة. ومع ذلك، فإن نفس الأشخاص عندما يستيقظون، فإنهم يتسمون بامتلاك أفكار شائبة ودنيوية مما يؤدي إلى استنتاج مفاده أن “الفرد يعرف أكثر مما لا يعرف”.

ويجعل التكيف الاجتماعي الفرد أعمى تجاه العديد من الحقائق التي يدركها فعلًا حينما يكون غير واع تمامًا. وعلاوة على ذلك، يبدو واضحًا أن الفرد يكون أكثر إبداعًا مما يسمح المجتمع له. ولا تكمن مصلحة المجتمع في نشوء فرد حر، ولكن في جميع الأشكال السابقة والحالية للمجتمع، فإن المصلحة ببساطة هي جعل الفرد مفيدًا ومتاحًا لاستغلال طاقته لأقصى حد من أجل تحقيق أهداف المجتمع.

وإن التحليل النفسي الإنساني، ما هو إلا تنقيح للتحليل النفسي الفرويدي الذي انشغل بمجمل التجربة الإنسانية دون الصراعات والدوافع التي يمكن أن تتضح فقط لو تيقظ الفرد بشكل جزئي في أي من المجتمعات السابقة والحالية.

وهذا هو الجزء الأكبر مما يظن أنه وهم بكامل وعيه، وهم قد منحه إياه المجتمع، وليس فقط بوصفه عنصرًا من عناصر القمع الذي لا مفر منه، ولكن بوصفه أيدولوجية.

والفن لديه نفس الوظيفة، وتتمثل مهمته من خلال الحصول على الحقيقة الكاملة. إن الرسام أو المسرحي العظيم هو القادر على أن يظهر لنا ما هو “الواقع الحقيقي” وليس مجرد ما هو تقليدي، أو مقبول، أو جميل.

ويمكن للمرء أن يقول إن الفنانين الكبار كانوا دائمًا مهرجي بلاط للمجتمع، وكان مسموحًا لهم بقول الحقيقة للبشرية، وقول الحقيقة يعني رؤية الواقع. وكانت مهمة الفن في التاريخ، هي الحفاظ على الجنس البشري من الانزلاق إلى سبات كلي وخضوعه باستمرار لأوهام وعيه. ودائمًا ما تُظهر المسرحيات والأعمال الفنية الكبيرة أن الواقع – الذي لا يعيه الفرد – موجود، وبإمكانه أن  يحس – لدقائق أو ساعات كاملة – من خلال عيون الفنان.

ولو ذهب هاملت لمحلل نفسي لكان قد قال: “زوج والدتي رجل محترم وكذلك والدتي جُبلت بلا عيوب، ولكن لا يزال لدي شعور سيئ”. حقيقة أن والدته وزوجها مجرد قتلة، أمر لا يمكن تصوره حيث استعصى اختراق وعيه. ولكن فقط في شبح و روح والده، اقتنع هاملت بأن للشك ما يبرره. وهنا تكمن المفارقة في أن الفرد قد يتصرف بشكل جنوني تمامًا لمعرفة الحقيقة كاملة. ولو كان جوزيف ك، بطل كافكا، قد ذهب إلى طبيب نفسي لكان قال: أنا بخير، لدي وظيفة جيدة وحياة جنسية طبيعية. ولكن في الليلة الماضية، راودني حلم قض مضجعي، ثم يقول له ما وصفه كافكا في “المحاكمة”: جوزيف ك، هو رجل طبيعي، ولأنه طبيعي، لا يمكنه رؤية الحقيقة.

وفي الواقع كافكا هو فنان كبير، لأنه عرض لنا تشريح هذا الشخص “العادي” وواقعه، وهو في حقيقة الأمر معتل جدًا، ووجّه التركيز هنا لعلم أمراض الحالات الطبيعية.

إن ما أسهم به التحليل النفسي مع الفنان، هو رؤية كل فرد باعتباره بطلًا دراميًا. ولا صلة لهذا بكل ما يسمى “فرد مثير للاهتمام”، فكل فرد هو بطل درامي، وكائن عبقري تم طرحُه وسط هذا العالم، في صراعات مع قوى مخيفة وعقبات، حاول تحقيق معنى لحياته من خلال التغلب عليها. وغالبًا ما كان الفرد بطلًا دراميًا في التاريخ كله، وهذا البطل أيًا كان، فهو مثير للاهتمام، ليس بسبب امتلاكه لهذا أو ذلك التعقيد، ولكن لأنه تجسيد لدراما إنسانية محددة. وإن المحلل النفسي ليس فنانًا أو مسرحيًا، وهو ليس شكسبير، ولكنه لا بد أن يمتلك عيني كاتب مسرحي كبير ليكون قادرًا على تصوّر واقع الفرد. وفيما يصوره الفنان الكبير عالميًا، فلا بد للمحلل أن يرى ما هو “الحقيقي حقًا” في الفرد.

إعداد وحدة الترجمات*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر