مركز سمت للدراسات الليرة التركية: قصة سقوط حر | مركز سمت للدراسات

الليرة التركية: قصة سقوط حر

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 26 أكتوبر 2021

ترجمة: محمد الدخاخني 

 

عندما استأجرتُ شقّتي الأولى في إسطنبول، منتصف عام 2013، كان الاقتصاد التّركيّ يعمل بشكل جيّد وكان الدولار الأمريكي يعادل ليرتين، وبعد مرور عام، كان لليرة القيمة نفسها تقريباً، وبالنسبة إليّ، أنا المغترب الذي وصل مؤخّراً، بدت العملة التّركية مستقرّة نسبيّاً ولا تستحقّ القلق، وهو بالضّبط الوقت الذي بدأ فيه القاع في السّقوط.

بحلول أواخر صيف 2015، استقرّ الوضع عند ثلاث ليرات مقابل الدّولار، ممّا دفع صاحب العقار إلى زيادة إيجاري بنحو الثّلث. بحلول أوائل عام 2017، هبط الوضع إلى ما يقرب من أربع ليرات مقابل الدّولار وتساءل بعض مراقبي تركيا عمّا إذا كان هذا نهاية الانخفاض.

بدلاً من ذلك، تجاوز الوضع عتبة الخمس ليرات مقابل الدّولار، منتصف عام 2018، ووصل إلى ستّ ليرات في العام التالي، ثمّ وصلت الجائحة: التّضخّم والبطالة ظلّا مرتفعين بشكل مستمرّ على مدار العشرين شهراً الماضية ودُفع حوالي 1.5 مليون مواطن تركيّ إلى الفقر. في الأسبوع الماضي، بعد مرسوم صدر في منتصف الّليل من الرّئيس، رجب طيب أردوغان، بعزل ثلاثة مسؤولين بالبنك المركزيّ، تراجع الوضع إلى تسع ليرات مقابل الدّولار واستمرّت العملة المحلّيّة في الانخفاض.

تصنّف الّليرة باستمرار ضمن أسوأ العملات أداءً في الأعوام الأخيرة وقد يتّجه الوضع إلى عشر ليرات مقابل الدّولار بحلول نهاية العام. دفع اندفاع المواطنين الأتراك لاستبدال الّليرة بالدّولار واليورو الأسبوع الماضي الحكومةَ إلى فرض استخدام بطاقات الهويّة لمثل هذه المعاملات، وذلك على الأرجح في محاولة لإبطاء اختفاء الّليرة.

وبالنّظر إلى أنّ تركيا ظلّت غارقة في الأزمة الاقتصاديّة، فقد كنت أتفحّص الوضع بانتظام في هذا العمود الصّحافيّ: أشرح بالتّفصيل وجهة نظر الحكومة التّركيّة الحالية، غير الأرثوذكسيّة، للعلاقة بين التّضخّم وأسعار الفائدة؛ تغيير محافظي البنك المركزيّ، وحثّ الحكومة مواطنيها على التّسوّق وهم ممتلئون، وتذكير إمام كبير لسكان إسطنبول بأنّ الله سيكافئ من يصمد أمام الخوف والجوع، وتراكم الدّيون على المزارعين والشّركات الصّغيرة، وأكثر من ذلك.

فقد النّاتج المحلّي الإجماليّ لتركيا ربع قيمته، حيث انخفض من ذروة بلغت 960 مليار دولار عام 2013 إلى 720 مليار دولار العام الماضي

في آب (أغسطس)، حاججتُ بأنّ محافظ البنك المركزيّ يواجه خياراً: إمّا خفض أسعار الفائدة أو فقدان وظيفته.

أجرى الخفض الشّهر الماضي وظلّ في منصبه، لكن التّضخّم ارتفع إلى أعلى مستوى له في عامين ونصف. من عام 2003 إلى عام 2018، خفضت تركيا معدّل الفقر لديها بنسبة 77 في المئة، لكنّ المعدّل ارتفع منذ ذلك الحين بنحو 30 في المئة، وحتّى مع تسجيل الاقتصاد التّركيّ نموّاً، عام 2020، وأوائل عام 2021، اتّسعت الفجوة بين مَن يملكون ومَن لا يملكون.

اليوم، يعاني العديد من الأتراك لدفع ثمن الضّروريّات الّتي تُكلّف ثلاثة إلى أربعة أضعاف ما كانوا يدفعونه قبل بضعة أعوام فقط. يوم الجمعة، أقرّ عمر كوج، رئيس شركة كوج هولدنغس، أكبر تكتّل تجاريّ تركيّ، بالحاجة إلى إصلاحات، وقال في فعالية للشّركة: “إنّه لأمر محزن للغاية أن نرى إلى أيّ مدى يؤدّي الضّغط المتزايد من التّضخّم إلى استنزاف مواطنينا”.

وهناك كثيرون ممّن قد تستنزفهم هذه الأيّام؛ فمع انخفاض الّليرة الأسبوع الماضي، تجاوز سعر النّفط عتبة الـ 80 دولاراً للبرميل للمرّة الأولى منذ ثلاثة أعوام، ويتوقّع بنك “غولدمان ساكس” أن يظلّ السّعر مرتفعاً لفترة طويلة، وهو ما يمثّل مشكلة خاصّة لتركيا لأنّها تُنتج القليل جدّاً من طاقتها الخاصّة.

وحافظت الحكومة، حتّى الآن، على استقرار أسعار الوقود نسبيّاً من خلال إلغاء الضّرائب. يقول المحلّل، كان أوكار، على تويتر، موضحاً بالتّفصيل كيف تقف الحكومة بين المطرقة والسّندان: “لكن اعتباراً من هذا الأسبوع، يبدو أنّ الضّرائب قد نفذت منهم بسبب تخلّيهم عنها”، ويضيف: “الآن يمكنهم إمّا تقديم الدّعم الماليّ وجعل الثّقب الأسود في الماليّة العامّة ينفجر، أو ارتفاع الأسعار”.

مراقبون: تحرّكات البنك المركزيّ الأخيرة لأردوغان اتُّخذت استعداداً لخفضٍ آخر لسعر الفائدة، ممّا قد يؤدّي إلى تمديد انخفاض الّليرة وتعريض المستهلكين الأتراك لمزيد من الخطر

في ضوء انخفاض الفرص في الأعوام الأخيرة، انتقلت أعداد كبيرة من الشّباب الأتراك المتعلّمين إلى الخارج؛ أكثر من 330 ألف شخص غادروا تركيا عام 2020، وأكثر من 40 في المئة من هؤلاء دون سنّ الـ 35، كما وجد استطلاع حديث أجرته شركة “متروبول”؛ أنّ 47 في المئة ممّن شملهم الاستطلاع يأملون في العمل أو الدّراسة في الخارج: خرّيجو الجامعات والعمّال ذوو المهارات العالية، على وجه الخصوص، يرغبون “في البدء من جديد”، بسبب الانخفاض النّاجم عن الجائحة في الرّحلات الجويّة والرّواتب.

 على سبيل المثال، غادر الطّيارون الأتراك البلاد بأعداد كبيرة، حيث يسعى كثيرون للحصول على أجور أعلى بشكل كبير في شركات الطّيران الخليجيّة.

سعى فيدات بيلجين، وزير العمل والضّمان الاجتماعيّ التّركيّ، الأسبوع الماضي، إلى إضفاء لمسة إيجابيّة على موجة المغادرين والاهتمام المتزايد بالبحث عن الثّروة في أماكن أخرى، قائلاً: “من الطّبيعي أن تكون لدى الشّباب هذه الرّغبة”، وأضاف: “يجب ألّا ننظر إليهم على أنّهم “يريدون الهروب من تركيا”، بهذه الطّريقة سوف يتعرّفون على العالم”.

بالنّسبة إلى طلّاب الجامعات المتبقّين، أدّى انخفاض الّليرة والارتفاع الحادّ في أسعار الإيجارات إلى صعوبة العثور على سكن، ومع استئناف الدّراسة هذا الشّهر، اعتصم الآلاف في الحدائق للتّأكيد على محنتهم، ومن جانبه، ندّد أردوغان بالاحتجاجات وقال إنّ العديد من المعتصمين ليسوا حتّى طلّاباً.

قال: “هذه مجرّد نسخة أخرى من حوادث حديقة غيزي”، من بعض النّواحي، يعود كلّ هذا إلى منتصف عام 2013، عندما أظهر الاقتصاد للمرّة الأولى علامات التّباطؤ ونزل ملايين الأتراك إلى الشّوارع لمواجهة العلامات المبكّرة للسّلطويّة.

يمكن أن يُسامَح الزّعيم التّركيّ الذي يحكم منذ وقت طويل لأنّه شعر كما لو أنّ فيلمه الأقلّ تفضيلاً يُعرَض في حلقةٍ لا نهاية لها طوال الجزء الأكبر من العقد السّابق: احتجاجات غيزي منتصف عام 2013، وتحقيق ضخم في الفساد بعد ستة أشهر أجبر ثلاثة من وزرائه على الخروج من الحكومة، وفقدان حزبه، حزب العدالة والتّنمية، الأغلبيّة البرلمانيّة منتصف عام 2015، ومحاولة الانقلاب عام 2016، وانهيار العملة عام 2018، والخسائر الكبيرة في الانتخابات المحلّيّة عام 2019 وأخيراً الجائحة.

على طول الطّريق، فقد النّاتج المحلّي الإجماليّ لتركيا ربع قيمته، حيث انخفض من ذروة بلغت 960 مليار دولار عام 2013 إلى 720 مليار دولار العام الماضي، وقد عبّر النّظام الماليّ العالميّ عن رأيه بالأفعال: عام 2013، امتلك المستثمرون الأجانب 30 في المئة من الدّين الحكوميّ المقوّم بالّليرة، واليوم، يمتلكون أقلّ من من 5 في المئة.

يتوقّع العديد من المراقبين أنّ تحرّكات البنك المركزيّ الأخيرة لأردوغان قد اتُّخذت استعداداً لخفضٍ آخر لسعر الفائدة، ممّا قد يؤدّي إلى تمديد انخفاض الّليرة وتعريض المستهلكين الأتراك لمزيد من الخطر. قبل أعوام، حدّد أردوغان هدفاً طموحاً يتمثّل في جعل تركيا واحدة من أكبر 10 اقتصادات في العالم، بحلول الذّكرى المئويّة لتأسيس الجمهوريّة عام 2023، لكنّ بيانات صندوق النّقد الدّولي الّتي نُشرت الأسبوع الماضي كشفت أنّ تركيا تراجعت بدلاً من ذلك من بين أكبر 20 اقتصاداً في العالم.

السّؤال الرّئيس الآن هو إلى أيّ مدى يمكن أن تنخفض الليرة ويهبط الاقتصاد التّركي.

المصدر: حفريات عن – ذي ناشونال نيوز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر