مركز سمت للدراسات اللعبة الكبرى في آسيا | مركز سمت للدراسات

اللعبة الكبرى في آسيا

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 27 أبريل 2021

يوري إم يارمولينسكي

 

وسط تزايد الاعتراف بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ كمحرك ومركز للتنمية والنمو العالمي في المستقبل، من المهم تسليط الضوء على الحدث التاريخي الذي جرى في 12 مارس 2021، وهو “القمة الافتراضية رفيعة المستوى للحوار الأمني ​​الرباعي” والمعروفة بـ”القمة الرباعية” بين الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، وقد تم الترويج للصيغة غير الرسمية للقمة “الرباعية” من قبل المشاركين فيها منذ عام 2007 بناءً على طلب من طوكيو، بدرجات متفاوتة من النشاط والمشاركة الوطنية والنجاح، ويشير التحليل الأوّلي للمنشورات الموضوعية للمراكز التحليلية الآسيوية والهندية بشكلٍ أساسي إلى استنتاجات عامة، وكما هو متوقع فقد كان الخطاب الرئيسي هو الربط بين السبب والنتيجة في زيادة نشاط “الرباعية” والإجراءات الصينية الأحادية والتوسعية في المنطقة، وفي هذا الصدد تسعى الإدارة الأميركية الجديدة إلى تحالف شركائها الإقليميين، بما في ذلك الموجودين منهم بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة بكين.

ومع اقتراب إضفاء الطابع المؤسسي المقصود على “الرباعية”، يبدو أن المشاركين فيها مُصمّمون على العمل بشكل وثيق مع الجهات الإقليمية الرئيسية، وبالتالي فمن أجل طمأنة الدول الأعضاء في “آسيان” وسط هذه الاضطرابات الجيوسياسية، أكَّد القادة دعمهم القوي لوحدة “آسيان” ومركزيّتها، ومع ذلك فإن العديد من دول “آسيان” لا تريد أن تنحاز بشكلٍ علنيٍ في المواجهة بين الولايات المتحدة والصين، حيث يرحب معظمهم بتواجد الولايات المتحدة بالمنطقة، وفي الوقت نفسه هم يدركون فوائد التعاون مع الصين، والتي ستظل على أي حال الشريك التجاري الرئيسي.

وبالنظر إلى خطط فرنسا وبريطانيا العظمى وألمانيا لتعميق التعاون مع منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لا يستبعد الخبراء التوسع المستقبلي للمجموعة “الرباعية”، وبينما هيمنت السلامة البحرية على جدول أعمال القمة، كان هناك تركيز أيضًا على تداعيات جائحة “كوفيد- 19” على الاقتصاد وعلى صحة الإنسان، وتغير المناخ، والتحديات المشتركة في الفضاء الإلكتروني، والتقنيات الحيوية، ومكافحة الإرهاب، والاستثمار في البنية التحتية الجيدة، والمساعدة الإنسانية، والإغاثة من الكوارث.

واتفق قادة المجموعة “الرباعية” على إطلاق برنامج تعاون في مجال اللقاحات لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع التركيز على جنوب شرق آسيا “آسيان”، والذي إذا نجح يمكن تكراره في قطاعات أخرى، فالهدف المُعلن للمبادرة هو مواجهة تحديات الرعاية الصحية الخطيرة، عبر خلق فرص للتطعيم السريع لعدد كبير من الناس، ومن الواضح أن هذه مبادرة تستحق الموافقة والدعم، مع ذلك تكشف نظرةٌ فاحصةٌ عن محاولة كامنة لمواجهة دبلوماسية اللقاحات الصينية “طريق الحرير الصحي” التي تغطي بالفعل أكثر من 60 دولة حول العالم.

يمثل قرار “الرباعية” من نواحٍ عديدة بداية التركيز على نهج جديد لمكافحة الوباء في الصين، فبينما تستمر إدارة “بايدن” في المتابعة بأساليب “ترمب” بشأن هذه القضية، إلا أنها تسعى أيضًا إلى خلق قيمة مضافة لا سيما فيما يتعلق ببناء التعددية وخلق تحدٍ معقد لبكين.

عشية القمة حذرت صحيفة جلوبال تايمز الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، من أن محاولة تكرار “الناتو” في آسيا لن تنجح، وبدورها قامت روسيا في السابق بوصف “الرباعية” على أنها لعبة جديدة للغرب،ت المصمم على إشراك الهند في استراتيجيات مناهضة للصين وتقويض العلاقات الهندية الروسية، وبالنظر إلى هذا الخطاب ستكون المهمة الرئيسية للدول الأعضاء في “الرباعية”، هي موازنة العلاقات الاقتصادية في المنطقة مع كبح توسع الصين في نفس الوقت، وتعتمد جميع الدول الرباعية بشكلٍ كبيرٍ على “سلاسل التوريد الصينية”، وكل الدول مندمجة اقتصاديًا مع الصين أكثر من بعضها البعض، وينطبق هذا بشكلٍ خاص على الهند واليابان، فالصين هي أول أو ثاني أكبر شريك تجاري لهما، لذا يعتقد المحللين الهنود أن نيودلهي ستكون قادرة على إحياء هذا المشروع، ليصبح بديلًا للمصنع الصيني العالمي.

تعتبر الهند بالتأكيد عنصرًا أساسيًا في أي استراتيجية في المنطقة، لكن حتى الآن لم تجرؤ نيودلهي على الانضمام المباشر للولايات المتحدة، عبر احتواء الصين أو إضافة بُعد صريح مناهض للصين مع مشاركتها في “الرباعية”،

في الوقت نفسه فإن الفجوة المتزايدة في القوة الوطنية، والمواجهة الحدودية طويلة المدى، والعوامل الأخرى ذات الصلة قد تدفع الاستراتيجيين الهنود، إلى مراجعة معينة لسياسة الحكم الذاتي الاستراتيجي، وجعل الولايات المتحدة وهي الداعم الأمني ​​الرئيسي كما في حالتي أستراليا واليابان.

“الرباعية” بإمكانها وضع إطار لعمل نموذج حوكمة عالمي في عالم ما بعد الجائحة، لكن من غير المرجح أن تصبح تحالفًا أمنيًا رسميًا على غرار “حلف الناتو”، حيث سيتحدد تطورها من خلال قدرتها على مزج التحديات العالمية لصالح مجموعة واسعة من البلدان، ومن ناحية أخرى بغض النظر عن الشكل الذي ستتخذه القمة في مارس، فسيكون لها تأثير على الجغرافيا السياسية في المنطقة، ومن الناحية النظرية قد تدفع مثل هذه الديناميكيات بكين إلى إضفاء الطابع المؤسسي على مشروع “رباعية الهيمالايا”، والذي يشمل الصين ونيبال وباكستان وأفغانستان، باعتباره ثقل موازن لمجموعة “الرباعية”.

لقد دفعت الأزمة الوبائية في الصين والتي كشفت عن نقاط الضعف والتبعيات، كلًا من الهند واليابان وأستراليا إلى إطلاق مبادرة عالمية منفصلة بالفعل لمرونة سلسلة التوريد، والتي تتضمن إعادة تنظيمها بعيدًا عن الصين، وبالنسبة للعديد من البلدان في آسيا وأوقيانوسيا، فإن العامل الصيني هو المحرك الرئيسي لوارد الأسلحة على نطاق واسع، ووفقًا للبيانات الحديثة الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “SIPRI”، فقد تم تصنيف هذه المنطقة بالذات على أنها أكبر مستورد للأسلحة التقليدية في عام 2020، حيث تمثل 42% من التجارة العالمية، كل ذلك بينما كان المستوردين الرئيسيين هم الهند وأستراليا والصين وكوريا الجنوبية وباكستان.

المحللين الهنود يشيرون إلى أن معدل الفائدة السنوية يصبح كالفوز بالجائزة الكبرى، في مسابقات الوضع الجيواستراتيجي للكوكب ومركز الصدارة، الذي يتم فيه تنزيل الإصدار الجديد من اللعبة الرائعة، كما أن من الصعب القول إن المنطقة تنتمي إلى الفضاء الجيوسياسي، حيث تتحدى الصين كلاً من الولايات المتحدة والوضع الآسيوي الراهن، في محاولة لتحقيق الحلم الصيني والوصول لمكانة قوة عالمية عظمى.

وبالتالي فإن الاتجاه الواضح والحتمي على ما يبدو، لتحويل مركز الجغرافيا السياسية والجغرافيا الاقتصادية في العالم، يشير إلى أن “القرن الآسيوي” القادم سيكون حافلًا بالأحداث، وبالكاد يمكن لأي شخص أن يظل غير متأثر، ويشير هذا على وجه التحديد إلى هؤلاء المتحمسين الذين سيصبحون قادرين على رؤية إمكاناتها الخفية بدقة وفي الوقت المناسب، وعلى رؤية الفوائد من وجهة نظر المصالح الوطنية، وصياغة الخطوط العريضة لاستراتيجيتهم الفريدة الخاصة بالمناورة الآسيوية.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: Observer Research Foundation

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر